في قصة السامري الصالح (لوقا 10: 25 -37) قد نلمح صورة مُصغرة لوضعنا وعالمنا اليوم، صورة قاتمة بالشر والوحشية، داكنة بالأنانية واللامبالاة، مع نور متزايد في آخر النفق.

إذا حاولنا عدّ شخصيات القصة نجدهم ثمانية أشخاص على أدنى حدّ:
على الأقل ثلاثة لصوص أشرار (3 أو أكثر).

إنسان مسكين (1) لا يدري من أين ينهال عليه الأشرار ضربًا ونهبًا وتجريحًا وقتلًا.

رجلا دين ومجتمع (2) يكاد لا يعنيهما شيئًا من ألم ووجع وحياة الآخرين.

أجير (1) يعمل مقابل أتعابه، ويكاد يكون صورة لكل مؤمن حقيقي أمين، للإنسان التقي الذي يقوم بواجبه بأمانة، وغالبًا لا يطلب أجرة لكنه يأخذ المكافأة من لدن الرّبّ، "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا" (لوقا 17: 10).

وشخص غريب (1) لا نعلم من أين ظهر لنا في طريق غير طريقه، فكان نِعم الأخ والحبيب والطبيب. أليس ذلك صورة مصغرة لذاك الذي أخلى ذاته نازلًا من علياء سماء مجده إلى هذه المسكونة الفانية الملعونة، ليفتقدنا ويخلصنا بعظيم رحمته له كل المجد.

هل في هذا صورة على سيطرة الشر والعنف في عالمنا إذ "نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ" (1 يوحنا 5: 19)؟

هل حوالي نصف العالم أو أكثره تمادى في الشرّ والأذى؟ وهل رجال السلطات ورجالات المجتمع والدين مُهتمة بالتكريم والاجلال والتعظيم ناسية مسؤوليتها ودورها في الوقوف إلى جانب البسطاء؟

أليست "اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ" (يعقوب 1: 27)؟!

ألم يسمعوا إنذار إله السماء قائلًا "حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ؟ سِلاَهْ. اِقْضُوا لِلذَّلِيلِ وَلِلْيَتِيمِ. أَنْصِفُوا الْمِسْكِينَ وَالْبَائِسَ. نَجُّوا الْمِسْكِينَ وَالْفَقِيرَ. مِنْ يَدِ الأَشْرَارِ أَنْقِذُوا" (مزمور 82: 2-4)؟

ومع هذه الصورة القاتمة وانكار وترك السلطة ورجالات المجتمع لدورهم ومسؤوليتهم تجاه البسطاء، هنالك دعوة رجاء حيّ للمساكين، فلا للخوف ولا للقلق مع الرّبّ "إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا" (جامعة 5: 8)، فنلاحظ هنا ثلاث درجات سلطان، فإن كان "العالي" هو الشرير المجرم المُعربد الذي يُشيع في العالم إرهابًا واضطرابًا، يُعربد ويُرهب، يخرّب ويدمّر ويقتل، فهنالك فوقه وفوق سلطانه "عَالِيًا يُلاَحِظُ"، إذ نتوقع من السلطة والرئاسات المسؤولة أن تضع حدًا لهذا العنف الصارخ، وأن تساند وتدعم المسكين وتقف في مواجهة الشرير، لا أن تتجاهله أو تدعمه.

وفي كل الأحوال مهما افتخر وتباهى الشرير بعظمته، ومهما تمادت السلطة في إهمالها لمسؤوليتها، فالأمر غير متروك كما قد يظُن البعض أو يظهر لهم لأول وهلة، فلا ننسى أبدًا أنّ "الأَعْلَى فَوْقَهُمَا"، فالرّبّ إلهنا هو الأعلى من كل عالٍ "لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يُرْذِلْ مَسْكَنَةَ الْمَسْكِينِ، وَلَمْ يَحْجُبْ وَجْهَهُ عَنْهُ، بَلْ عِنْدَ صُرَاخِهِ إِلَيْهِ اسْتَمَعَ" (مزمور 22: 24). لذلك نتضع أمامه ونصلي ونفرح به كما صلت حنة «فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ. اتَّسَعَ فَمِي عَلَى أَعْدَائِي، لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلاَصِكَ. لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلهِنَا. لاَ تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ. قِسِيُّ الْجَبَابِرَةِ انْحَطَمَتْ، وَالضُّعَفَاءُ تَمَنْطَقُوا بِالْبَأْس. الشَّبَاعَى آجَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْخُبْزِ، وَالْجِيَاعُ كَفُّوا. حَتَّى أَنَّ الْعَاقِرَ وَلَدَتْ سَبْعَةً، وَكَثِيرَةَ الْبَنِينَ ذَبُلَتْ. الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ. الرَّبُّ يُفْقِرُ وَيُغْنِي. يَضَعُ وَيَرْفَعُ. يُقِيمُ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ. يَرْفَعُ الْفَقِيرَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الشُّرَفَاءِ وَيُمَلِّكُهُمْ كُرْسِيَّ الْمَجْدِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا الْمَسْكُونَةَ. أَرْجُلَ أَتْقِيَائِهِ يَحْرُسُ، وَالأَشْرَارُ فِي الظَّلاَمِ يَصْمُتُونَ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ يَغْلِبُ إِنْسَانٌ. مُخَاصِمُو الرَّبِّ يَنْكَسِرُونَ. مِنَ السَّمَاءِ يُرْعِدُ عَلَيْهِمْ. الرَّبُّ يَدِينُ أَقَاصِيَ الأَرْضِ، وَيُعْطِي عِزًّا لِمَلِكِهِ، وَيَرْفَعُ قَرْنَ مَسِيحِهِ» (1 صموئيل 2: 1-10).

أعظم الدروس والعبر والرموز من قصة السامريّ الصالح
أعجبني تحليل أحدهم للمواقف في هذه القصة، إذ أشار الى أنّ الرجل الجريح كان شيئًا مختلقًا بالنسبة لكل واحد من شخصيات القصة:

* فلعالم الشريعة كان موضوع جدال،

* وللصوص موضوع جشع وطمع ونهب،

* ولرجال الدين مشكلة عليهم تجنبها،

* ولصاحب الخان انسان عليه خدمته مقابل أجر،

* وللسامري أنسان يستحق العناية،

* أما بالنسبة ليسوع فجميع شخصيات القصة هم بشر يستحقون أن يموت هو لأجلهم.

وأشار آخر إلى أن هذه القصة تقترح علينا ثلاث فلسفات عالمية اليوم:
الأولى- "الذي لك هو لي وسآخذه." كانت هذه فلسفة العصابة.

الثانية- "الذي معي هو لي وسأحتفظ به." كانت هذه فلسفة الكاهن واللاوي.

الثالثة- "الذي لي هو لك وأريدك مشاركتي به." كانت هذه فلسفة السامري الصالح.

في تعليق مُميز للكاتب والمفسر بنيامين بنكرتن (مع بعض التصرف) يُسلط الضوء على هذه القصة العظيمة التي تصوّر لنا أعمال المسيح الحبيَّة للإنسان الساقط، والتي تنسب كل الفضل لنعمة الله الظاهرة بالمسيح يسوع الذي افتقدنا كالمشرق من العلاء، ويجعل تركيزه على خمس نقاط:

أولاً- أن أصل أعمالهِ هو المحبة لأنهُ نظر إلينا في مذلَّتنا وتحنَّن.

ثانيًا- يعالج داءنا الثقيل بكل ما يلزم "فتقدم وضمد جراحاتهِ وصبَّ عليها زيتًا وخمرًا. فكل ما نحتاج إليهِ كخطاة معرَّين ومجرَّحين يعطينا إياهُ المسيح مجانًا.

ثالثًا- يبدل مقامهُ بمقامنا، "أركبه على دابتهِ". لم تكن في الجريح قوة ليشفي ذاتهُ أو ينتقل من موقعه. وهكذا المسيح أنهضنا من مضجعنا في الخطية وعواقبها ومنحنا القوة الروحية. اتخذ مقامنا لكي يعطينا مقامهُ. نزل من السماء لكي يأخذنا معهُ إليها. صار فقيرًا لكي نستغني بفقرهِ. تألَّم بدلاً عنا لكيلا نتألم نحن. أنحدر إلى القبر وقام منهُ لكيلا تبقى للقبر قوة علينا.

رابعًا- يأتي بنا إلى موضع أمان حالاً. "وأتى بهِ إلى فندق واعتنى بهِ". فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله. ولا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع. لم يستطع أولئك اللصوص أن يقتحموا الرجل ثانيةً بعد دخولهِ في المنزل المعيَّن للمسافرين. والرَّبُّ نفسهُ أيضًا لا يزال يعتني بنا غير أنهُ ألتزم أن يفارقنا حسب الجسد إلى حين.

خامسًا- نرى أنهُ يدبّر كل الوسائط لحفظنا مدة غيابهِ مع الوعد، بأنهُ يرجع عن قريب "وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق، وقال لهُ: اعتنِ بهِ ومهما أنفقت أكثر فعند رجوعي أُوفيك". لقد كان الرَّبِّ وقت التجلي مهتمًّا بخروجهِ من هذا العالم، وهو الآن صاعد إلى أورشليم ليكمّلهُ. فإشارتهُ هنا إلى غيابهِ إلى حين عن الذين كان قد مرَّ بهم وخلصهم هي في غاية المناسبة. وقد سبق أيضًا وأشار إلى مجيئهِ ثانيةً.

لذلك غاية هذه القصة قد تتمثل في أمرين:
أولاً- أن يدرك الانسان مدى محبة الله من هذه الصورة الكاملة الإتقان، ويؤمن بذات ابنهِ الذي تنازل وجعل نفسهُ قريبًا للإنسان الساقط، إذ عمل ليس بحسب الشريعة فقط بل أكثر من ذلك جدًّا.

ثانيًا- يمارس للآخرين المحبة التي أظهرها لهُ المسيح. وهكذا يجب علينا جميعًا، كل من يحب قد وُلد من الله ويعرف الله.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا