يُحِب الناس ان يروا ويختبروا امور عظيمة وغريبة في حياتهم، بل وخارقة للطبيعة ايضًا. اذا تأملنا حولنا نرى انه لم تَعُد الامور الروتينية كافية لارضاء البشر، وغالبًا ما يبحثون عن تجارب ومغامرات جديدة في الحياة، لكن كل هذا لم ولن يُشبع قلب الانسان.

نقرأ في قصة ميلاد يسوع المسيح الجند السماوي عندما سبحوا الله قائلين:

"المجد لله في الاعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة".

اذا تأملنا بهذا المشهد المتواضع، بولادة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح في مذود، نرى طفلًا مُقَمَّطًا مُضجعًا، وُلِدَ في بيت لحم اليهودية، لعائلة فقيرة، ليس لعائلة غنية من اثرياء اورشليم ولا في قصورها، بل في مذود في بيت لحم!

فاين المجد في كل هذا؟! ولما السجود لهذا الطفل الرضيع الضعيف، الذي جذب نجمه الساطع المجوس من المشرق، الذين جاءوا الى اورشليم قائلين:

"اين هو المولود ملك اليهود؟ فاننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له".

وما هذا المجد الذي كان في هذا الطفل حتى انه جعل هيرودس يضطرب، وجميع اورشليم معه.

يخبرنا الرسول بولس في رسالة غلاطية انه في ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني.

ان قصة ولادة يسوع هي ليست ذكرى سنوية او احتفال ولا حتى حدث ديني، بل بميلاد هذا الشخص العظيم، انشق الزمان ما قبل الميلاد وما بعده، ونرى العالم اليوم من الذين يؤمنون بيسوع والذين لا يؤمنون، يخضعون للتوقيت والازمنة لميلاد المسيح، حتى من الاديان الاخرى مثل اليهودية والإسلامية وغيرها.

كذلك قصة ميلاد يسوع هي ليست حقيقة تاريخية فقط، بل هناك معنى روحي لكل من يؤمن بكل قلبه، وكما ذكر بولس انه في ملء الزمان ارسل الله ابنه، ليس لكي نحتفل كل سنة بهذا الحدث العظيم، بل قبل كل شيء لكل يفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني. فهذا هو الامر الاساسي من تجسد كلمة الله اي يسوع المسيح، الفداء وغفران الخطايا، الخلاص والحياة الابدية.

وللاسف هناك الكثير من الذين يعترفون بميلاد يسوع كانه حدث تاريخي هام، نذكره مرة كل سنة، نحتفل به، نأكل ونشرب ونلهو ونسافر، ولكن يغيب عن الانظار الامر الحقيقي والاساسي لولادة يسوع المسيح، وهو الفداء والتبني.

هذا ما قاله سمعان لمريم ام يسوع:

"ها ان هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل، ولعلامة تُقاوم. وانت ايضًا يجوز في نفسك سيفٌ، لتُعلن افكار من قلوب كثيرة" (لوقا 2: 34 - 35).

اخوتي، ان ولادة يسوع المسيح من العذراء مريم كان بالفعل حدث عظيم ومجيد، وتواضع المسيح الكامل بان الله ظهر بالجسد كطفل مقمط ايضًا حدث مجيد، ولكن ان لم يكن لهذا الحق الالهي المجيد، واقع وقبول في قلوبنا فان هذا الامر يبقى ذكرى جميلة، حدث تاريخي هام، او حتى فترة من الزمن التي ننتهز الفرصة بها لكي نلهو ونأكل ونشرب!

يسوع قد تمم النبوة بميلاده في بيت لحم، لكنه ما زال ينتظر قلوب كثيرة بان تقبله مخلصًا، ربًا والهًا عليها، لان يسوع المسيح جاء لكي يخلص من قد هلك، وهو وُلد لكي يعلمنا طريق الحق والحياة، ولكي يذهب الى الصليب آخذ خطايانا في جسده، ليخلصنا ويعطينا حياة ابدية.

من الممكن ان لا يرى العالم هذا المجد العظيم، بولادة رب المجد يسوع المسيح في مذود ليت لحم، لكن الجند السماوي عاين المجد وسبح للملك العظيم يسوع المسيح.

واليوم الكنيسة تعاين مجد الله في شخص الرب يسوع المسيح، هو الذي اخفى مجده وظهر كانسان وديع ومتواضع، هو الذي اخلى نفسه آخذ صورة عبد، هو الذي قال ما لي ولك يا امرأة؟ لم تأتي ساعتي بعد.

هو، الذي قبل ان يُسلم لايدي البشر لكي يصلب، رفع عينيه نحو السماء وقال:

"أيها الآب، قد اتت الساعة، مَجِّد ابنك ليمجدك ابنك ايضًا، اذ اعطيته سلطانًا على كل جسد ليعطي حياة ابدية لكل من اعطيته. الان مجدني انت ايها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يوحنا 17: 1- 5).

في ملء الزمان تجسد المسيح يسوع الرب المخلص، لكن ملء الزمان هذا انحصر في وقت محدد ومعين، عندما اتت الساعة، ساعة الصليب...

طوبانا اذا قبلنا المخلص يسوع المسيح، طوبانا اذا قبلنا عمل الفداء الذي اكمله يسوع على عود الصليب، عندها سوف نرنم من كل قلوبنا مع الجند السماوي، مجدًا لله في الاعالي، له وحده المجد وابنه يسوع المسيح، حتى وان لم نرى المجد حولنا علىالارض، فلا نستغرب لان الامم ارتجَّت، وتفكر الشعوب في الباطل، قام ملوك الارض، وتآمر الرُّؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه، قائلين : لنقطع قيودهما، ولنطرح عنَّا ربطهما.

طوبى لمن يعطي المجد لله في الاعالي، ويضم صوته لانشودة السماء ومبتعدًا كل البعد عن "المجد" الارضي، فانه سوف يختبر السلام على الارض، والمسرة داخل القلب، هذا السلام وهذه المسرة التي كلفت دم ابن الله يسوع المسيح، الذي هو ثمين جدا في قلوب المفديين، لكن العالم احتقر هذا الدم، احتقر مولود بيت لحم، واحتقر الصليب، لذلك يفتقد عالمنا اليوم مجد الله الحقيقي، السلام الدائم، ومسرة القلب.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا