قبل حوالي شهرين، دخلت الى عيادتي امرأة عمرها 50 عامًا، تشتكي من آلام شديدة في ظهرها وكتفها منذ عشر ايام. كهذه الحالة من الممكن ان يفحص الطبيب الكثير من الحالات، لذلك حاولت ان اساعدها ببعض الادوية لكنها لم تتحسن، بل العكس!

بعد ايام قليلة اجرينا الفحوصات الطبية، ولاسفي الشديد اتضح ان مصدر الالم هو سرطان الثدي من النوع الخبيث، قد انتشر الى الرئتين والظهر وعظام اخرى في الجسم، وحالتها الصحية اليوم صعبة جدًا. واليوم زارني زوجها ليسألني حن حالتها، فلم أخفي عنه الحقيقة، لكني حاولت قدر المستطاع ان اكون حذر بكلامي وايضا لطيف قدر المستطاع، رغم صعوبة الموقف والحرج الكبير!

هذه المرأة المسكينة، التي كانت نشيطة جدا في عملها وبيتها، كانت ترعى بيتها وزوجها وعائلتها، هذه الأُم الحنونة التي كانت اساس هذا البيت جسديًا ومعنويًا، ها هي اليوم في سرير المرض، غير قادرة على الحركة بتاتًا، بل بحاجة للمساعدة بشكل كاملة لقضاء حاجاتها اليومية الأساسية.

أليس ما نراه اليوم في عالمنا، يُشبه الى حد كبير حال هذه المرأة المسكينة؟ ألم يبدأ تفشي فيروس كورونا من مدينة ووهان بالصين، وها هو يضرب الشعوب والامم والقارات، بسرعة انتشار رهيبة لم يشهد مثيلها الطب ولا العالم منذ سنين طويلة، وربما نحن حتى الان للاسف الشديد في بداية هذه المعركة الضارية الشرسة، مع عدو خبيث جدا لا يُرى بالعين المجردة، يجهله الطب والاطباء كليًا، وحتى الان لا يوجد لهذا الفيروس لا تطعيم ولا دواء، والمُقلق في الامر هو نسبة الوفيات الرهيبة خاصة في ايطاليا وإسبانيا وايران (والصين سابقًا)، حتى ان عدد الوفيات يصل الى 700 او 800 كل يوم!!! امر رهيب جدا، يجتاح العالم باسره، ولا يميز بين الشعوب والامم والقارات (إلا افريقيا التي لم نسمع حتى الان الكثير عن الوضع هناك).

من الممكن لي ان اقول ان اوجاع الظهر قد بدأت عند تلك المرأة منذ اشهر عديدة، وهي لم تهتم ولم تبالي بذلك، حتى ان المرض تفشى بكل جسدها.

كذلك الحال في عالمنا اليوم، الناس حتى فترة قصيرة كانت تستهزىء (آمل انها لا تستهزىء الى  يومنا هذا) بما يجري، وهذا ما عرفته من اصدقاء لي واخوة بالكنيسة في ايطاليا، بعدم اخذ الامور بجدية بالحرص على توصيات وزارة الصحة والحكومة بهذا الصدد، لكن الناس استمروا بحياتهم الطبيعية كأنه لم يحدث شيء، واليوم كلنا ندفع الثمن الصعب والمؤلم جدًا!!!

ارى في عيادتي قرب بحيرة طبريا، مدى الهلع والخوف والفزع من الوضع العام في العالم، والخاص في بلادنا، واقول بكل صراحة ان الوضع صعب جدا، بسرعة تفشي هذا المرض الغريب، وحتى الان الطب يجهل الكثير عنه.

لكن وسط هذا الاضطراب يجب علينا انا نحاول قدر المستطاع ان نتصرف بحكمة ومسؤولية تامة وكاملة، بالخضوع للسلطات ووزارة الصحة والحكومة في التعليمات، لان هذا الامر هام جدا.

نعم عيادتي قريبة جدا من بحيرة طبريا، التي تذكرني برب المجد يسوع عندما اسكت العاصفة بسلطان عظيم، عندما كان على متن القارب مع تلاميذه، عندما ايقظوه من منامه وهو معهم في السفينة. والحادثة الأخرى التي سار بها الرب يسوع على الماء، وعندما سار بطرس على الماء بكلمة من يسوع.

ما زال الرب يسوع المسيح في ايامنا الصعبة هذه هو هو، صاحب السلطان المطلق على الطبيعة وكل ما فيها، سلطان مطلق في السماء وعلى الارض والبحار، هو كُلي المعرفة والقدرة والحكمة، ما زال يقول لنا:

"لا تخافوا!! انا هو"

هو الرب يسوع المسيح قائد السفينة، التي لا يمكن ان تغرق ما زال هو فيها، وهو لم ولن يتركها تتصارع مع امواج هذا العالم وبشكل خاص هذا الفيروس الفتاك، وكل الوقت الذي تصرخ به الكنيسة لالهها الحي القدوس البار، وشعب الرب ينادي على رب السماء والارض، بتواضع وانكسار وتوبة حقيقية فلا بد ان يسمع الاله الحنان الرحيم، الذي هو طويل الروح وكثير الرحمة.

هو الرب الاله يسوع المسيح، الذي ما زال ينادي في ايامنا الغريبة العجيبة هذه، التفتوا إليّ يا جميع الارض واخلصوا، لاني انا الله وليس مخلص آخر غيري.

هل نصدق صوت السماء ونداء ربها المعبود، الذي يريد خلاص الامم اجمع من الهلاك الابدي،ومن الشر المنتشر بكثرة في ايامنا هذه؟ ام ما زلنا نضع ثقتنا "فقط" في الحكام ورجال السلطة ومن هم في منصب؟ هل الرجاء الاول والاخير هو الطبيب والطب والعلم، ام وضعنا ثقتنا بطبيب الاطباء الرب يسوع المسيح، الذي له السلطان ان يُميت ويُحيي، الذي له السلطان المطلق على الجسد والنفس والروح ايضًا؟

على كل واحد منا ان يسأل نفسه وبصدق تام، وخاصة في هذه الايام الصعبة، ما هو رجاءه الاول والاخير في هذه الحياة؟ وان يتحمل مسؤولية اختياراته وقراراته وامور حياته اليومية.

هنالك تساؤلات كثيرة من الممكن ان تدور في اذهاننا في هذه الايام؟ لماذا نرى هذا الموت الرهيب خاصة في ايطاليا واسبانيا وايران؟ ولا نراه في دول اخرى بهذه الدرجة؟

اخوتي، كلمة الرب تعلم ان الجميع اخطأوا واعوزهم مجد الله، لكن الله ليس باله قاسي وظالم، لكنه حنان يريد الرحمة والخلاص الارضي والابدي للجميع، لكل الامم والشعوب. والكتاب يعلم ايضا انه ليس احد منا بار، ولا واحد، لكن وحده الله الآب القدوس هو البار وحده ويسوع المسيح الابن المبارك.

من الممكن ان نسمع الكثير من التساؤلات الصعبة الاخرى، مثلا ان كان الله صالح ومُحِب ورحيم، لماذا يسمح بالاصل بكل هذا الوبأ، الذي ادى الى شل حياتنا اليومية، باشغالنا واعمالنا، بنزهاتنا واجتماعاتنا، نرى شلل شبه تام في المطارات والساحات، واغلبنا يقضي ساعات طويلة في البيوت، ونفتقد للحياة الروتينية.

الكتاب المقدس يُعلم بكل وضوح ان الله محبة، لكنه ايضًا اله قدوس وبار، يكره ويبغض الشر والخطية، لا يرضى بموت احد حتى الشرير، لكن بأن يتوب ويرجع اليه من كل القلب.

لذلك علينا جميعًا، كما علم رسول الامم بولس، الذي قال عن نفسه بانه اول الخطاة، ان نفحص انفسنا كل يوم، هل نحن في الايمان ؟ ايمان يسوع المسيح، الايمان الاقدس الذي اساسه التوبة الحقيقية والرجوع الى الله الآب القدوس من كل القلب، الايمان الحقيقي الذي يحب الجميع ويتمنى الخير حتى للمقاومين، ايمان الآباء الذي علمنا وحدة القلوب والافكار، بان يكون لنا جميعًا الفكر الواحد، فكر المسيح، الذي يُبغض الانشقاق والتحزب والكبرياء في الجسد الواحد اي الكنيسة، وبان لا يقول احدنا انا لبولس والاخر انا لابولس.

انها ايام مراجعة الذات، دوافعنا وافكارنا واعماق قلوبنا، هل عندنا هذا الانتماء الحقيقي للكنيسة، بمحبة كل الاخوة بغض النظر عن ضعفاتهم وتقصيراتهم وربما ايضا خطاياهم؟ هل انا سبب بركة ووحدة ومحبة في كنيستي ومع الكنائس الاخرى، ام انا مصدر نميمة وشكاية وبغضة وانشقاق في جسد المسيح الواحد؟

في هذه الايام الصعبة، والتي حُرم منا لاسباب فوق إرادتنا بان نجتمع معا في الكنيسة باسم المسيح، علينا ان نراجع ذواتنا وخدماتنا ومواقفنا وعلاقاتنا مع الاخوة اجمعين، وقبل كل شيء ان نمتحن انفسنا كل يوم، هل نحن في الايمان حتى في هذه الايام التي شلت حياتنا الاجتماعية وغيرها من نواحي الحياة؟

ولكل من زال بعيدًا عن الاحضان الابدية، الرب يدعوا الجميع للرجوع اليه بقلب صادق وتوبة حقيقية، انها ايام صعبة جدا ولا مجال لاخذ الامور باستهتار! لان الكتاب يعلم ايضا انه في آخر الايام سوف نسمع عن حروب واخبار حروب، وامراض واوبئة وزلازل...

ان كانوا الرسل قبل حوالي الفي سنة، يعيشون كانهم في آخر الايام، فكم بالحري علينا نحن اليوم ان نأخذ الامور بكل جدية، لانه بالفعل الحروب التي شهدتها منطقتنا وشرقنا، كانت حروب ضارية ودامية، سُفِك الدم في بلادنا العربية بشكل رهيب، واليوم نشهد حرب من نوع آخر هي حرب الفيروس كورونا، الذي من غير الممكن محاربته بالدبابات والطائرات الحربية والقنابل والتفجيرات المفخخة!!!

نصلي من كل القلب ان يعطي الرب حكمة للعلماء والاطباء باختراع تطعيم ودواء لهذا الداء الرهيب، كما ونصلي من كل القلب ان يمد ربنا يسوع المسيح يده الجبارة بازالة هذه الضربة الرهيبة على العالم اجمع.

لكن هل من الممكن انه جاء الوقت لكي يعيد العالم حساباته، ألم يأتي الوقت لكي يعود الحكام والرؤساء لرب السماء والارض؟ ألم يأتي الوقت ونعيد حساباتنا مع انفسنا وجدول حياتنا، بقضاء ساعات طويلة امام شاشات التلفاز والهاتف الخلفي، قضاء ساعات طويلة في اماكن عملنا للربح اكثر واكثر من الاموال، ربما احيانا الربح القبيح والغنى البطّال؟

هل جاء الوقت بان نكف عن "عبادة" رجال السياسة والرياضة والفن، الذي يتقاضون الملايين، وهناك اناس في انحاء العالم خاصة في القارة السوداء اين يموت الانسان من الجوع والعطش وربما بسيف أخيه الانسان؟

هل جاء الوقت في هذه الايام الصعبة، ان نجلس مع انفسنا ونحاسب ذواتنا على صرف الاموال الباهضة ؟ في شراء بدل السيارة سيارتين والدار دارين والحقل حقلين؟؟!! ان نعيد النظر بافراحنا ومعازيمنا بالمئات، والطعام الذي يُرمى الى القمامة تقريبًا كل يوم في صالات اعراسنا ومطاعمنا وربما ايضا بيوتنا؟؟!!

انه وقت حساب الذات، في وقت فيروس كورونا الذي حرمنا من اجتماعاتنا واحبائنا، من الذهاب بسلام وهدوء الى اماكن عملنا والرجوع بكرامة الى بيوتنا، لكي نكون مع افراد عائلاتنا...

انه وقت لتقف الكنيسة بكل محبة وتواضع، ولكن ايضا بسلطان وبحق الانجيل، بان تعلن اسم يسوع المسيح ملك الملوك ورب الأرباب، الذي بيده وحده آجالنا، الذي هو وحده له السلطان المطلق على الكل، الذي بيده مفتاح داود، الذي يفتح ولا احد يغلق، ويغلق ولا احد يفتح، لذلك نصرخ في هذه الايام الرهيبة للحبيب يسوع بان يفتح ابواب القلوب لكي تقبله ربًا ومخلصًا، بان يفتح باب السماء لنا جميعًا، وبان يُغلق باب الجحيم امام شعبه واولاده واحبائه وكل من يؤمن به، وبان يُغلق في هذه الايام هذا الباب الشرير، الذي يحصد كل يوم مئات وربما الالاف من النفوس في انحاء العالم.

في النهاية اقول، انه كما كان ينبغي ان يرفع موسى الحية في البرية، وكل من نظر اليها نال الشفاء، كم بالحري علينا اليوم ان نرفع اعيننا الى الذي سُمِّر على عود الصليب، الذي لم يرفعه موسى بل خطايانا اجمعين، ذلك الذي احتقره الرومان ورؤساء الكهنة، رفعه الله واعطاه اسم فوق كل اسم، الرب يسوع المسيح الذي اذا نظر اليه احد فانه سوف يُشفى من مرض الخطية، وربما ايضًا من لدغة الكورونا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا