اوصى الله الشعب قديمًا، ان يُحبوه من كل القلب والنفس والفكر والقدرة، لانه احب شعبه واراد ان تكون العلاقة والشركة معهم مبنية ومرسخة على اساس المحبة.
طبعًا نحن نعلم ان الله يحب الجميع، ويريد خير كل الامم والشعوب، لكن الوصية والتعليم كانت بشكل مباشر لشعبه، وهو تكلم من خلال انبيائه الذين اعلنوا مشيئته.

اعطى الله موسى عبده الشريعة على جبل سيناء، وكانت اول الوصايا بان "لا يكن لك آلهة أخرى امامي، وان لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما". لكن سرعان ما كسر الشعب مع هارون هذه الوصية، وصنعوا لهم عجلًا مسبوكًا من ذهب وعبدوه!

نقرأ كذلك كيف ان شعب اسرائيل، زاغ كثيرًا عن عبادة الله الحي الحقيقي، وعبدوا آلهة الامم وقدموا اولادهم ذبائح واجازوهم بالنار للآلهة الغريبة، ولم يتبعوا الرب الاله من كل القلب، فنقرأ مثلا كيف ان النساء الغريبات امالت قلب الملك سليمان عن عبادة الله، الى عبادة ملكوم رجس العمونيين، وعشتروث الهة الصيدونيين، وبنى المرتفعة لكموش رجس الموآبيين، ولمولك رجس بني عمون!!!

من الممكن لنا ان نستغرب كثيرًا، كيف ان شعب الرب قديمًا بما فيهم الملوك والرؤساء، الانبياء والكهنة زاغوا عن الرب وخانوا العهد، وعبدوا الصنم والحجر، وقاموا بكل هذه الاعمال الشريرة في عيني الله القدوس القدير، لكن ماذا عنا نحن اليوم، شعب الرب وابناء العهد الجديد، الممسوحين بدم الحمل والمختومين بروح الله القدوس، والصارخين يا ابا الآب، هل في حياتنا اليوم عبادة لبعض الاصنام غير الله القدير المبارك؟

من الواضح لنا جميعًا كاولاد الله، وكنيسة الرب التي افتداها بدمه، اننا لا نتحدث عن عبادة الصور والتماثيل والاصنام الحجرية منها بل والذهبية ايضًا، لكن عن نوع آخر من الاصنام، التي حذرنا منها الرسول يوحنا في رسالته الاولى قائلًا: "أيها الاولاد، احفظوا انفسكم من الاصنام".

من الممكن ان يدخل قلب الانسان وحتى المؤمن المكرس، بعض الاصنام والتي من الممكن لها ان تبعد القلب عن محبة الرب، بل وان يزوغ القلب عن خالقه حتى الهلاك الابدي ونذكر بعضها:

محبة المال:
لم يقُل الرسول المال، بل محبة المال، التي هي اصل لكل الشرور، وان ابتغاها قوم زاغوا عن الايمان، وطعنوا انفسهم باوجاع كثيرة. نعلم ان ابراهيم واسحاق ويعقوب وايوب كانوا اغنياء، لكنهم لم يسمحوا لغناهم المادي ان يُطفئ شعلة ايمانهم القلبي. لكن هنالك من يكرس كل حياته للعمل وجمع الاموال، يقضي ساعات كثيرة في العمل على حساب عائلته وكنيسته وخدمته وربما ايضا صحته الجسدية والروحية، ولماذا كل ذلك؟ لكي نملك العديد من البيوت والسيارات والحقول، ولكي نكدس في حساب البنك المبالغ الطائلة، لكي يُصبح اسمنا معروفًا وموقرًا لدى الجميع؟ صدق من قال ان الكل باطل، باطل الاباطيل وقبض الريح، احذر يا اخي وصديقي من هذا الفخ القاتل، الذي اوقع بقلوب كثيرة، وابعدها عن اقدام الصليب!

الجنس والشهوة:
نسمع عن قصة الملك داود، كيف نظر الى بتشبع امرأة اوريا الحثي، وكيف سقط في خطية الزنى معها وقتل زوجها. لنحذر نحن من كل نظرة، من كل ابتسامة شريرة، من كل دعوة غريبة او لقاء غير مرغوب به، ونتعلم من يوسف الصديق كيف هرب من امرأة فوطيفار، ونسمع تحذير رسول الامم لابنه تيموثاوس بأن نهرب من الشهوات الشبابية ومن الزنى، الذي يدمر جسم الانسان، بل نفسه وروحه ايضا، يدمر العلاقات الزوجية بل عائلات باكملها، ولا نتهاون مع خطية الزنى كما اوصى بولس كنيسة كورنثوس، بان يعزلوا الزاني بل وان يسلم للشيطان لعله يتوب! 

التقدير والاكرام:
نعلم جيدا كيف أُهين رب المجد يسوع المسيح من اعداء الصليب، لكن احيانا لم يُفهم بل اقول ايضا انه اضطُهِد من شعبه وعائلته واخوته حتى تلاميذه، الذين لم يفهموه احيانا، بل انكروه، خانوه واسلموه ايضا. كذلك رسل الرب المباركين، لاقوا في حياتهم سوء المعاملة من الداخل ومن الخارج، من اضطهاد ورفض وضرب وافتراء حتى القتل! فهل نحن ما زلنا نطلب من الآخرين، ان يحترموننا ويقدروننا نحن وخدمتنا، وان لا فاننا نحتد ونغضب بل ربما نشتم من لا يفعل ذلك؟!

الكنيسة والخدمة:
هل من الممكن ان تُصبح كنيستي وخدمتي صنمًا اتباهى به، واتكبر به على الآخرين؟
هل نقول نحن ان كنيستنا هي الافضل والافهم والاكمل ؟ هل نقول ان خدمتنا هي الاقوى والابرز؟ انه شر وخطر كبير ان احسب نفسي افضل من اخوتي، احتقر الاخر وخدمته للرب، كما ظن سبط افرايم وغضبوا على جدعون، عندما لم يدعهم للحرب معه. يجب علينا ان لا ننسى ابدًا اننا فقط على حساب النعمة خلصنا، واننا نعرف الكتب المقدسة لان الرب نور اذهاننا، واننا نخدمه لمجد اسمه (ان كان بالفعل لمجد اسمه وليس لمجدي الذاتي) بقوة يعطينا اياها هو بروحه القدوس.

الأنا:
لعل الانا هي اصعب واشر صنم من الممكن ان نعبده. لا ننسى ان الشيطان كان مرة ملاك ممسوح بقوة رهيبة وجمال بارع، لكنه تكبر، وحول انظاره عن الخالق الى ذاته ونفسه، وبعدها جاء السقوط المدوي!!! لان قبل السقوط الكبرياء، وقبل الكرامة التواضع، فهل ما زلنا نفتخر بأنفسنا كاننا افضل من الآخرين؟ بممتلكاتنا واموالنا وعلمنا وعملنا ونجاحنا، نقول ان نسائنا او ازواجنا هم الافضل، او ان اولادنا هم الاذكى والانجح من الآخرين!

لنتعلم من الحبيب، ذاك الذي ترك امجاد السماء، وربوات ربوات تلتي كانت تسجد له وتعبده ليل نهار، وجاء الى ارضنا مولود في مذود حقير، الذي عاش حياة بسيطة ومتواضعة لانه هو بكيانه الداخلي وديع ومتواضع القلب، الذي لم يطلب مجده ابدًا بل اعطى كل المجد للآب القدوس، وكان خاضعا لاهله وللناموس وقبل كل شيء للآب القدوس.

لنتمسك بهذا الرجاء المبارك، ونتعلم من ربنا يسوع المسيح الذي اخلى نفسه، آخذ صورة عبد ليخدم الآخرين بل ولكي يموت عنا جميعا على الصليب، هو وحده المستحق ان نحبه من كل قلوبنا، نعبده ونبارك اسمه القدوس لانه مستحق، عندها ننسى انفسنا وكبريائنا عند اقدام صليبه، ونحفظ انفسنا من كل الاصنام، كما اوصانا الرسول الحبيب.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا