هم خافوا... ونحن؟

نحيا في عالم مليء بكل مظاهر الخوف والرعب، ومن ينكر هذا يعيش في الخيال وهو بعيد عن الواقع. علينا أن نفهم بأن كل واحد منا لديه الأمور التي يخاف منها
14 يناير - 13:19 بتوقيت القدس

نقرأ في كتاب ملاخي عن ارسال ايليا النبي قبل مجيء يوم الرب، وتحقق هذا الوعد بعد فترة طويلة بمجيء يوحنا المعمدان، وهذا ما دُوِّن ايضا في متى 10:17، ولوقا 17:1.
بعد صمت طويل من دون اي نبوة او اعلان من السماء، جاء يوحنا المعمدان الصوت الصارخ في البرية، هذا النبي القدير الذي اخبر الملاك بولادته، عندما كان ابوه زكريا يبخر للرب في الهيكل.

لكن زكريا استغرب من كلام الملاك، بل خاف واضطرب من هذه النبوة (لوقا 12:1).
ليس فقط زكريا من اضطرب وخاف، بل نقرأ في الاناجيل ان آخرين ايضا خافوا عندما ظهر لهم ملاك الرب، والذي اعطى لكل واحد منهم رسالة سماوية.

نعم انه الخوف، هذا العدو اللدود القديم الجديد للبشرية اجمع، هو الذي يتربص لنا في امور حياتنا اليومية، حتى في احلامنا، هو الذي يشل افكارنا وحركتنا ونشاطنا الروحي والجسدي، هو الذي يزرع القلق وعدم اليقين من الحاضر والمستقبل، القلق من حالتنا الاقتصادية، الخوف من الفشل، من السفر والعمل والدراسة، من الامراض والموت، من انفسنا وحتى الخوف من الله!

في احداث ولادة رب المجد يسوع المسيح، نقرأ عن اعلان الملائكة عن رسالة السماء للارض، لكن نرى ان الخوف كان المهيمن على مجرى الاحداث، على الاقل في بداية كل اعلان.

خوف زكريا:
اعلن الملاك لزكريا انه سوف يولد له ولد ويسمى يوحنا.
لكن زكريا لم يصدق بل خاف واضطرب، كيف انه في سن متقدم وبعد صلوات سنين ممكن ان يحدث هذا! لكن الرب امين وصادق في وعوده، هو الذي وعد زكريا وحقق وعده لخادمه الامين، ليس لان زكريا يستحق، لكن لان الله محب ويذكر شعبه بالخير.
ونحن، هل نصدق مواعيد الله لنا، ووعوده التي ما زلنا نصلي لاجلها منذ سنين طويلة؟
اخوتي، يجب علينا ان لا نخاف المستقبل وماذا سوف يحدث، علينا فقط ان نثق بالله الامين على وعوده وكلمته، طبعا اذا طلبنا حسب مشيئته ولمجد اسمه.

خوف مريم:
ظهر ملاك الرب للمطوبة مريم المباركة في النساء، وعندما رأته اضطربت من كلامه، فقال لها الملاك: "لا تخافي يا مريم، لانك وجدت نعمة عند الله، وها انت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع". اضطربت مريم من التحية ومن الكلام والوعد المبارك، لكنها كانت تخبئ دائما الكلام في قلبها، وتقبل وعود وعمل الله في حياتها بكل خضوع وتواضع.
هل نقبل نحن التحدي الذي يضعه الرب امامنا وفي حياتنا، ان نحمل اسم يسوع المسيح في "احشائنا"، بل في قلوبنا وافكارنا، ونسير حسب خطته لحياتنا بكل خضوع، طاعة وتواضع، ان نحبه ونخدمه كل ايام حياتنا، حتى لو كلفنا الامر ان نضع حياتنا على المذبح الالهي؟ ليتنا نتعلم من المطوبة المباركة مريم ام الرب.

خوف يوسف النجار:
نقرأ في انجيل متى ان يوسف النجار كان رجلًا بارَّا، وعندما عرف ان خطيبته مريم كانت حبلى، لم يشأ ان يشهرها، بل اراد تخليتها سِرًّا!
المحبة مكلفة جدا... لان المحبة الحقيقية تستر الكثرة من الخطايا كما ستر لنا المسيح. من يُحِب لا يُشهر بل يستر اخطاء الاخرين، يشجعهم ويمد لهم يد العون والبركة.
يوسف النجار اراد تخلية خطيبته سِرًّا، لماذا؟
لانه خاف كلام الناس والعار والخزي والتحدي الكبير، حتى الرجم والموت.
كل مؤمن منا، يجب عليه ان يقبل وبكل سرور التحديات والصعوبات والعراقيل التي تواجه حياته. بل احيانا نحن معرضين ان يُساء فهمنا لدرجة الاضطهاد، او حتى الرجم والموت، فهل نقبل بهذا؟

خوف الرعاة:
ظهر ملاك الرب للرعاة الذين كانوا يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وعندما اضاء مجد الرب حولهم، خافوا خوفًا عظيمًا...فقال لهم الملاك:
"لا تخافوا! فها انا ابشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: انه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب".
خوف الرعاة تحول الى فرح عظيم! ليس فقط لانهم وجدوا الطفل يسوع مضجعا في المذود، بل لان قلوبهم قبلت هذا المخلص وهذا الرب على حياتهم، والمولود يسوع لم يبقى طفلًا في قلوبهم، بل زادت معرفتهم وتكريسهم لهذا المخلص العظيم والرب المبارك.
كذلك الرعاة لم يذكروا ولادة الرب يسوع مرة في السنة! بل ذكرى ميلاده مغروسة في قلوبهم وكيانهم، بل ذكرى موته ايضا، وقيامته من بين الاموات.
كذلك لم يكتموا الرعاة الاخبار السارة بولادة المخلص يسوع،  بل ذهبوا واخبروا بكل ما سمعوا وشاهدوا.

خوف هيرودس:
عندما ولد الطفل يسوع، اضطرب هيرودس جدا لانه خاف على مُلكه.
الغريب في الامر هو ان يخاف ملك جبار وقوي مثل هيرودس، من مولود وطفل مثل يسوع! لكن واضح لنا ان خوف هيرودس لم يكن خوف بشري بل على اساس روحي.
لان الانسان بطبيعته يريد ان يحكم ويتسلط ويستغل ويسرق ويقتل ويذبح الاخرين، لكي يبرز ويظهر هو وحده، لكي تسطع "الأنا" بكل اوجها وجبروتها...
لكن كل من وُلِد من الله بالروح القدس والكلمة، يغلب العالم ويغلب الأنا والطبيعة القديمة، ويحيا بكل فرح وتواضع ليس لذاته وشهواته، بل لمن مات لاجله وقام...
صلاتنا ان نُميت بقوة الروح اعمال الجسد وشهوته، ونعيش حياتنا بتكريس كامل وخدمة مباركة للسيد، لانه اما ان تملك "الأنا"، او ان يملك "انا هو"، نأخذ رؤية هيرودس او نتبع الخروف اينما ذهب... اما ان نخدم المال او الله، لاننا لا نقدر ان نخدم سيدين!

صلاتي ان نتعلم من رجال ونساء الله المباركين، الذين وان خافوا في البداية خوف الله المقدس، لكنهم اختبروا بعدها ملء البركة والنعمة والاحسان الالهي في حياتهم. وكما قال الحكيم: "بدء الحكمة مخافة الرب، ومعرفة القدوس فهمٌ".
وان ما زال الخوف يملء قلوبنا من جهة الحاضر والمستقبل، لنذهب بكل قلوبنا الى اقدام السيد القدير، الذي احبنا اجمعين حتى المنتهى، لانه لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف الى خارج.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا