مرقس 1:11-10 "وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: ﭐذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشاً مَرْبُوطاً لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النّاس. فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ. وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَفْعَلاَنِ هَذَا؟ فَقُولاَ: الرَّب مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا. فَمَضَيَا وَوَجَدَا الْجَحْشَ مَرْبُوطاً عِنْدَ الْبَابِ خَارِجاً عَلَى الطَّرِيقِ فَحَلاَّهُ. فَقَالَ لَهُمَا قَوْمٌ مِنَ الْقِيَامِ هُنَاكَ: مَاذَا تَفْعَلاَنِ تَحُلاَّنِ الْجَحْشَ؟ فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوعُ. فَتَرَكُوهُمَا. فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلَى يَسُوعَ وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَاناً مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. وَﭐلَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالّذينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّب! مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّب! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!". 

دخول يسوع الى اورشليم

يوحنا 12: 12-15 "وَفِي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ، فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ وَكَانُوا يَصْرُخُونَ: أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرّب مَلِكُ إِسْرَائِيلَ! وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشاً فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صَهْيَوْنَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي جَالِساً عَلَى جَحْشِ أَتَانٍ".

هل سبق لك وأن شاهدت موكباً عظيماً ومهمّاً، حيث احتشدت الجموع لتحيّة ومشاهدة إنسان عظيم ومهم مثل ملك أو رئيس دولة أو بابا الفاتيكان أو شخصيّة سينمائيّة أو اجتماعيّة مهمّة؟ جميع المواكب التّي تحدث في العالم اليوم، أو التّي حدثت في الماضي، لم ولن تشابه في جلالها وهيبتها وأهميتها ما حدث في أوروشليم قبل أكثر من ألفي عام.

كلنا نعرف قصة دخول الرّب يسوع المظفرة إلى أوروشليم، ومعظمنا حملنا "الشعانين" أو أغصان النخيل ونحن أطفالٌ. أي أن القصة مألوفة ومعروفة جدّاً. والمألوف قد يجعلنا غير مدركين أو متيقظين بما فيه الكفاية لجمال وروعة وعظمة وجلال الحدث الذي نحن بصدده. لذلك علينا الحذر من أن تصبح احتفالاتنا روتينية، وذلك حتى لا نفقد الدهشة والروعة في قصة دخول الرّب يسوع إلى أوروشليم. وبالتّالي نتجاوب مع الحدث ببرود، وهذا بالضّبط ما يريده الشّيطان: البلادة في الحسّ الرّوحي. ولكن عندما نأتي إلى الإنجيل المقدّس، دعونا نصلّي إلى الرَّب أن يلهب قلوبنا ويفتح أذهاننا لنرى مجد الله في كل كلمةٍ ومثلٍ وقصّةٍ وحدثٍ في الكتاب المقدّس. دعونا نقرأ الإنجيل كل مرة بعيون جديدة.

نطلق على حادثة دخول الرّب يسوع إلى أوروشليم بالدخول المظفر، أو دخول الملك المنتصر: فمع أن الرّب يسوع لم يكن قد انتصر في معركة عسكرية. ولم تكن معه جيوش جرّارة. ولم يكن راكباً على مركبة تجرها خيول مزخرفة بالذهب والغار. إلّا أن النّاس هتفوا يومها له بصراخٍ لا يعلو إلا للملوك والعظماء، مع أنه جاء وديعاً ومتواضعاً وراكباً على أتان. جاء لكي يموت على الصّليب من أجلنا. جاء إلى أوروشليم لأنها مدينة الملك العظيم.

زمن الموكب: تم دخول الرَّب يسوع إلى أوروشليم في بداية أسبوع الإحتفال بعيد الفصح عند اليهود. وبحسب شريعة العهد القديم، كان على اليهود المشتّتين في عدد من دول العالم أن يحضروا في موسم العيد إلى أوروشليم لتقديم ذبائح الفصح في الهيكل. وهكذا كان عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، يحتشدون في أوروشليم في فترة عيد الفصح. يعني هذا الكلام بكل بساطة أن عدداً ضخماً من النّاس قد شاهد دخول موكب الرَّب يسوع إلى أوروشليم، وقد كان موكباً يضاهي مواكب القادة والملوك العظام، مع أن دخوله كان بطريقة متواضعة ومسالمة. فلم يكن على رأسه إكليل انتصار، ولم يكن راكباً حصاناً قوياً، بل على جحش إبن أتان.

تم الحدث بترتيب الرّب يسوع شخصياً: نقرأ في مرقس 1:11 أن الرّب يسوع أرسل تلميذين لإحضار الجحش، أي أن الرّب رتب بنفسه طريقة دخول موكبه إلى مدينة أوروشليم. كان الرّب يعلم تماماً ما الذي ينتظره في أوروشليم من خيانةٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ ومحكمةٍ وجلْدٍ وصلْبٍ وموتٍ، ومع ذلك جاء إلى أوروشليم علناً لكي تتم كل نبوءات الله فيه.

دخل الرّب يسوع أوروشليم متواضعاً وراكباً على أتان. أي دخل بعمل رمزي يشير إلى أنّه:

1. رئيس السّلام: دخل الرّب يسوع أوروشليم بسلام، ولذلك لم تعترض على دخوله السلطات الرومانيّة التي كانت تحتل أوروشليم في أيام المسيح. فمن يركب حماراً ولا يحمل سلاحاً لا يهدد أمن الدولة، ولا يثير مشاكل لأحد، إلا لمن أراد أن يثار من محبة النّاس وهتافهم لرب المجد يسوع، وهم رجال الدّين بالتّحديد.

2. القاضي أو الديان: نقرأ في سفر القضاة 9:5-10 "قَلْبِي نَحْوَ قُضَاةِ إِسْرَائِيلَ الْمُتَطَّوِعِينَ فِي الشَّعْبِ. بَارِكُوا الرّب. أَيُّهَا الرَّاكِبُونَ الأُتُنَ الصُّحْرَ، الْجَالِسُونَ عَلَى طَنَافِسَ، وَالسَّالِكُونَ فِي الطَّرِيقِ، سَبِّحُوا". نستنتج من هذه القراءة بأن قضاة إسرائيل القدماء كانوا يركبون الأتان، أي الحمار، ولا يركبون الخيل، ويجولون أرض فلسطين على الأتان يعظون عن بر الله، ويدعون الشعب إلى التّوبة إلى الله، ويعلنون أن دينونة الله وقضائه العادل سيحل على من يرتد عن عبادة الله الحي، وعلى من يستمر في حياة الخطيّة والشّر والوثنية.

لا بد وأن شعب أورشليم في أيام الرّب يسوع المسيح، قد ربط في عقله بين قضاة اسرائيل القدماء، وهذا الآتي راكباً على جحش أتان، فصرخوا هاتفين: "أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرّب مَلِكُ إِسْرَائِيلَ". كذلك لا بد وأن الكتبة والفريسيين بشكل خاص قد تذكروا قول نبي الله زكريا 9:9 "اِبْتَهِجِي جِدّاً يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ".

شخصيات الموكب: يتشكَّل حشد الجماهير التي تاتي لمشاهدة موكب معين بحسب الشّخصيّة أو الشخصيات الموجودة في الموكب. فكلما كانت الشخصيّة مهمة ومرموقة، كلما ازداد عدد النّاس المحتشدة لمشاهدة الموكب. وفي الماضي البعيد، كانت المواكب تتم عادة لتكريم الملوك والأباطرة والقياصرة والقادة العسكريّين المنتصرين في الحروب. ومواكب اليوم تتم لرؤساء الدول والملوك ولرجال الدّين ورجال المال والسينما والأغنياء والمشاهير. وفي يوم دخول الرّب يسوع إلى أوروشليم، كانت شخصيات الموكب تتكوّن من:

1. الرَّب يسوع المسيح: لم يكن موكب أوروشليم لقائد عسكري منتصر في حرب أو معركة، ولم يكن لإمبراطور أو ملك أرضي عظيم. ولم يكن لرجل دين مهم. كان الموكب لشخص فريد وعجيب. كان الموكب لملك الملوك ورب الأرباب. كان الموكب للشّخص الّذي خلق الكل. الّذي به كان كل شيء، والّذي أبدع كل شيء. لقد احتفل النّاس بخالقهم وربهم ومخلّصهم الوحيد دون أن يدركوا حقيقته. احتفل النّاس، كما ظنّوا في أنفسهم، بمسيح قد يخلّصهم من ظلم روما، مع أنّه جاء لكي يخلّصهم أولاً من أقوى وأعتى عدو للبشريّة ألا وهو إبليس عدو النفوس.

