وقفة بين الكتاب المقدَّس وبين غيره – ج18 الخلاص والفرقان- 2 من 2

تكبير الخط نص تكبير الخط

الأنفال:41

واعلموا أنّما غنمتم مِن شيء فأن لله خُمسه وللرسول ولذي القربى... إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان...- الأنفال:41
نقرأ في تفسير الطبري، بتصرّف:
[يوم الفرقان: يوم بدر، فرّق "الله" فيه بين الحقّ والباطل. وهو أوّل مشهد شهده "رسول الله" فهزم "الله" المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك. قال الحسن بن علي: كانت ليلة " الفرقان يوم التقى الجمعان" لسبع عشرة من رمضان. إسناد جيّد قوي...] انتهى.

وتعليقي: 1 أؤكّد على ما ذهبت إليه في القسم الأول من هذه المقالة؛ أنّ يوم الفرقان المذكور في سياق الأنفال:41 يدلّ على محاولة إلقاء ظلال يوم الفرقان التوراتي على يوم بدر، حسبما ذهب إليه مفسِّرو القرآن، لأنّ محمَّدًا لم يذكر صراحة ما أنزل ربّه يوم الفرقان، ولم يذكر اسم العبد، ولم يحدّد معنى الفرقان ولا يوم الفرقان ولا تاريخه، ولم يذكر هويّة أيّ من الجَمْعَين، ولم يذكر يوم بدر. لذا ففي سياق الأنفال:41 أربعة تساؤلات في ضوء الكتاب المقدَّس وردًّا على تفسير الطبري؛
الأوّل: لماذا لم تكن التوراة هي المقصودة في قول محمد بلسان ربّه: ما أنزلنا على عبدنا؟ هذا على افتراض أنّ التوراة "منزلة" لكنّ الوحي الإلهي بلسان بولس الرسول واضح في قوله: {فالكِتابُ كُلُّهُ مِنْ وَحيِ الله}+ 2تيموثاوس 3: 16 لم يقل إنّ الكتاب "منزل من الله" عِلمًا أنّ موسى كتب التوراة بإرشاد الروح القدس، وقد شهد السيد المسيح لكتابة موسى بالقول: {لأنّه هو كتب عنّي}+ يوحنّا 5: 48 فلم تنزل التوراة على موسى نزول المَنّ من السماء. وبالمناسبة أيضا؛ ليس الإنجيل بكتاب منزل، إنّما دوّنه ثمانية من رسل المسيح بإرشاد الروح القدس.
والثاني: هويّة العبد؛ لماذا لم يكن موسى النبي هو المقصود بقوله: عبدنا؟ 
والثالث: يوم الفرقان؛ لماذا لم يكن المقصود به اليوم الذي نجّى الله فيه بني إسرائيل من جيش فرعون؟
والرابع: يوم التقى الجمعان؛ لماذا لم يكن المقصود بالجمعين بني إسرائيل- جمع عباد الله- وجمع فرعون الوثني؟
إنّ هذا التحليل لم يأتِ من فراغ، إنّما من التوراة وتحديدًا سِفر الخروج، أي خروج بني إسرائيل من مصر إلى أرض الميعاد؛ ناجين من جيش فرعون، بعون من الله، ومخلَّصين من عبوديّة فرعون: {وخلَّصَ الرّبُّ في ذلِكَ اليوم بَني إِسرائيلَ مِنْ أيدي المِصْريِّين، ورأى بَنو إِسرائيلَ المِصريِّينَ أمواتًا على شاطئ البحر. وشاهدَ بَنو إِسرائيلَ الفِعلَ العظيمَ الذي فعَلَهُ الرّبُّ بالمِصريِّينَ، فخافوا الرّبَ وآمنوا بهِ وبموسى عبدِه}+ الخروج 14: 30-31

وهذا الخلاص رمز إلى الخلاص المجّاني الذي قدّمه السيد المسيح للعالم بسفك دمه الثمين على الصَّليب كفّارة عن خطايا البشريّة، ممّا يأتي بعد قليل، إذْ {هكَذا أَحَبَّ اللهُ العَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحِيد، لِكَيْ لا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ به، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيّة}+ يوحنّا 3: 16

فأغلب الظّنّ أنّ محمّدًا ذهب بخياله إلى إعطاء المسلمين دور الضحية يوم بدر، وهم الغزاة وقريش الضحية، بينما كان بنو إسرائيل في الحقيقة ضحيّة ظلم فرعون وجيشه، كما تقدَّم في تعليقي على تفسير الأنبياء:48
والآن إذا أراد أصحاب الضمير الحيّ استعارة يوم الفرقان ليوم بدر، للتفريق بين أصحاب الحقّ وبين أهل الباطل، فلا شكّ لديّ في أنهم يعطون الحقّ كاملا لقافلة قريش المغدورة.

2 ما أدراك ما يوم بدر الذي يحتفي به المسلمون ويفتخرون، جهلًا وبدون تقصّي الحقيقة! فالغريب في التفسير الإسلامي أنّ التفريق ما بين الحقّ وبين الباطل حصل بواسطة غزوة، لم يحصل بواسطة موعظة حسنة! انظر-ي موعظة السيد المسيح على الجبل في الإنجيل وابحث-ي عن معنى الغزو في القواميس العربية؛ فليس عقلانيًّا اعتبار انتصار جيش على آخر تفريقًا ما بين الحقّ والباطل، وإلّا لأصبح جميع الغزاة على حقّ إذا نجحت غزواتهم، كما حصل في غزوة بدر؛ إذْ سطا المسلمون على قافلة قريش العائدة من الشام محمَّلة بالبضائع ومرهقة، بدون إنذار مسبَّق وبدون استعداد أهل القافلة للمواجهة. فأقول: بئست عمليّات السطو والغدر والاغتيال وبئس الانتصار المتحقق مِن نصب كمين ومن نزال غير عادل، فلم تكن تلك العمليّات من أخلاق العرب إلّا الصعاليك! وهي عمليّات وصفها الكتاب المقدَّس بالشرّيرة لأنّ إبليس- رئيس هذا العالم- هو الذي يقودها، حاشا الله أن يأمر بها! إنّما وصايا الله: {لا تقتُلْ، لا تزنِ، لا تسرِقْ،...} كما تقدَّم في التعليق على تفسير الفرقان:1 في القسم الأوّل من هذه المقالة. لُطفا؛ شاهد-ي ما تفضّل به الأخ رشيد في حوالي سبع دقائق على يوتيوب: هل حروب الإسلام دفاعية؟ معركة بدر كنموذج 
https://www.youtube.com/watch?v=S-WkVbNOPL4

ما دفع الشاعر أُميّة بن الصَّلت إلى رثاء ابنَي خاله- عُتْبَة وشَيْبَة- وإلى هجاء المسلمين في الوقت نفسه، بقصيدة إليك منها البداية، وهي على وزن مجزوء الكامل:

ألّا بَكيْتَ على الكِرامِ بَنِي الكرامِ أُولي المَمَادِحْ
كبُكا الحَمَام على فروع الأيكِ في الغُصُن الجَوانِحْ
ماذا ببَدرٍ والعَقنقلِ مِن مَرازبةٍ جَحَاجحْ
أنْ قد تغيّرَ بَطنُ مَكّة فهْيَ مُوحِشة الأباطِحْ
.......

تجد القصيدة كاملة تقريبًا على غوغل وأجزاء منها على الرابط التالي، إذْ قمت بمعارضتها (أي مقابلتها) بقصيدة مماثلة تحت عنوان:
سَبَّحتُ في بلدي الإلهَ الحَيَّ أهزَجُ بالمَدائحْ

ـــ ـــ

آل عمران:3 و4

نَزَّل عليك الكتاب بالحقّ مصدِّقًا لِما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل مِن قبلُ هدًى للناس وأنزل الفرقان...- آل عمران:3 و4
وقد ورد التالي في تفسير الطبري، باختصار شديد؛
[وأنزل الفرقان: وأنزل الفصْل بين الحق والباطل فيما اختلفت فيه الأحزابُ وأهلُ المِلَل في أمر عيسى وغيره...] انتهى.

وتعليقي: بعد ذِكر الكتاب- القرآن- والتوراة والإنجيل، لم أجد بين مفسِّري القرآن مَن عرف معنى الفرقان ههنا، فلا شكّ لديّ بأنّ معناه: الخلاص أو النجاة أو الفَرَج والمخرج، فالمعنى الصحيح في حلقة برنامج صندوق الإسلام الـ27 على يوتيوب [كلام جديد عن كتاب لوكسنبرج عن القراءة الآرامية للقرآن] المذكور رابطها في القسم الأوّل من المقالة.

ـــ ـــ

ترنيمة موسى ابتهاجًا بالخلاص– سفر الخروج\ الأصحاح الـ15

إليك عددًا من آيات ترنيمة موسى وبني إسرائيل ابتهاجًا بخلاصهم من جيش فرعون:
{1حِينَئِذٍ رَنَّمَ مُوسَى وبَنُو إسرَائِيلَ هذِهِ التَّسبِيحَةَ لِلرَّبّ وقالُوا: أُرَنِّمُ لِلرَّبّ فإنَّهُ قَد تَعَظَّمَ. الفَرَسَ وَرَاكِبَهُ طَرَحَهُمَا في البَحر. 2الرَّبُّ قُوَّتي ونَشِيدِي، وقد صَارَ خَلاَصِي. هذا إلهِي فأُمَجّدُهُ، إِلهُ أبي فأُرَفِّعُه. 3الرّبّ رجل الحرب. الرّبّ اسمه. 4مركبات فرعون وجيشه ألقاهما في البحر، فغرق أفضل جنوده المركبية في بحر سُوف، 5تُغَطِّيهِمُ اللُّجَج. قد هَبَطُوا في الأعمَاق كَحَجَر...}+ الخروج 15: 1-5 عِلمًا أنّ بحر سُوف: البحر الأحمر، سمّاه اليونانيون بـ "الأحمر" نظرًا إلى المرجان الأحمر النّامي فيه.

وفي التفسير المسيحي، بتصرّف:-
[لم نسمع مِن الشعب قبل العبور سوى الصراخ والأنين والشكوى. لكنهم سبَّحوا الله فورًا عقب خروجهم للحرية، سبّحوا في فرح لخلاصهم من العبودية. والنفس التي ما زالت مستعبدة للخطيّة قطعًا لا تستطيع التسبيح، أمّا مَن تحرّر من الخطية فلا يستطيع أن يكفّ عن التسبيح، لذلك قيل: {على أنهار بابل هناك بكينا (خلال السبي) على الصفصاف علَّقنا أعوادنا... كيف نرنّم ترنيمة الرب في أرض غريبة}+ المزمور الـ137: 1-4

وهذه أولى الترانيم في الكتاب المقدس! وقد كتبها موسى بالتأكيد، فهي تشبه أشعار المصريّين، فإنّ الله يستثمر إمكانيات أولاده ومواهبهم، وهنا استثمر ثقافة موسى. وترمز هذه التسبحة إلى تسبحة المفدِيّين في السماء، إذ خلَّصهم الله وعبر بهم من العالم إلى السماء (رؤيا يوحنّا 3:15) لهذا وضعتها الكنيسة في التسبحة اليومية، لتؤكد لأولادها ضرورة تسبيح لله وتقديم الشكر المستمر من أجل عمله الخلاصي معنا، وكنيستنا تهتمّ بالتراتيل والتسابيح والمزامير والألحان وتعلّمنا ذلك لكي نشكر الله على أعماله العظيمة معنا. فعلينا أن نسبّح الله إذا حصلنا على أيّ نعمة، ونسبّحه فورًا، كما فعل الشعب إذْ سبّحوا الله حالما خرجوا، لنسبّحه قبل أن نفتر وننسى: 
أرنّم للرب= فالرب هو موضوع تسبيح موسى، مصدر قوّته (الآية الثانية) ومَن شَعَر أن الرب قوّته فلا بُدّ من أن يكون الرب تسبحته ونشيده، مَن شَعَرَ أن الرب خلاصه فلا بُدّ من أن يعظِّم اسمه= فإنه قد تعظَّم. وموسى شعر أن الرب خلاصه ونجاته لذلك عبده وسبّحه إذ هو إلهه وإله آبائه (الآية الثانية أيضا) وعظمتُه ظهرت في أعماله. فمَنِ الذي يرنّم؟ هو الشعب المفدي الذي اعتمد في البحر. والآن مَن الذي يُسبّح؟ الشعب المفدي بدم المسيح، والمُعمَّد والتائب (فالتوبة معمودية ثانية) ونحن بالمعمودية إذْ نُدفَن مع مسيحنا المصلوب ونقوم معه في جدّة الحياة ينفتح لساننا الداخلي لنسبّح الرب ونشكره.
الفرس وراكبه طرحهما في البحر= ونحن نسبّح المسيح الذي تمجَّد بالصليب حيث داس إبليسَ وقوّاتِه كلّها ليعتق الذين أسرهم. وكان هذا الجزء من الترنيمة هو القرار الذي ردَّدَه الشعب مع مريم النبيّة في الآية الـ21 من الأصحاح نفسه...]- بقلم القسّ أنطونيوس فكري.

وممّا في التفسير المسيحي أيضا- بتصرّف:
[لقد عبَّر الشارح الإنكليزي متّى هنري، منذ حوالي ثلاثة قرون، عن فهمه هذا النشيد وتقديره، فقال: لعلّنا نلاحظ أنّ هذه الترنيمة: 1قديمة؛ فهي أقدم ترنيمة عرفناها.
2تركيبها عجيب مدهش، فأسلوبها سامٍ وعظيم، والصورة حيّة مناسِبة، كلّها مؤثّرة للغاية.
3مقدَّسة مخصّصة لإكرام الله وتمجيد اسمه، مَعنيّة بتسبيحه وحده، فلا نجد أثرًا لتعظيم إنسان، أيًّا كان، كما أنّ القداسة للرّبّ محفورة فيها، وللرّبّ وحده لَحَّنوها ورنّموها.
4أغنية رمزية؛ فانتصارات كنيسة الإنجيل وسقوط أعدائها معبَّر عنهما في ترنيمة موسى، وهذه على شاطئ البحر الأحمر توضع جنبًا إلى جنب مع ترنيمة الحَمَل {الخَرُوف} التي ستُرَنَّم على {بحر من زجاج}+ رؤيا يوحنّا 15: 2 و3]- بقلم وليم ماكدونالد.

عِلمًا أنّ حادثة مرور بني إسرائيل في البحر وغرق فرعون وجيشه كما كتب موسى في التوراة (الخروج\ 14 و15) ذُكِرتْ أيضًا في أسفار أخرى في الكتاب المقدَّس؛ منها ممّا في العهد القديم: يشوع 2: 10 ونحميا 9: 9-11 والمزمور 66: 6 وإشعياء 10: 26 ومنها ممّا في العهد الجديد: أعمال الرسل 7: 34-36 بلسان استِفانُوس الشهيد ورسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس 10: 1-2 ورسالته إلى العِبرانيّين 11: 29 

كذا فعلت مريم النَّبيَّة بنت عمرام- أخت موسى النبي وهارون الكاهن؛
{فأخذت مريم النبية أخت هارون الدّفّ بيدها، وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص. وأجابتْهُم مريم: رنِّموا للرّبّ فإنّه قد تعظّم. الفرس وراكبه طرَحَهُما في البحر...}+ الخروج 15: 20-21
وإجابة مريم النَّبيَّة هي القرار الذي أشار إليه القسّ أنطونيوس فكري في تفسيره والمذكورة في بداية الأصحاح الـ15 نفسه.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
لا شكّ في أن القواميس العربية الإسلامية استدلّت بالقرآن لتفسير معنى الفرقان؛ فقد ورد التالي في "لسان العرب" لابن منظور... الواضح لي أنّ ابن منظور لم يأخذ معنى "الفرقان" مِن أحد قواميس اللغة السريانية
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader