عادت مشاهد مروعة لاحتراق كنيسة «الحبل بلا دنس» التاريخية في بلدة سان أور، بمقاطعة كيبيك الكندية، إلى الانتشار الواسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مثيرة موجة جديدة من الحزن والغضب والجدل بشأن السبب الحقيقي وراء الحريق الذي دمّر المبنى العريق.
وتُظهر المقاطع المصورة ألسنة اللهب وهي تلتهم سقف الكنيسة وبرجها، قبل انهيار أجزاء كبيرة منهما. وقد أرفقت حسابات عديدة الفيديو بادعاءات تقول إن مهاجرًا مسلمًا أضرم النار عمدًا في الكنيسة، معتبرة الحادثة جزءًا من سلسلة اعتداءات استهدفت كنائس ومواقع مسيحية في كندا خلال السنوات الأخيرة.
وحققت هذه الرواية انتشارًا كبيرًا، لا سيما بين مستخدمين أعربوا عن عدم ثقتهم بالتفسير الرسمي للحريق. وذهب بعضهم إلى القول إن الاعتداءات على الكنائس لا تحظى بالتغطية الإعلامية أو التحقيق الجدي نفسه الذي تحظى به الاعتداءات على دور عبادة أخرى.
الحريق ليس جديدًا
لكن التدقيق في الفيديو أظهر أن الحريق لم يقع في أغسطس/آب 2026 كما أوحت بعض المنشورات، بل يعود إلى مساء 17 يوليو/تموز 2025، عندما اندلعت النيران في كنيسة الحبل بلا دنس في سان أور، الواقعة على بعد نحو 80 كيلومترًا شمال شرقي مونتريال.
وكانت الكنيسة، التي شُيّدت بين عامي 1880 و1882، تُعد معلمًا دينيًا وتراثيًا بارزًا في البلدة. وقد أدى الحريق إلى انهيار البرج وإلحاق أضرار جسيمة بالمبنى، وسط صدمة كبيرة بين السكان الذين شاهدوا جزءًا مهمًا من تاريخ مجتمعهم يختفي أمام أعينهم.
ماذا تقول السلطات الكندية؟
أكدت بلدية سان أور أن الحريق نتج عن صاعقة ضربت الكنيسة خلال عاصفة رعدية شديدة شهدتها المنطقة في تلك الليلة، نافية أن يكون مهاجر قد أشعل النار في المبنى.
وقالت المديرة العامة للبلدية باسكال دالكور، في توضيح أرسلته إلى وكالة الصحافة الفرنسية في أغسطس/آب 2026، إن الصاعقة كانت سبب اندلاع الحريق. كما قدّمت البلدية صورة لخريطة أرصاد جوية تُظهر نشاطًا للبرق وضربة مسجلة في موقع الكنيسة وقت الحادثة.
وتتفق هذه الرواية مع البيانات التي نشرتها البلدية والتقارير الإعلامية المحلية عند وقوع الحريق عام 2025. ولم تشر التقارير المنشورة في ذلك الوقت إلى اعتقال مشتبه به أو العثور على آثار اقتحام أو مواد قابلة للاشتعال تثبت أن الحريق كان متعمدًا.
ماذا يدور في شبكات التواصل؟
في المقابل، لا يزال عدد من المواطنين والحسابات عبر شبكات التواصل يشكك في رواية الصاعقة، ويصرّ على أن الحريق ناتج عن عمل متعمد نفذه مهاجر مسلم. ويستند كثير من المتفاعلين إلى سياق أوسع من الحرائق وأعمال التخريب التي أصابت كنائس كندية منذ عام 2021.
لكن المنشورات التي جرى تداولها لم تعرض حتى الآن شهادة موثقة لشاهد عيان، أو هوية مشتبه به، أو تسجيل مراقبة، أو تقريرًا أمنيًا يثبت تورط مهاجر مسلم في حريق كنيسة سان أور تحديدًا.
كما لم يظهر في المصادر الكندية الموثوقة أي خبر عن اعتقال شخص على خلفية هذا الحريق. ولذلك يبقى اتهام مهاجر مسلم رواية متداولة عبر شبكات التواصل، وليس حقيقة مثبتة بالأدلة المتاحة حتى الآن.
ويبدو أن بعض المنشورات خلطت أيضًا بين كنيسة سان أور في كندا وكنيسة الحبل بلا دنس في مدينة سان أومير الفرنسية، التي تعرضت لحريق متعمد في سبتمبر/أيلول 2024. وفي الحادثة الفرنسية اعتُقل رجل فرنسي لديه سوابق في إحراق مبانٍ دينية واعترف بإشعال النار، لكنها حادثة مختلفة وقعت في دولة أخرى.
مخاوف حقيقية بشأن استهداف الكنائس
يأتي الجدل في ظل قلق متزايد لدى مسيحيين كنديين بشأن سلامة الكنائس والمباني الدينية. فقد تعرضت عشرات الكنائس في البلاد خلال السنوات الماضية للحرائق أو التخريب، وكانت بعض الحرائق متعمدة، بينما صُنفت حوادث أخرى على أنها عرضية أو بقيت أسبابها غير محسومة.
ومن الطبيعي أن يثير احتراق كنيسة تاريخية الشكوك والمخاوف، خصوصًا في ضوء الاعتداءات السابقة. لكن الفصل بين الحوادث المثبتة والادعاءات غير المدعومة بالأدلة يبقى ضروريًا، حتى لا تؤدي المعلومات غير الدقيقة إلى إضعاف المطالبة المشروعة بحماية الكنائس والتحقيق الجدي في أي اعتداء يستهدف المؤمنين أو دور العبادة.
وبحسب المعلومات المتاحة حتى الآن، تبقى رواية الصاعقة هي التفسير الرسمي والمدعوم ببيانات الطقس لحريق كنيسة سان أور. أما الادعاء بأن مهاجرًا مسلمًا أشعل الكنيسة عمدًا، فيستمر تداوله عبر شبكات التواصل من دون تقديم أدلة قابلة للتحقق.
وبين الرواية الرسمية والشكوك المتداولة، تبقى الخسارة المؤكدة هي تدمير معلم مسيحي تاريخي شكّل لأكثر من قرن جزءًا من الذاكرة الروحية والتراثية لسكان البلدة.
