هوذا يُسمع وقع خطوات عبر رواق الأزل، ومعها يقترب منّا القدوس، ساكن الأبد، قرباً لم يعهده جنسنا البشريّ من ذي قبل. فناشر السماوات يلج عالمنا هذا، لا ملكاً عظيماً ثريًّا، بل شخصاً فقيراً مغموراً؛ ومؤسس جميع أطراف الأرض يتسلّل إلى كوكبنا هنا, لا قائداً جبّاراً منتصراً، إنما  طفلاً  وادعاً في مذود الدّواب، حيث الفقر المدقع الشّديد يُلوِّن جوانب الإسطبل الذي ضمّه وأمه العذراء النقيّة، التي ولدته من الروح القدس الذي حلّ عليها وظلّلها.

لقد بزغ فجر جديد لازورديّ في كشف الله عن ألغاز فكره وسرائر طرقه وعن محبته الفائقة من نحونا؛ نحن جبلته التي تمرّدت عليه وغدرت به بآدم في واقعة شجرة المعرفة. هناك في عدن فردوسنا المفقود!

لكن حبَّه العُجاب أبى عليه إلاّ أن يرسل إلينا وحيده ورجل رفقته: آدم الأخير, في هكذا اتضاع غريب حتى يتسنى له أن يزيل معاصي غدرنا ويرفع خطية العالم الساقط برمته. فنعود، لا إلى فردوس أرضي خسرناه بسقطة رأسنا الأول آدم، بل إلى فردوس محضر الله نفسه في الأقداس السماويّة، وذلك بطاعة نائبنا الرّب يسوع المسيح لإرسالية الله أبيه إلى كوكبنا الآثم في سبيل صنع الفداء. على أن حقيقة فرحنا العظيم بالميلاد تصير وهماً وسراباً مخادعين، على الرغم مما رافق التّجسّد من رونق أحداث مشوقة وظروف  مثيرة غير مألوفة، لو أن المسيح القدوس لم يتقدّم طواعيةً إلى الصليب ليحمل خطايانا. فبواسطة موته البديلي الكفاري هناك، أصبح التبرير، والسلام مع الله، والحياة الأبدية، والسّماء  في متناول نفوس كل أولئك الذين يثقون بشخص ابن الله وصنيع موته وقيامته لأجلنا. لكنه ما كان في وسعه إظهار إحسانه المذهل هذا, لو أنه لم يتجسّد صائراً إنساناً مثلنا بكل ما في الكلمة من مطلق المعنى، مع خلوِّه التّام من أيّة خطية أو شائبة. هو بديلنا، كما أنه بات رأسنا الجديد الماجد الذي لا يعرف السقوط أبداً، فهو ينوب عنا ويمثلنا نحن مَن نؤلِّف خليقته الروحية الجديدة والمفديّة بدماء صليبه، حيث هو على رأس الهرم في المجد الأسمى. ومن هناك ننتظره -نحن شعبه السّماويّ- باعتباره الإنسان الثّاني الّرب من السماء، لنصير مثله تماماً في صورة طباعه السّماويّة، كذلك  نظهر متسربلين بأجسامنا في مجد وخلود.

دخل النور الحقيقي إلى دنيانا.. وقد سئم الناس بهتان الوثنية وأصنامها، ولم   تعد فلسفات العالم مع أساطير الإغريق تروق لفكر البشر، لا بل حتى النّاموس الموسوي أوقع معتنقيه تحت دينونة الموت. فقد أظهر فساد الإنسان وعجزه، منشئاً غضب الله الحق. أمّا الآن فقد جاءنا عِمّانوئيل بذاته: الله معنا. إنه الحب واليقين والدفء والمعرفة والحياة والنجاة والسعادة والمجد... فهلاَّ نرحب به بسعة في مذاود صدورنا، ليحل بالإيمان فيها، فيملأها بكل كنوزه الحيّة هذه. ومن ثَمَّ هو سيجعل فقرَ أرواحنا غنًى، وجفاف حياتنا ينبوعاً،  وتعاسة نفوسنا سروراً، وروتين أيّامنا عيداً مجيداً لا ينتهي بتاتاً.

يا طفلَ بيتَ لحمِ
يا مبدعَ الأكـوان ِ
في أزلٍ سـحيقٍ
كنتَ بلا زمــانِ
صرتَ دمًا ولحمًا
في مذودِ الحـملانِ
لُـغزُكَ أسمى لُغزٍ 
حلُّّهُ  بالأيمـــانِ
يا طفلَ بيتَ لحمٍِ
يا مُنـــية الأماني
لِـمَ افتقرتَ فقرًا، 
يا صاحبَ السلطانِ؟
مَنْ حاملُ الخطايا
سِــواكَ والأَحزانِ؟
هناكَ في صـليبٍ
يا مـــانحَ الغُفرانِ
متَّ وقمـتَ حيّاً
مُمَجَّدَ  الكـــيانِ
عصا الجَلالِ  تُـعطى
أعظمَ صَوْلجَـــانِ
عَرشُكَ يـــا الله
إلى مَدى الأزْمــانِ

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا