يوحنّا 1:9-41 “وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، 2فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟». 3أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. 4يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. 5مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ».
6قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. 7وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا.
8فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلًا أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟» 9آخَرُونَ قَالُوا: «هذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ». وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ: «إِنِّي أَنَا هُوَ». 10فَقَالُوا لَهُ: «كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟» 11أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ: «إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ». 12فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ ذَاكَ؟» قَالَ: «لاَ أَعْلَمُ».
13فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلًا أَعْمَى. 14وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. 15فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ، فَقَالَ لَهُمْ: «وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَنَا أُبْصِرُ». 16فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ: «هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ». آخَرُونَ قَالُوا: «كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟» وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. 17قَالُوا أَيْضًا لِلأَعْمَى: «مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» فَقَالَ: «إِنَّهُ نَبِيٌّ!». 18فَلَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ. 19فَسَأَلُوهُمَا قَائِلِينَ: «أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟» 20أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالاَ: «نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. 21وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ». 22قَالَ أَبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ. 23لِذلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ: «إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ، اسْأَلُوهُ».
24فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى، وَقَالُوا لَهُ: «أَعْطِ مَجْدًا ِللهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ». 25فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ». 26فَقَالُوا لَهُ أَيْضًا: «مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» 27أَجَابَهُمْ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضًا؟ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ؟» 28فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا: «أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى. 29نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَمَّا هذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ». 30أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. 31وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ. 32مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. 33لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ اللهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا». 34أجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا!» فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا.
35فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» 36أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» 37فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». 38فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ.
39فَقَالَ يَسُوعُ: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ». 40فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ: «أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟» 41قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ".

يسوع يشفي الاعمى

هل يمكن لأيّ واحد منّا أن يتصوّر كيف يعيش الأعمى؟ وهل يمكن فعلًا أن نقترب من واقع الإنسان الأعمى؟ وما هي الصّعاب الّتي يعيشها الأعمى؟ وكيف يعيش في ظلمة دائمة؟ ربما نشعر بالألم والعطف على الأعمى بدوافع إنسانية، ولكن لا يمكن أن نختبر ما يختبره.

في القصّة الّتي نتأمل بها اليوم، يستخدم الرّب يسوع حالة شخص عاش أعمى من طفولته حتّى سن النّضوج، هذه الحالة الّتي لم يختبرها كثيرون في العالم، لكي يعطي شفاءً وسلامًا، ولكي يقدّم لنا درسًا عمليًّا وروحيًّا. في الواقع إنّ الرّب يسوع في القصّة لم يعمل فقط على شفاء إنسان من مأساته الجسديّة، ولكنّه استخدم الحدث ليعطينا دروسًا رائعة عن العمى الروحي.

يوجد في القصّة ثلاث شخصيّات رئيسيّة، ونريد هنا أن نرى كيف تكلّمنا هذه القصّة وشخصيّاتها في أيّامنا وفي بلادنا:

* الشخصيّة الرئيسيّة الأولى في القصّة هي الرجل الأعمى:

تخبرنا القصّة عدّة أشياء أساسيّة عنه، وخصوصًا خمسة أمورٍ مهمة:
1. ولد أعمى: (الآية رقم 1) لا نعرف من القصّة لماذا ولد هذا الرّجل في حالة العمى من بطن أمّه، ولكننا نعرف من القصّة أن عماه لم يكن بسبب خطيّة معيّنة ارتكبها والداه، بل كما قال رب المجد يسوع: "لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ". يدل هذا الكلام على أن الله وضع في مخطّطه أن يشفي هذا الرّجل من عماه حتّى قبل ولادته أعمى.

لو سألنا سؤالًا صعبًا: ما هي الخطيّة الّتي يمكن أن يرتكبها جنين لم يولد بعد حتّى يولد بالعمى؟ والجواب هو: لا توجد خطيّة شخصيّة أو إراديّة نهائيًّا. ومع ذلك فإن الشّيء الوحيد الّذي عرفه هذا الإنسان منذ ولادته كان العمى. فقد ولد أعمى، ولد ولم ير النّور، وعاش في ظلمة مستمرة من لحظة ولادته، وأخذ يستعطي المبصرين ويشحذ لقمة عيشه.

والآن تصوّروا معي لو أنّ هذا الإنسان ولد مبصرًا، وعاش عدة سنوات في النّور، ثم فقد بصره بسبب المرض أو حادث معين: كيف ستكون حالته؟! في الواقع أنّه لو حصل هذا لكان وضعه أصعب بكثيرٍ جدًا، ففقدان البصر بعد التنعّم بنور الرؤيا أمر فظيع ومؤلم جدًا، ولكن صاحبنا في القصّة لم يعرف النّور نهائيًّا، لذلك لم يتألّم لفقدانه، فهو كان رجلًا كبير السّن.

2. شفي من عماه: (الآيات 6-7). يوجد شّيء ملفت للنّظر هنا ألا وهو أنّ هذا الشّخص لم يطلب الشفاء. فلا توجد أيّة إشارة تدلّ على أنّ هذا الإنسان طلب أن يبصر، تمامًا مثل مريض بركة بيت حسدا. بعكس قصص شفاءٍ كثيرة في الكتاب المقدّس حيث جاء النّاس إلى الرّب يسوع صارخين وطالبين الشّفاء. ورأى الرّب يسوع ببصيرته الإلهيّة أنّ هذا الإنسان محتاج للشّفاء، وأن شفاؤه سيؤول إلى إظهار وإعلان مجد الله، ولذلك بادر الرّب يسوع إلى شفائه.

نلاحظ أن الرّجل لم يحتجّ عندما طلى الرّب يسوع عينيه بالطين، كذلك فإنه أطاع الرّب وذهب واغتسل في بركة سلوام. وفعلًا اختبر شيئًا جديدًا جدًّا في حياته. شيء لم يختبره في السّابق، وهو القدرة على الرؤيا. لقد أصبح لديه بصر، أصبح لديه عيون ليرى كلّ شيء حوله.

يوجد شّيءٌ آخر في القصّة يلفت النّظر هنا، وهو أنّه بعد أن وضع الرّب يسوع الطّين على عيني الأعمى، وطلب منه أن يذهب ويغتسل في بركة سلوام، أنّ الرّب يسوع ترك الرّجل يواجه المجتمع أوّلًا قبل أن يلتقي به من جديد. فقد خرج الرّب يسوع من الصورة ولم يذكر من جديد حتّى الآية 35. فالآيات من 8 إلى 34 تتعلق بما جرى مع الأعمى الّذي أبصر، وخصوصًا مواجهته مع رجال الدّين من الفرّيسيين.

3.قدّم شهادة عن شفائه: (الآيات 8-11، 15، 24-25، 30-33). تصوّروا معي المنظر بعد أن شفي هذا الإنسان من عماه. لقد كان محتاجًا للتمييز بين الأشياء الّتي يراها للمرة الأولى في حياته. فلم تكن لديه أدنى فكرة مسبقة عن كيفّة وشكل الأشياء. لقد احتاج إلى وقت للفرح والاحتفال بالعطيّة العظمى الّتي حصل عليها. ولكنّ الناّس لم يرحموه، فمن الّلحظة الأولى من شفائه، انهالت عليه الأسئلة، وأظهر النّاس شكوكًا كثيرة فيما حصل له، مع أنهم لم يستطيعوا إنكار ما حدث؛ فالشّخص كان أعمى وهو الآن يبصر. انهالت الأسئلة عليه من الجيران ومن غيرهم من النّاس ومن رجال الدّين، وكان جواب المبصر الّذي كان أعمى واحدًا: إنّني كنت أعمى والآن أبصر. وشهد أن شخصًا وضع طينًا على عينيه وأمره أن يذهب ويغتسل في بركة سلوام، وفعلًا ذهب واغتسل وعاد مبصرًا. 

لقد شهد الأعمى لعمل الرّب يسوع في حياته دون خوف أو تردد، بل شهد بقوّة وشجاعة متحدّيًا حتّى رجال الدّين من الفريسيّين، مع أن هذا الشّخص لم يتَلَقَّ أي تدريب روحي، ولم يلتحق بمدرسة أو بجامعة لاهوت، ولم يحفظ قوانين أو قواعد روحيّة، فالشّيء الوحيد الّذي اختبره وعرفه يقينًا هو أنّه كان أعمى والآن يبصر.

4. التقى بشخص الرّب يسوع: (35-37). نلاحظ مرّة أخرى أن الرّجل لم يبحث عن شخص الرّب يسوع، مع أنّه شهد بقوّة عن الشّفاء الّذي حصل عليه، وقاوم اضطهاد الفريسيّين له. لذلك سعى الرّب يسوع إلى الّلقاء به، وعندما وجده يسوع لم يسأله عن شعوره بعدما أبصر، ولم يسأله عن الصّحة والأحوال، فهو يعرف ما الّذي حدث لأنّه هو الّذي شفاه. ولكنّه واجه الرّجل بسؤالٍ له علاقة بمصيره الأبدي: أتؤمن بابن الله؟ وجاء جواب الأعمى بشكل عفوي وصادق: "مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟»؟ لقد كان مستعدًّا للإيمان، ولكنه احتاج فقط لمعرفة شخص ابن الله، لذلك جاء رد الرّب يسوع في غاية الرّوعة والبساطة: "قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ". نلاحظ هنا أن الرّب يسوع أشار إلى الشّفاء الّذي حصل عليه الرّجل عندما قال له: "قد رأيته"، ثم أشار إلى أنّه هو الشّخص. أي أنّ الرّب يسوع أعلن هنا ولإنسان بسيط بأنه هو الله المتجسّد، بأنّه ابن الله المساوٍ للآب في الجوهر. هذه الحقيقة الّتي يرفضها المتديّنون بسبب كبريائهم وعناهم الرّوحي، ويقبلها البسطاء ذوي القلوب الطيّبة والتقيّة.

لم يحتاج الرّجل إلى دراسة كتب لاهوت وبراهين كثيرة لتؤكّد صحة كلمات الرّب يسوع. لقد صدّق ما قاله الرّب يسوع بكل بساطة:

5. آمن بالرّب يسوع وسجد له: (آية 38). نجد هنا قمّة وروعة ما اختبره هذا الإنسان في حياته، فهو أولًا اختبر الشّفاء الجسدي، ثم حصل على الشّفاء الرّوحي. لقد حصل على الخلاص والحياة الأبدية. لقد آمن بشخص الرّب يسوع، ابن الله الحي، وسجد له عابدًا ومعلنًا أنّ يسوع ربّه وسيّد حياته.

* الشخصيّة الثّانية في القصّة ليس إنسانًا معينًا، بل جماعة رجال دين من اليهود هم الفريسيّين:

كان الفرّيسيّون أهم رجال الدّين اليهود في أيام الرّب يسوع، وكانوا في حالة عداء دائم للمسيح له المجد، وكانوا يبحثون عن سبب دينيّ للقبض على الرّب يسوع والقضاء عليه. وهنا في قصّة شفاء المولود أعمى، قام الرّب يسوع بعملٍ أثار أحقادهم أكثر وأكثر، فقد شفى أعمى يوم سبت، مع أنّهم سبق وأن احتجّوا عليه لأنّه شفى يوم السّبت، ومع ذلك لم يذعن الرّب يسوع لاحتجاجهم، وها هو يشفي من جديد يوم السّبت.

لقد عاش الفرّيسيّون حياة مقيّدة بالقوانين والشّرائع أو ما يسمّى "بتقليد الشّيوخ". وهذه القوانين الدّينيّة أعمتهم عن رؤية الحق. كذلك ولّدت القوانين والشّرائع في قلوبهم قسوةً وانعدام الإحساس بآلام أو بأفراح الآخري.، فما كان يهمّهم هو التّديّن وتطبيق القوانين، بغضّ النّظر عن حالة النّاس الجسديّة أو الأخلاقيّة أو الرّوحيّة.

ما عمله هؤلاء الرّجال كان مذهلًا. نقرأ في الآية 13 كيف أنّهم جاؤوا بالرّجل الّذي كان أعمى وأخضعوه للتّحقيق والاستجواب. وبعدما أجاب على سؤالهم بكل صدق وأمانة، أخذوا بكيل الاتّهامات على شخص الرّب يسوع بحجة أنّه لا يحفظ السّبت (آية 16). ثم سألوا الأعمى عن رأيه بالشّخص الّذي شفاه، وهذا شيء لم يكن متوقّعًا منهم، ولكنّ الانشقاق الّذي حصل في صفوفهم هو الّذي دفعهم لسؤال إنسان بسيط عن رأيه بمن شفاه، وعندما أجابهم أنّه نبي، شكّك الفرّيسيّون بحقيقة أنّه كان أعمى، وسألوا أبويه عنه. ثم عادوا وسألوه، وبعد أن أجابهم بقوّة، شتموه واتّهموه بالخطيّة وطردوه من المجمع.

لم يستطع رجال الدّين اليهود أن يجيبوا على الأسئلة اللاهوتية والرّوحيّة الّتي طرحها الّذي أبصر عليهم. لقد تحدّى عقائدهم الدّينيّة، فما كان منهم إلا أن أشاروا إلى ماضيه ثم طردوه. فهذه هي ردود فعل رجال الدّين أمام أيّ إنسان يختبر نعمة الله. فالّذي يحصل على الخلاص ويختبر شفاء الله، يقدّم إجابات قويّة ويطرح أسئلة قويّة، ولأنّ كلامه يكشف أباطيل رجال الدّين، فإنّهم يواجهونه باللعن والاتّهامات والطرد.

لم يقدر الفرّيسيّون إلّا أن يروا الأمور بشكل سلبي: لقد رأوا في شخص الرّب يسوع إنسانًا لا يقدّس يوم السّبت، أو كاسرًا للسّبت. ولكن لم يروا فيه الطّبيب الشّافي والمعلّم العظيم والإنسان المحب والرّحيم. وعندما تحدّاهم الأعمى بهذه الحقائق ردّوا عليه بالإهانة.

وحالة النّاس لم تتغيّر اليوم: فمن يرفض التّوبة، ومن يرفض شخص الرّب يسوع، يلجأ لنفس الأسلوب لرفض الحقائق السّاطعة.

* الشخصيّة الثّالثة في القصّة هي شخص الرّب يسوع المسيح:

نتعلّم من قصة شفاء الأعمى ثلاث حقائق مجيدة عن شخص ربنا يسوع المسيح: 

1) قبل أن يقوم بشفاء الأعمى، قال الرّب يسوع عن نفسه بكل قوّة وسلطان أنّه "نور العالم". (الآية رقم 5). ربّنا يسوع المسيح هو نور العالم، وقد جاء إلى العالم ليعطينا النّور. والعالم اليوم مليء بالظّلمة، كما كانت الحالة في أيّامه. فمعظم ما حولنا مظلم وبشع. دين وتديّن وأديان. خطيّة وفساد ونجاسة. كذب ودعارة ومحبّة للمال. كراهية وسير في طريق الشّر.
أمّا ربّنا يسوع فقد جاء ليعطينا نور حقّ الله، ليعطينا المحبّة والخلاص والتّبرير والقداسة.

أنا شخصيًّا لا أستطيع أن أتصوّر حياتي بدون الرّب يسوع، كذلك لا أستطيع أن أتخيّل كيف ستكون حالة البشريّة بدون الرّب يسوع: فالرّب يسوع جاء ليخلّص الخطاة وليجعل منهم خليقة جديدة، أي بشر بطبيعة مختلفة عن بقيّة النّاس الخطاة.

2) الشّيء الثّاني الّذي نجده في القصّة عن شخص الرّب يسوع هو أنّه شفى الأعمى. لم يكن الرّب يسوع مجبرًا أن يفعل ذلك، وهو اليوم غير مجبرٍ أن يشفي أي مرض بين النّاس، سواء كان مرضًا نفسيًّا أو جسديًّا أو عقليًّا. وحتّى مرضًا روحيًا، ومع ذلك فإنّ محبّته الفائقة والأبديّة دفعته وما تزال تدفعه الآن إلى إظهار الرّحمة بنا والشّفقة علينا. أجل إن أعمال الرّب هي أعمال محبّة: وما يظهره لنا الرّب من نعمة ورحمة يهدف أولًا وأخيرًا إلى إعلان مجد الله.

3) الشّيء الثّالث الّذي علينا أن نراه في القصّة عن شخص الرّب يسوع هو ما قاله ربّ المجد في الآية 39 "لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ". علينا ألا ننسى أو نتجاهل هذه حقيقة: فالذي يحدث عندما نبشّر النّاس أنّنا نتحدّث كثيرًا عن محبّة الله وخلاصه، ولكن هذا لا يكفي. علينا أيضًا أن نخبر النّاس أيضًا بأنّ الإنسان الّذي لا يتوب عن خطاياه، ولا يحصل على الخلاص، فإنّه سيكون عرضة لدينونة الله. فكل من لا يؤمن بالرّب يسوع سيتعرض للدينونة والعذاب الأبدي. علينا أن نكون أمناء وصادقين مع النّاس.

إن الإنسان الّذي يعاني من العمى الرّوحي بحاجة لنور الإيمان. والّذي يعتقد أنّه مبصر ويرفض الرّب يسوع نور العالم سيبقى في خطاياه عائشًا في العمى الرّوحي. لقد أصبح الأعمى جسديًّا مبصرًا جسديًّا وروحيًّا. وأصبح المبصرين جسديًّا عميان روحيًّا، ورفضوا الشّخص الوحيد الّذي يستطيع شفائهم وإعطائهم البصر والبصيرة.  

علينا ككنيسة مسيحيّة تؤمن بشخص الرّب يسوع وبإنجيله المقدّس أن نتذكّر دائمًا بأنّ الرّب يسوع هو نور العالم، وبأنه أيضًا أعطانا هذا الامتياز عندما خاطبنا في متى 14:5 "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ"، فهل ننير الطريق للعالم؟ وهل نعمل على إخراجهم من ظلمة الخطية إلى نور الإيمان؟ كذلك علينا أن نتذكّر أنّه يجب أن يعرف الناس أنّ دينونة الله قادمة، وأنّ الشّر والخطيّة المنتشرة اليوم ستؤدي إلى وقوع غضب الله العادل على جميع فجور النّاس، فلا مهرب ولا مناص من دينونة الله العادلة وشموليتها لكلّ إنسان لا يتوب.

أجل: علينا أن نخبر النّاس أنّ الفرصة ما تزال أمامهم لترك طرقهم الرديّة، وأن الرّب مستعد الآن لخلاصهم. ولكن إن رفضوا فعليهم أن يعرفوا أن الرّب سيدينهم إلى الأبد. توجد في الّلغة الإنجليزية ترنيمة معروفة جدًا باسم Amazing Grace، وكاتب الترنيمة كان شخصيًّا يعمل في تجارة العبيد اسمه John Newton وهذا الشّخص تاب عن الخطيّة وأبصر النّور، لذلك كتب في الترنيمة قائلًا: ”Once I was blind, but now I see”، أي: "أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ"، وهو بذلك اقتبس كلمات المُبْصِر في يوحنا 25:9.

شيء أخير علينا أن نتذكّره وهو أن الفرّيسيّين كانوا يمتلكون فرصة ذهبيّة للتّوبة: فقد كان الكتاب المقدّس بين أيديهم، كما ووقف الرّب يسوع أمامهم وخاطبهم مباشرة، ومع ذلك رفضوا شخصه القدّوس. وفي بلادنا، يتوفّر لمعظم النّاس إمكانية قراءة الكتاب المقدّس، ومعرفة الحق، ورؤية الرّب يسوع المسيح من خلال كنيسته الحيّة، ولكنّهم مثل الفرّيسيّين لا يريدون التّوبة عن خطاياهم أو الخروج عن تقاليدهم.

أما نحن، فقد عرفنا وصدّقنا وقبلنا، وعلينا واجب عظيم: أن نصلي من أجل لنّاس وندعوهم ليؤمنوا بنور العالم، ربنا يسوع المسيح له كل المجد. آمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا