دماء المسيحيين

قالت صحيفة "الديلي تليجراف" البريطانية، إن "الاعتداء الوحشي ضد المسيحيين المصريين من قِبل الميليشيات الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لم يكن مجرد حالة فريدة، وإنما امتداد لحالات لا تُعد ولا تُحصى من الاعتداءات التي تُرتكب ضد المسيحيين في منطقة كانت أحد أهم معاقل الكنيسة لسنوات عديدة"، وذلك بحسب ما ذكر الكاتب روبرت شورت في تقرير له بالصحيفة.

وأضاف التقرير أن "إقدام السلطات المصرية على شن غارات انتقامية لاستهداف معاقل التنظيم المتطرف في ليبيا، بعد نشر الفيديو الذي أظهر إعدام عدد من المصريين المسيحيين، لا يحجب حقائق أخرى مزعجة، أهمها أن حوالي 600 ألف مصري تركوا بلادهم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سواء في ظل حكم الإسلاميين أو العلمانيين"، موضحا أن "الكثير منهم اتجه لترك البلاد؛ بسبب استهداف كنائسهم أو منازلهم أو أعمالهم".

وأوضح الكاتب أنه "التقى بعدد من أقباط المهجر المقيمين في بريطانيا، والذين شكلوا نمط القصص في كتابه (كريستيانو فوبيا)"، موضحا أن "أحد الأطباء الأقباط شرح له كيف كان طلاب كلية الطب من المسيحيين يُحرمون من الحصول على تقديرات عالية في الامتحانات النهائية، حيث اقتنع أنه لا أمل له في التقدم في بلاده، خاصة وأن ذلك تزامن مع صعود بعض الجماعات المتطرفة خلال حقبة السبعينات من القرن الماضي، ومن بينها الجماعة الإسلامية، والتي سيطر أعضاؤها على الجامعات".

وأضاف الطبيب القبطي، في مداخلته مع الكاتب، أن "أعضاء الجماعة المتشددة قاموا بالهجوم على الطلبة المسيحيين، واقتحام غرفم لتمزيق صور السيدة العذراء، وغيرها من المواد الدينية، بينما تم اتخاذ إجراءات مشددة ضد بعض الطلاب، من بينها الطرد من المدنة الجامعية، في حين أن الطلاب الذي ارتكبوا تلك التجاوزات بقوا في أماكنهم".

وأوضح التقرير أن "هذه القصة ربما تعكس واقعا أوسع من العداء الشديد للأقليات المسيحية في منطقة الشرق الأوسط قبل فترة طويلة من غزو العراق. ففي عهد الرئيس السادات، اضطر النظام المصري إلى اللجوء الى الإسلاميين؛ من أجل مواجهة التحديات القادمة من اليسار، كما سمح للعديد منهم بدخول البلاد قادمين من المملكة العربية السعودية، كما أن الرئيس السادات أطلق على مصر أنها بلد (مسلم)، على الرغم من أن المسيحيين يمثلون ما بين 15 إلى 20 % من كثافتها السكانية. إلا أن هذا الرقم ربما انخفض الآن إلى حوالي 5% فقط، أو ما يعادل 4.2 مليون نسمة فقط؛ نظرا لإقدام قطاع كبير منهم على مغادرة البلاد".

و"كان معظم الإسلاميين في مصر خلال تلك الحقبة قادمين من المملكة العربية السعودية، حيث كانوا قد اعتنقوا المنهج الوهابي، حيث تحمل المسيحيون هناك العديد من أعمال العنف والإهانات، على غرار ما حدث مؤخرا في "شارلي هيبدو وكوبنهاجن"، على يد الوهابيين الإسلاميين"، بحسب الكاتب.

وأضاف "ربما ليس من الصعب القضاء المنظم على المسيحيين في بعض بلدان المنطقة، ففي العراق مثلا كان هناك ما بين 1.2 و1.4 مليون مسيحي في عام 1990، بينما لا تتجاوز أعدادهم الآن 260 ألف نسمة. وفي مدينة الموصل العراقية، هاجر المسيحيون خلال العام الماضي، بعد أن تم تمييز منازلهم، وعندما زار أمير ويلز، الأمير تشارلز، الأردن منذ أسبوعين، التقى بمجموعة من اللاجئين العراقيين المسيحيين، حيث قال أحدهم له إنهم (بلا مأوى منذ ستة أشهر، ولكنهم لا يرغبون في العودة إلى بلادهم؛ لأنه من المستحيل العيش مع هؤلاء الذين دمَّروا بيوتهم وكنائسهم"، مضيفا أنه "عندما جاءت داعش حرمونا من كل شيء."

واستطرد التقرير أن "دماء المسيحيين صارت تُسال على يد المتعصبين، الذين يتشدقون بنصوص قرآنية، يحاولون تطبيقها في جميع الحالات، على الرغم من التفسيرات السائدة، والتي تميل نحو فكرة الدفاع عن النفس، أو ربما جاءت من أجل لحظة تاريخية معينة، عندما كان رسول الإسلام وأصحابه يواجهون أخطارا مميتة، وعلى الرغم من أن الجناة لا يمثلون إلا أقلية بسيطة من تلك المجتمعات، إلا أن التمييز ضد المسيحيين والأقليات الأخرى، يشكل مزيدا من الظلم غير المعترف به، سواء من قِبل تلك المجتمعات نفسها أو من قِبل الحكومات الغربية".