«المسيحية بدأت في أوروبا».. المنهاج التعليمي الفلسطيني يشعل استياءً مسيحيًا

أعاد مقطع إعلامي متداول فتح النقاش حول حضور المسيحية في المناهج الفلسطينية، وسط انتقادات لضعف عرض نشأة الكنيسة الأولى واستمرارية الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة.
قبل 2 ساعة
«المسيحية بدأت في أوروبا».. المنهاج التعليمي الفلسطيني يشعل استياءً مسيحيًا
لينغا

أثار الإعلامي الفلسطيني محمد أبو عبيد جدلًا واستياءً مسيحيًا، بعد حديثه عن معلومة وصفها بأنها «غلطة» في المناهج التعليمية الفلسطينية، تتمثل في تقديم المسيحية على أنها نشأت في أوروبا ثم وصلت إلى البلاد، خلافًا للحقيقة التاريخية التي تؤكد أن المسيحية انطلقت من الأراضي المقدسة إلى العالم.

وفي مقطع فيديو نشره برنامج «50 دقيقة» عبر قناة «المشهد»، تحت عنوان «غلطة عن المسيحية في المناهج الفلسطينية»، تناول أبو عبيد طريقة حضور المسيحية في التعليم، مشيرًا إلى أن المنهج الفلسطيني يقدم رواية تفيد بأن المسيحية نشأت في أوروبا، في حين أن القدس وبيت لحم والناصرة كانت في قلب انطلاق الإيمان المسيحي منذ القرن الأول.

ويمثل هذا الطرح، إذا كان واردًا بهذه الصورة في أحد الكتب المدرسية، خطأً تاريخيًا جوهريًا؛ فالمسيحية لم تصل من أوروبا إلى الأراضي المقدسة، بل انطلقت من هذه الأرض وانتشرت لاحقًا في آسيا الصغرى وأوروبا وسائر أنحاء العالم.

ولم يحدد المقطع القصير اسم الكتاب أو الصف الدراسي أو رقم الصفحة التي وردت فيها المعلومة، كما لم يتسنَّ للينغا العثور على النص المدرسي المقصود والتحقق منه بصورة مستقلة. ولذلك يبقى ما نُشر اتهامًا مباشرًا وجّهه أبو عبيد إلى المنهج الفلسطيني، وليس نصًا موثقًا من صفحة دراسية عُرضت في المقطع.

المسيحية انطلقت من الأراضي المقدسة لا من أوروبا

تُعدّ الأراضي المقدسة مهد المسيحية؛ ففي بيت لحم وُلد السيد المسيح، وفي الناصرة نشأ، وفي الجليل واليهودية قدّم تعاليمه، وفي القدس صُلب وقام بحسب الإيمان المسيحي.

وفي القدس أيضًا تأسست الكنيسة الأولى، ومنها خرج الرسل حاملين بشارة الإنجيل إلى مناطق مختلفة من العالم. ويعرض سفر أعمال الرسل انتقال الرسالة من القدس إلى اليهودية والسامرة، ثم وصولها إلى آسيا الصغرى واليونان وروما.

وبذلك فإن الحديث عن نشأة المسيحية في أوروبا يعكس مسار الأحداث التاريخية؛ إذ لم تكن أوروبا مصدر المسيحية، بل واحدة من المناطق التي وصلت إليها البشارة بعد انطلاقها من الأراضي المقدسة.

استياء مسيحي من تغييب الجذور المحلية

أثار مضمون المقطع استياءً بين مسيحيين رأوا فيه مثالًا على ضعف حضور تاريخهم في المناهج العامة، ولا سيما أن المسيحيين في هذه البلاد ليسوا جماعة وافدة أو امتدادًا لحضور أوروبي حديث، بل هم جزء أصيل من تاريخ الأرض ومجتمعها.

ولا يرتبط الاستياء بهذه المعلومة وحدها، بل بإحساس متراكم بأن المناهج لا تقدم للطلاب صورة متكاملة عن الكنيسة الأولى واستمرار الوجود المسيحي المحلي خلال القرون التالية.

وكان القس متري الراهب، رئيس جامعة دار الكلمة، قد عبّر سابقًا عن المشكلة ذاتها، قائلًا إنه «يُستشف من بعض المناهج الفلسطينية وكأن المسيحيين هم نتاج الصليبيين».

وتتقاطع هذه الملاحظة مع ما جاء في مقطع أبو عبيد؛ إذ إن تصوير المسيحية على أنها بدأت في أوروبا، أو ضعف عرض تاريخها قبل الحملات الصليبية، قد يترك لدى الطالب انطباعًا بأن المسيحيين المحليين جاؤوا من الغرب مع الجيوش الأوروبية.

والحقيقة أن الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة سبق الحملات الصليبية بأكثر من ألف عام. كما أن المسيحيين الشرقيين لم يكونوا جزءًا من تلك الحملات، بل كانت لهم كنائسهم وتقاليدهم ولغاتهم وحياتهم الدينية والاجتماعية قبل وصولها.

أين صوت القيادات الكنسية؟

وأعاد الجدل طرح تساؤلات في أوساط مسيحية حول موقف بعض القيادات الكنسية، من قساوسة وكهنة وأساقفة، ممن يرفعون أصواتهم دفاعًا عن حقوق الفلسطينيين في المحافل المحلية والدولية، بينما لا يظهر لهم موقف مماثل عند الحديث عن تمثيل التاريخ المسيحي والحقوق الثقافية للمسيحيين في المناهج الفلسطينية.

ويرى منتقدون أن الدفاع عن العدالة لا ينبغي أن يكون انتقائيًا؛ فكما تُدان محاولات إنكار حقوق الفلسطينيين أو طمس هويتهم، فإن تغييب الجذور المسيحية المحلية أو تقديمها بصورة تاريخية مغلوطة يستحق موقفًا واضحًا أيضًا، ولا سيما من القيادات الدينية المسيحية التي تتحدث باسم المسيحيين وعن وجودهم في الأراضي المقدسة.

ويثير غياب موقف علني واضح من هذه القضية، بحسب المنتقدين، شعورًا بوجود ازدواجية في الخطاب: صوت مرتفع عند تناول الانتهاكات القادمة من الخارج، يقابله تحفظ أو صمت عند مناقشة قضايا داخلية تمس معرفة الأجيال بتاريخ المسيحيين وهويتهم.

 

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.