نبـيٌّ عظيم
قِسم من الناس آمنوا بالمسيح كنبي عظيم: " فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ " لوقا 7: 16 هذه الكلمات التي قالها الناس في قرية نايين التي فيها أقام المسيح ابن المرأة الأرملة الوحيد.
فكان قسم من اليهود قد آمنوا أن يسوع هو بالحقيقة النبي المنتظر الآتي لخلاصهم.
قسمٌ عرفوا أنه نبي لكن لم يؤمنوا به: مثل نيقوديموس في البداية حيث جاء ليسوع ليلاً وقال له:
يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ " يوحنا 3: 2. من قوله "نعلم" يعني أن رفقائه الفريسيون كانوا يعرفون أن المسيح هو نبي من الله. في حالة أخرى قال لهم المسيح:
" ... تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا، وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ، بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ، الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ " يوحنا 7: 28، وفي حادثة أخرى قال:
"... يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَمَّا هذَا الزَّمَانُ فَكَيْفَ لاَ تُمَيِّزُونَهُ؟" لوقا 12: 54-56
وآخرين لم يؤمنوا به: " وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ " يوحنا 12: 37
المسيح هو النبي الذي تنبَّأ عنه موسى
لقد تنبَّأ موسى عن النبي المميَّز القادم حيث قال للشعب:
" يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ." تثنية 18: 15
وهذا كان فِعلاً توقع اليهود على وقت المسيح فقسمٌ منهم افتكروا أن يوحنَّا المعمدان هو ذلك النبي، فسألوا يوحنَّا قائلين:
" 19 وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا، حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ: "مَنْ أَنْتَ؟" 20 فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ:"إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ" 21 فَسَأَلُوهُ: "إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟" فَقَالَ:"لَسْتُ أَنَا." "أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟" فَأَجَابَ: لا." يوحنا 1.
"أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟": لم يسألوه قائلين: "أنبيٌّ أنت" التي تفترض أي نبي، بل ألنبي مع أل التعريف أي أنه نبي معروف ومُتوقَّع، وهو الذي تنبَّأ عنه موسى.
مِن اليهود: طبعًا بحسب عبارة "من أخوتك" قصد الله أن النبي القائم سيكون من الشعب اليهودي، شعب الله في ذلك الوقت، والذي لا يعني فقط من سِبط لاوي بل يعني أنه يجب أن يكون من اليهود بشكلٍ عام، تثنية 18: 2.
أيضًا صورة واضحة لـ "من أخوتك" نجدها في تثنية 17:
"14 مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي، 15 فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ. مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلاً أَجْنَبِيًّا لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ."
مِن نسل إسحاق: أيضًا من أخوتك تعني أن يكون من نسل أسحق، لأن وعد الله لإبراهيم كان من خلال إسحق:
" وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ " تكوين 17: 21
إن إبراهيم كان يظن أنه من اسماعيل سيأتي المسيح والبركة، لكن الله أكد له أنَّ الوعد سيكون من خلال أسحق عندما حثَّه على السماع لسارة على ضرورة طرد هاجر مع ابنه اسماعيل:
" فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: "لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ (إسماعيل) وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ (هاجر). فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ." تكوين 21: 12
دلالة أخرة لاختيار إسحق ليكون ابن الموعد هو أن الله قد حسب الجيل لابراهيم مئة عام، تكوين 15: 16 وأعمال 7: 6، إن حساب الجيل في هذه الرحلة بمئة سنة قد تمَّ لأنَّه كان لإبراهيم مئة سنة عندما أتاه ابن الموعد إسحق، تكوين 21: 5، وهذا يبرهن أن اسحق هو الجيل القادم الذي ينتظره الله. (الله أراد أن يبرز هذا ليثبت أن بإسحق يبتدئ الجيل القادم، مع إن الكتاب قد حسب الجيل أربعون سنة فيما بعد، العدد 32: 13 و عبرانيين 3: 9-10).
دليل آخر لاختيار إسحاق هو أن الله لم يختار أي بِكر قبل فداء الأبكار في خروج 13: 1-2 (أنظر إلى التفسير لاحقًا تحت عنوان "وفيما يلي بعض الجوانب التي تمَّم بها يسوع ناموي موسى" آخر النقطة الثانية).
يسوع المسيح هو النبي الذي حقَّق هذا الوعد وذلك للأسباب التالية:
طبعًا للتشبيه في علم البلاغة يوجد أوجه شبه للتشبيه، ولا يمكن لأي تشبيه أن يكون تطابق تام بين المُشبَّه والمُشبَّه به، وفيما يلي أوجه الشبه بين المسيح وموسى:
والسؤال الهام هنا هو:
إن كان المسيح هو مثل موسى تمامًا فما الفائدة من مجيئه إذًا؟
فهل الله بعد الجهد والعناء، بـ 1400 شِتاءِ، قد فسَّر الماء بالماءِ، وجاء بنبيٍ مثل موسى!!!!!
حاشا، بل الله أراد أن يأتي المسيح ليتمِّم العمل الذي ابتدأه موسى ويرفعه لمستوً أعلى وأشمل.
المسيح هو الذي تمَّم ناموس موسى وعمله:
لقد شهد المسيح هذا عن نفسه قائلاً:
" لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ (ناموس موسى) حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ." متى 5: 17-18
وفيما يلي بعض الجوانب التي تمَّم بها يسوع ناموس موسى:
إذًا بهذه القرائن الكثيرة نرى أن المسيح هو النبي الذي تكلَّم عنه موسى، طبعًا تكلَّمنا عن أوجه الشَّبه التي يُشبه المسيح بها موسى، لكنه ليس مثله في كل شيء، لأن الله أراد أن يأتي بشيءٍ أعظم من رسالة موسى والناموس كما قُلنا. إن الله دائمًا عنده أشياء أعظم وأمجد حيث أنه باستمرار كان ولا زال يبني شعبه، فلا يُعقل أن تعلِّم طفلك وتُعطيه أشياء، وبعد ثلاثون عامًا تعلمه وتُعطيه نفس الأشياء. لذلك قال الله لشعبه في القديم بكل تشوُّق وأمل:
" لاَ تَذْكُرُوا الأَوَّلِيَّاتِ، وَالْقَدِيمَاتُ لاَ تَتَأَمَّلُوا بِهَا. هأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا. الآنَ يَنْبُتُ. أَلاَ تَعْرِفُونَهُ؟ أَجْعَلُ فِي الْبَرِّيَّةِ طَرِيقًا، فِي الْقَفْرِ أَنْهَارًا. " أشعياء 43: 18-19
وأيضًا قال قبل مجيء المسيح بحوالي 600 عام في إرمياء 31:
"31 هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا 32 لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ (عن طريق موسى)، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ 33 بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ (عن طريق الروح القدس)، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا 34 وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ، قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ (عن طريق ذبيحة المسيح). " أي أن له عهد أفضل وأعظم من الذي ابتدأه موسى وذلك طبعًا من خلال الصفح عن خطاياهم من خلال فداء المسيح.
أوَلا تقول لله نعم، أريد أن اختبر عملك الجديد هذا، أُدعو المسيح لكي يجعلك تتمتَّع بمجد ذلك العمل العظيم الذي يريد الله أن يفعله في حياتك بعدما يفتح صفحة جديدة فيها، يصفح عمَّا مضي ويُولِدك من جديد:
" إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." 2 كورنثوس 5: 17.
وتكون من جماعة المؤمنين الذين سيحصلون على الجنة التي فيها سيرنمون ترنيمة موسى والمسيح:
" 3 وَهُمْ يُرَتِّلُونَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، وَتَرْنِيمَةَ الْخَرُوفِ (أي المسيح الذي تمَّم عمل موسى) قَائِلِينَ:«عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ! 4 مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَارَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ. "
رؤيا يوحنا (آخر أسفار الكتاب)، فصل 15.