قراءة بين حديث المسيح "دع الموتى .. " وبين سقيفة بني ساعدة

بين قول المسيح «دع الموتى يدفنون موتاهم» وواقعة السقيفة، تظهر مفارقة عميقة بين اتباع الدعوة الروحية والانشغال بصراع السلطة. فماذا يكشف الدفن والاتباع عن حقيقة القلوب ومقاصد المؤمنين؟
قبل 10 ساعات
قراءة بين حديث المسيح

توطئة : في هذا البحث المختصر ، سأتطرق إلى حديث يسوع المسيح " دع الموتى يدفنون موتاهم ، وأمّا أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله / لوقا 9: 59–60) " ، وأرى وجود ربطًا غير مباشر / بشكل أو بآخر ، بين الحديث أعلاه واجتماع سقيفة بني ساعدة - للتنازع على من يخلف محمد .. بداية سأستعرض الحديث والاجتماع باختصار ، من ثم سأسرد قراءتي الخاصة لهما ، وأعقبها بإضاءة .

الموضوع : 1 . من موقع / الأخبار السارة ، سأستعرض باختصار حديث المسيح { قال يسوع : « دع الموتى يدفنون موتاهم » ردًا على تلميذ أراد قضاء وقت في البيت قبل أن يكرّس نفسه للرب . قال له يسوع : « اتبعني » . فأجابه الرجل : « يا رب ، ائذن لي أولًا أن أمضي وأدفن أبي » . فقال له يسوع : « دع الموتى يدفنون موتاهم ، وأمّا أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله » قد يكون هذا الرجل أراد أن يقوم بواجب الابن البكر في دفن الأب ، أو البقاء قريبًا منه للحصول على الميراث .. وفي كل الأحوال ، يوضح جواب يسوع أن هذا الطلب كان سيعني تقديم التقاليد أو رغبات الرجل الخاصة على خدمة يسوع .. ولكن من هم « الأموات » الذين أشار إليهم يسوع بأنهم الذين يجب أن يدفنوا موتاهم ؟ تُستَخدم كلمة « الأموات » في هذا المقطع بمعنيين مختلفين .. كان اليهود يستعملون كلمة « ميت » للتعبير عن اللامبالاة تجاه شيء ما أو للتعبير عن أن ذلك الشيء ليس له تأثير علينا .. وهكذا فإن أهل العالم هم « أموات » بالنسبة للمسيح . فهم لا يرون جماله ، ولا يسمعون صوته ، ولا يرغبون في اتباعه . وحدهم « خرافه » يفعلون ذلك (يوحنا 10: 27) . هؤلاء هم الذين يصفهم المخلّص بأنهم « الأموات » روحيًا الذين يجب أن يدفنوا « الأموات » جسديًا . وكأنه يقول : دع الذين لا يهتمّون بعملي ، والذين هم « أموات بالذنوب والخطايا » (أفسس 2: 1) يعتنون بالميت . أمّا واجبك الآن فهو أن تتبعني .. ومع أن الكتاب المقدس ، ويسوع نفسه ، واضحان في أننا ملزمون بإكرام الوالدين (أفسس 6: 2) ، إلا أننا يجب أن نفهم أن يسوع يجب أن يأتي أولًا ، وكان هذا صحيحًا بشكل خاص هنا ، إذ كان الأمر يتعلق بأمر مباشر من الرب . لقد أدرك بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا ومتى الربَّ وتبعوه في الحال (متى 4: 18–22؛ 9: 9) . الأمر الذي دُعي إليه الرجل الذي أراد دفن أبيه كان أهم من أي اعتبار أرضي ، ولذلك اختار المسيح في ذلك الوقت أن يطلب منه تضحية استثنائية ليُظهر إخلاصه له } .

2 . ومن موقع / سطور ، أنقل ملخصًا عما جرى بسقيفة بني ساعدة { عندما أُعلن خبر وفاة النبي ، كانت المسألة الرئيسة هي مسألة قيادة المُسلمين ، فلا يوجد نصّ صريح يحدّد الخليفة أو أسس اختياره ، ولم يُوصِ النبي باسم بعينه .. فاجتمع الأنصار في السقيفة لاختيار خليفة للرسول ، وتمَّت الدعوة للاجتماع دون إعلام المُهاجرين وهذا يعود لعدّةِ أمور لعلَّ أبرزها اعتقاد أهل المدينة أنَّهم أحق بالخِلافة ، لأنَّهم أوَّل من ناصر الرسول واستقبلوه مع أصحابه وجاهدوا معه ، أجمع الأنصار على مُبايعة سعد بن عبادة ، فأقعدوه وعصبوه بعصابة وثنوا له وسادة .. وقد وصل خبر اجتماع السقيفة أبا بكر الصدّيق وعُمر بن الخطَّاب ، فذهبا إلى السقيفة مسرعين ، وذهب معهما أبو عُبيدة بن الجرَّاح .. لمّا دخلوا السقيفة ألقى أبو بكر خِطبة في المُجتمعين بيَّن وجهة نظر المُهاجرين من اختيار خليفة للنبيّ ، فقال الحبَّاب بن المنذر : " منَّا أمير ومِنكم أمير " ، لكنَّ أبا بكر والذين معه يُفضّلون وحدة الأمَّة التي أسّسها الرسول .. ثم تحرَّك أبو بكر لإقفال باب المُناقشة بعد تحوّل الموقف لصالح المُهاجرين .. فأخذ بيدي عُمر وأبي عُبيدة بن الجرَّاح ، وقال : رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم ، لكن عُمر رفض ، وبايع أبا بكر ، وقال : فمن أحق بالخلافة من أفضل المُهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فطلب عُمر من أبا بكر أن يبسط يده ليُبايعه ، فلحقه بشير بن سعد وأُسيد بن حضير ثمَّ أقدم الأوس والخزرج على مُبايعته ، وقال له سعد بن عبادة : صدقت فنحن الوزراء ، وأنتم الأمراء ، جرت حادثة السقيفة بينما كان عليّ بن أبي طالب والزُبير بن العوَّام وطلحة بن عُبيد الله ، مشغولين بدفن النبي ، فغابوا عن الاجتماع } .

القراءة : 

أولًا لابد لنا أن نعرف ما المقصود بحديث المسيح أعلاه ، ولماذا قال لتلميذه أن لا يذهب لدفن أبيه ، فوفق رب المجد ، أن " دع الموتى يدفنون موتاهم " فالذي يقصده يسوع بذلك هو الآتي: "هو أن « الأموات » روحيًا ، هم الذين يجب أن يدفنوا «الأموات» جسديًا " ، أما أنت اتبعني ، وهذا تعبير فلسفي عميق ، يفوق عقلية المتلقي العادي ، فالمسيح دائمًا يستدعي الأفراد المفعمين بروح الإيمان ، وليس الأفراد الذين يفتقدون للإيمان الروحي - وهم الأموات روحيًا ، وبذات الوقت ، مثقلين بالذنوب والخطايا . 

أما في اجتماع سقيفة بني ساعدة ، فالأمر مغاير ومختلف تمامًا ، فأصحاب محمد ، تركوه دون دفن ، في ذاك الطقس القائظ ، لأن ما يرمون إليه ، هو انتزاع السلطة والحكم - قبل أن تساق الخلافة إلى غيرهم ، وتركوا صاحب الرسالة المحمدية ، مسجى في حجرة عائشة دون اهتمام ، سوى من آل بيته ! ، أما هم فاتبعوا غاياتهم بالتصارع على الخلافة ، ولم يكن همهم اتباع محمد . 

أما خراف المسيح فواجبهم اتباع الراعي - الراعي الصالح . حيث ركز المسيح على التلميذ على أن " واجبك الآن هو أن تتبعني " ، وليس بالاهتمام لمن قضى ومات ، والذي مات سيدفن وينتهي أمره . أما الذي يتبعني فلا يموت ، لذا قال المسيح : “ أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ . مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا / يو 11: 25 “ . 

من جانب آخر ، كان محمد يغري القوم باتباعه ، ويعدهم بملذات الدنيا ووعود وهمية أخروية - خاصة لمن يقتل في الجهاد ، وأستشهد بهذا الأمر بحديث محمد ( وعن المقدام بن معدي كرب قال : قال رسول الله : للشهيد عند الله سبع خصال : يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته . رواه أحمد ، والترمذي ، وصححه الألباني ، وانظر الفتوى : 37026 / نقل من موقع إسلام ويب ) ، أما الذي يتبع يسوع ، فالوضع غير ذلك تمامًا ، لأنه عليه أن يضحي كي ينال الخلاص ، ووفق حديث المسيح : "« إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي ، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ ، وَيَتْبَعْنِي / (لو 9 : 23) “ .. من جانب آخر ، كل الذين اتبعوا محمد ، تركوه يموت وحيدًا ، كما أن معظمهم لم يحضروا حتى دفنه . خلاف تلاميذ المسيح ، الذين في سبيل رسالة المخلص .. قتلوا إما صلبًا أو قطعت رؤوسهم أو تركوا للحيوانات المفترسة ، أو رجموا حتى الموت .. ! ، وذلك لأنهم نادوا بملكوت الله .

وبصدد تلاميذ المسيح ومدى إخلاصهم للرب ، حتى بعد صلبه ، فأتباع المسيح ، قاموا قبل دفنه بتطييبه ، ومن موقع / بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس ، أنقل الواقعة باختصار ، { حيث تم لف المسيح بالكتان .. لنرى ماذا حصل مع الربّ يسوع المسيح : ( طلب يوسف الذي كان تلميذًا ليسوع خفيةً خوفًا من اليهود ) جسد يسوع من بيلاطس ليكفّنه . وعاونه في ذلك نيقوديمس ( الذي تحاور مع يسوع ليلًا وأصبح تلميذًا له ) بعد أن جلب مزيج مرّ وعود ، ولفّاه بأكفان مع الأطياب ، ولكنّهما لم يستطيعا القيام بكافة الطقوس لأنّه كان مساء ، وكان بداية يوم السبت يوم الاستعداد للفصح ، إذ يبدأ اليوم التالي مع الغروب .. وكانت نساء تنظرن أين وضعوه ، فرجعن وأعددن حنوطًا وأطيابًا ، وفي السبت استرحن حسب الوصيّة ليوم الأحد(لوقا 23: 56)} 

أما الذين اتبعوا محمد ، فقد تركوه دون دفن لعدة أيام ، وبهذا الصدد ، أنقل ما قالته الباحثة التونسية د . هالة وردي - في لقاء بودكاست مع الكاتب إبراهيم عيسى ، فبينت التالي : ( أن أصحاب محمد ، تركوه دون دفن ، منشغلين بالتنازع على السلطة في السقيفة .. أما النبي ، فوفق الطبري وابن كثير وابن سعد ، توفي يوم الإثنين ، ودفن يوم الجمعة ، حتى " أن انتفخ وأخضر جسده وكانت هناك رائحة “ . وظنوا أصحابه ، أنه سيقوم كالمسيح في اليوم الثالث ! / وللمهتمين يرجى الاطلاع على الحلقة المتوفرة على اليوتيوب ) .. وغفلوا أصحاب محمد من أن القيامة من بين الأموات ، هي فقط للمخلص يسوع المسيح ، لا لغيره !! .

إضاءة : مما سبق ، وجب استخلاص بعض الدروس - من حديث المسيح ، الذي قال لتلميذه : “ اترك أبيك ليدفن .. " ، مقارنة بأصحاب محمد ، الذين لهثوا مسرعين ليتبعوا أهوائهم في السلطة والخلافة والحكم في السقيفة ، تاركين محمد لمصيره - وحتى أنهم لم يحضروا دفنه / منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب . هنا تستوضح كل جماعة - وفق حديث يسوع واجتماع سقيفة بني ساعدة : ( لمن كانت تتبع .. وما هي غاية التابع والمتبوع ! ) .

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.