عندما فرش النّاس ثيابهم في الطريق، كما نقرأ في مرقس 8:11: "وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ"، فإنّهم بذلك اعترفوا بأنّ يسوع ملكٌ عليهم، كما حدث عندما مُسِحَ ياهو ملكاً على الشّعب القديم. (راجع ملوك الثاني 13:9). عمل الرَّب مع جموع التّلاميذ في أن يكون دخوله لأوروشليم تماماً بحسب مشيئة الله: دخولٌ مسالمٌ لملك الملوك الّذي جاء مخلّصاً للعالم، ومتمّماً لنبوّات الله، ومعطياً حياةً أبديّة لكل من يؤمن به مسيحاً مخلّصاً ورباً لحياته.

2. الجموع المحتشدة: تكونت الجموع المحتشدة من مجموعتين شكلتا جمهوراً كبيراً. 

1. الجمع الكثير من اليهود الذين جاؤوا للاحتفال بعيد الفصح في أوروشليم، كما نقرأ في يوحنا 12:12.
2. الجمع الذي دخل مع يسوع، وهذا يشمل تلاميذه وغيرهم ممن شهد إقامة لعازر، كما نقرأ في يوحنا 17:12.

لو تفحصَّنا الجموع جيداً، لوجدنا أنه كان هنالك خمسة أنواع من النّاس وسط هذا الحشد الكبير:
1. المؤمنون المكرسون.
2. المرتبكون والمحتارون والضائعون.
3. المزيفون والمتظاهرون بالتقوى.
4. الفضوليون الذين حركهم حب الاستطلاع.
5. المعارضون والمعاندون والمتآمرون.

أولاً: المؤمنون المكرّسون: المكرّسون هم الذين يتبعون الرّب يسوع ويخضعون لمشيئته، ويعترفون به رباً وسيداً لحياتهم، ويطيعونه إلى التمام، ويذهبون ويعملون ما يريده منهم، ويعطون من حياتهم طوعاً لمجد الرّب. وهؤلاء كانوا تلاميذه من الرسل وغيرهم. كما نقرأ في متى 6:21 "فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلاَ كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ ".

ثانياً: المرتبكون والمحتارون والضائعون: وهم الأغلبية بين الجموع، وهم مثل الغنم الّتي لا راعٍ لها. نقرأ في متى 10:21 "وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: مَنْ هَذَا؟". فقال الجموع في الآية 11 "هَذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ". المرتبكون هم عادة الذين لا يعرفون حقيقة هوية الرّب يسوع. فالجموع في أوروشليم قالت أنه نبي. وكثيرون اليوم يؤمنون أنه مجرد نبي. ويوجد كثيرون اليوم، بمن فيهم الملحدون، يقولون أن يسوع كان معلماً مثالياً صالحاً، غير مدركين حقيقة شخصه بأنه الله القدوس البار.

وحتى في كنائسنا المسيحية، وبين المحتفلين بذكرى أحد الشعانين، نجد أن كثيرين لا يعرفون حقاً من هو يسوع: فهم لا يعرفون خطة الله لحياتهم، ويعتمدون على برهم الذاتي وعلى أعمالهم للخلاص. أي أنّهم يحتفلون بذكرى دخول الرّب يسوع الى أوروشليم دون أن يعرفوه نهائياً.

كذلك فإن الضائعين والمرتبكين لا يفهمون رسالة الرّب يسوع والقصد من مجيئه، مثل سكان أورشليم في أيام الرّب يسوع الذين اعتقدوا أنه جاء ليكون ملكاً أرضياً ويخلصهم من الاحتلال الروماني. وكثيرون مثلهم اليوم يرون في شخص الرّب وكأنه مصدر رزق مادي لهم، أو قارب نجاة لحياتهم الإجتماعيّة، ولكنهم لا يرونه سبباً لوجودهم ورباً ومخلصاً لحياتهم.

ثالثاً: المزيفون والمتظاهرون بالتقوى: على مدى تاريخ الكنيسة، كان المزيفون ومدّعو التقوى حاضرين في كل مكان وكل مناسبة "دينيّة"، وهم عادة من يجيدون تمثيل الإيمان، ومن يريدون أن يراهم النّاس ويمدحونهم، ولكنهم لم يسَلّموا حياتهم لشخص الرّب يسوع المسيح. وما أسهل أن يخون مثل هؤلاء الرّب، كما فعل يهوذا الأسخريوطي.

يأتي بعض النّاس إلى الكنيسة من أجل راحة الضمير. ويأتي البعض الآخر لأنها أصبحت عادة في حياته. ويأتي فريق آخر من أجل أهداف أرضية لا تمجد الله أبداً. مثل هؤلاء عميان ولا يعرفون الرّب فعلاً، ولا يعرفون خطته لحياتهم.

وعادةً فإن مدّعي الإيمان والمزيفين ينقادون بشكل سريع للآراء السلبية والهدّامة، وهم يسيرون في الطرق السهلة التي لا يوجد فيها مقاومة. فهم يذهبون إلى الكنيسة، ويقومون بأعمال العبادة المختلفة من ترانيم وصلوات، ولكنهم في نفس الوقت يعرفون حقيقة أنفسهم بأنهم ممثّلون ومنافقون.

رابعاً: الفضوليون، أي الذين يحركهم حب الاستطلاع. نقرأ في يوحنا 17:12-18: "وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. لِهَذَا أَيْضاً لاَقَاهُ الْجَمْعُ لأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ هَذِهِ الآيَةَ". الذين دخلوا أوروشليم مع الرّب يسوع شهدوا للجموع الّتي كانت في المدينة عن إقامة الرّب يسوع للعازر من الموت. وبين هؤلاء  كان جمع من الفضولين. هؤلاء حركهم فضولهم للمجيء من أجل رؤية هذا الإنسان الذي قام بعمل مذهل، أي إقامة لعازر من الموت. مثل هؤلاء النّاس ليسوا مكرسين للرب يسوع، وليسوا أعداء له أيضاً. فهم سمعوا أشياء مثيرة وملفتة للنظر عن يسوع، وجاؤوا ليروا بأنفسهم حقيقة ما سمعوا عنه. أي أنهم كانوا يبحثون عن اختبار مذهل ومثير، ولا يبحثون عن الحق.

خامساً: المعارضون والمعاندون والمتآمرون: نقرأ في لوقا 39:19 "وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ" وفي يوحنا 42:12 نقرأ ان كثيرين من النّاس: "لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ لِئَلَّا يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ".

المعارضون للرّب يسوع هم الأشخاص الذي يريدون تحقيق مصالحهم الشخصية. هم الذين يرفضون لاهوت وسلطان وملكوت الرّب يسوع، ويريدون أن يجلبوا انتباه النّاس إلى أنفسهم بدلاً من رب المجد يسوع. هم الذين لا يريدون أن يكرسوا أنفسهم للرب يسوع، وذلك لأن التكريس يعني التغيير، ويعني أن التركيز يجب أن ينصب على الرّب يسوع وليس عليهم. المعارضون هم من يريدون أن يدمّروا رسالة الرّب يسوع، وأن يدمّروا ويقضوا على من ينادي برسالة الرّب يسوع.

لاحظ قول الإنجيل المقدّس في مرقس 9:11 "وَﭐلَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالّذينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّب!". نجد هنا أن الجموع عرفت من هو هذا الشّخص الرّاكب الجحش، لذلك أخذوا يصرخون أوصنّا، أي خلّصنا الآن. بالنّسبة للجموع، كان يوم احتفال بهيج. وعندما صرخوا أوصنّا لم يقصدوا بها خلاصاً روحيّاً من قوّة الشّر والخطيّة في حياتهم، بل أرادوا خلاصاً أرضيّاً جسديّاً من ظلم الإحتلال الروماني لفلسطين. أي أن الجموع المحتشدة لم تدرك المغزى الرّوحي والرّمزي والتّاريخي لدخول الرَّب يسوع إلى أوروشليم. بالنّسبة لهم كانت فرصة للإحتفال والصّراخ والخروج من روتين الحياة اليوميّة. أو كانت صرخة أمل أرضي، أو لربما صرخة ردُّ فعل لما سمعوه من أخبار العجائب والمعجزات، وخصوصاً إقامة لعازر من الموت.

عندما صرخت الجموع: أوصنّا، كان من السّهل لكل فرد أن يفرح ويحتفل. ولكن هذا الجمهور كان إبن الّلحظة لا أكثر ولا أقل، لأن نفس هذا الجمهور صرخ بقوة في أقل من أسبوع قائلين للوالي الرّوماني بيلاطس: إصلبه إصلبه.

لم تتغيّر حالة النّاس اليوم. فما أسهل من أن تنقلب المشاعر والعواطف بين ليلة وضحاها. اليوم نصرخ ونهتف ونشجّع شخصاً ما، وغداً ننقلب على ذات الشّخص بروح النّقد والهجوم والعداء.

ما أسهل أن نتبع جموع الهاتفين، لأنّ الفرصة وقتها تكون متاحة للهتاف مثل الآخرين. فعندما يكون هنالك احتفال كبير، أو اجتماع حاشد للعبادة والتسبيح، يستطيع كل فرد أن يشارك. ولكن عندما تأتي لحظة الإمتحان الحقيقي، لحظة الطّاعة الشخصيّة للرّب، فما أسهل أن يسقط الفرد ويفشل حتّى في إطاعة أبسط وصايا الرَّب، مثل مسامحة الآخرين أو تشجيعهم أو معاملتهم بمحبّة وتواضع.

ننخرط بين الجموع لأنّنا لا نُلاحَظ، ونكون وجهاً في الزّحام. نرنّم في الكنيسة مع الجموع، ولكنّنا نفشل في حياتنا الرّوحية الفردية. ونفشل في بيوتنا حتّى في قراءة آية واحدة من الإنجيل يومياً. فالتّكريس للرّب معدوم وغير معروفٍ إلّا في حياة التّلميذ الحقيقي والأمين لشخص الرَّب القدوس. الأمانة لا تكون وأنت بين الجموع. الأمانة الحقيقيّة للرّب تظهر عندما تكون لوحدك: في البيت أو الجامعة أو الكليّة أو الطّريق أو ورشة العمل أو المشغل أو المصنع أو مع الزوج أو الزوجة أو الصديق أو الصديقة. فما أسهل أن نسير وأن نساير الجموع، وما أصعب أن نسير مع الرَّب ونطيعه في التّفاصيل.

عندما رأى رب المجد يسوع هذه الجموع، حزن عليهم ورثاهم. نقرأ في لوقا 41:19 "وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا" الرّب يسوع ما يزال يبكي حالة مدينته، الرّب يسوع ما يزال يبكي حالتنا المخجلة التي نمر بها. جموع محتشدة، ولكن ما أقل المؤمنين المكرسين بينهم. ولكن علينا أن نعلم أنه بغض النظر عن الفئة التي ينتمي إليها كل واحد منّا: مكرس أو ضائع أو مرتبك أو مزيف أو فضولي أو معاند أو حتى معادٍ للرب، فإن الرّب يسوع يحبنا ويريد خلاصنا وما هو الأفضل لنا.

السؤال الذي يتحدانا: من أي المجموعات أنتَ وأنتِ وأنا؟

يعرف الرّب يسوع كل واحد منا حتى ولو كنا بين الجموع المحتشدة.
يعرف الرّب يسوع قصتي وقصتك، وخطاياي وخطاياك.
يرى الرّب يسوع وجهك، ويرى أيضاً قلبك.
يريد الرّب يسوع أن يكون ملكاً على حياتك اليوم، فهل تقبله رباً ومخلصاً لك.
هل تصرخ مع الجموع قائلاً: أوصنّا. أوصنّا. أوصنّا.
خلّصنا الآن أيها الرّب الحنّان.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا