حوار مثير (ج4): الإهتمام بالأماكن المقدّسة على حساب الإنسان

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

يوحنا 20:4 - 22 "آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ. 21قَالَ لَهَا يَسُوعُ: يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. 22أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ".

المسيح والسامرية

بعد أن قالت المرأة السّامرية للرّب يسوع بأنها ترى أنّه نبي، تابعت حديثها في أمور دينيّة خلافيّة بين اليهود والسّامريين. وبعملها هذا وجدت مخرجاً ذكيّاً للوضع الذي وجدت نفسها به بعد أن كشف رب المجد يسوع حقيقة وضعها الإجتماعي والرّوحي والأخلاقي. 

كلمات السّامريّة: قالت المرأة في آية رقم :20 " آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ". لجأت المرأة هنا إلى إثارة الخلاف القديم بين اليهود والسامريين، وهو الخلاف على المكان الصحيح للعبادة: هل هو في جبل جرزيم في السامرة أو في الهيكل في أوروشليم؟ وقد نشأ هذا الخلاف بعد مجيء السامريين إلى منطقة السّامرة في أواخر القرن الثامن وبداية القرن السابع قبل الميلاد. وقد لجأ السّامريون إلى استخدام ما جاء في سفر التثنية 1:27 - 68:28 تبريراً لادعائهم بقدسية جبل جرزيم، حيث نقرأ هناك أن الله أمر موسى بقوله أنه بعد دخول الشعب إلى أرض الميعاد، يذهبون إلى شكيم في منطقة السّامرة حيث جبلي جرزيم وعيبال، وهناك ينقسم الأسباط إلى قسمين، قسم يقف فوق جبل عيبال، وقسم يقف فوق جبل جرزيم، والذين يقفون على جبل عيبال يرددون اللعنات على كل من يتعدى على وصايا الله، والذين يقفون على جبل جرزيم يرددون البركات. أي أن جبل جرزيم سيكون مكان مباركة الشعب، فهو بالتالي جبل مقدس، واتخذه السامريون نتيجة لذلك مركزاً لعبادتهم. ولكن اليهود رفضوا هذا الادعاء، لأن الله أوصى بوضوح أن يبنى هيكل الله في أوروشليم، وقد تم فعلاً بناء الهيكل في أيام الملك سليمان ابن داود حوالي سنة 960 قبل الميلاد، وقبل ظهور الشعب السامري إلى الوجود بحوالي 300 سنة.

ولكن وبالرغم من وضوح الحق بأن هيكل أوروشليم هو المكان الذي اختاره الله للعبادة وتقديم الذبائح، إلا أن السامريين أصروا على أن جبل جرزيم هو المكان الصحيح، مما أدى إلى ترسيخ الخلاف والصراع العقائدي بين الطرفين.

نلاحظ في جواب المرأة للرب يسوع عدة أشياء:
1. معرفتها للخلاف الحاد بين اليهود والسامريين فيما يتعلق بمكان العبادة الصحيح: فهذا الخلاف كان معروفاً وشائعاً، ويتحدث به الناس كثيراً، فلماذا لا تتحدث به هي أيضاً كمخرج رائع من أزمتها الروحية. أي أن المرأة أرادت أن تحول الحديث عن حالتها الروحية إلى الحديث في خلاف عقائدي لعلها بذلك تربح الحوار أو تجعل محاورها مشتتاً.

واليوم، يوجد خلاف معروف بين النّاس في موضوع الشفاعة، وعادة لا يثير المؤمن بشخص الرّب يسوع هذا الموضوع لأنه لا يتعلق بالخلاص والتوبة عن الخطية وكيفية الحصول على الحياة الأبدية، ولكن ما أن يبدأ المؤمن المسيحي في الحديث مع غيره عن ضرورة التوبة والإيمان بالرب يسوع المسيح مخلصاً وحيداً لحياته، يلجأ محاوره إلى إثارة الخلافات العقائدية هرباً من حقيقة حياته الروحية المزرية.

في حوار لي مع أحد قيادي الفكر الديالكتيكي والجدلي في بيت ساحور، أي مع شخص معروف جداً بأنه إنسان سياسي وملحد، اكتشفت أن هذا الشخص يعرف عن موضوع شفاعة العذراء والقدّيسين، حيث قال لي وبالحرف الواحد: "ولكن أنتم لا تؤمنون بشفاعة العذراء"، وكأن هذا الملحد يؤمن بالله ويؤمن بأن القديّسة مريم حبلت وهي عذراء بالرّب يسوع المسيح وبمعجزة من السّماء. فرغم حقيقة إلحاد هذا الشّخص وإنكاره وجود الله، ورغم الحقيقة المعروفة بأن الملحدين لا يؤمنون لا بالله ولا بالعجائب والمعجزات، فحتى هذا الرّجل السّياسي المخضرم وجد في موضوع الشفاعة وسيلة للهرب من مواجهة حياته الروحية المزرية. 

جاء الرب يسوع ليخلص العالم من خطاياهم داعياً إياهم إلى التوبة والإيمان به للحصول على الحياة الأبدية، ولكن الشيطان استطاع بحكمته ودهائه أن يحول أنظار الناس عن شخص المخلص إلى موضوع جانبي جداً مما أدى إلى العمى الروحي والضياع في ظلمات الخطية.

2. كذلك نلاحظ في كلمات المرأة معرفتها بعبادة الآباء وسجودهم في جبل جرزيم: أي أنها افتخرت بالآباء والأجداد والماضي المجيد لتبرير فشلها الحالي. وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حقيقة النفس البشرية الفاشلة والخاطئة، وأسلوب العودة إلى الماضي للافتخار، وهي وسيلة معروفة للهروب من الحاضر المزري.

نحن نعيش في الشرق حيث تسود هذه الظاهرة بشكلٍ قوي ومذهل: فالناس في شرقنا النّاطق باللغة العربيّة تفتخر بإنجازات الآباء والأجداد. الناس في شرقنا عاجزين عن مواجهة حقيقتهم المخجلة اليوم. لذلك يجد الناس العزاء في الماضي، وهذا يعبر عن فشلهم، وعدم مقدرتهم على مواجهة الواقع، والتّخبط وعدم القدرة على التخطيط لمستقبل أفضل.

حتى الإنسان المسيحي والمؤمن الحقيقي، والّذي قد يكون قد اختبر حياة روحية متدفقة، أي الّذي كان يصلي ويختبر استجابات صلاة، وكان يبشر ويعيش حياة مسيحية حقيقية مزهرة ومثمرة بالعطاء والعمل لمجد الرب، ولكنه يمر الآن في فترة خمول وكسل روحي، وابتعاد عن الله، وانغماس في هموم الحياة. مثل هذا المؤمن الفاتر قد يجد في الماضي وسيلة لتعزيته وللهروب من واقعه الحالي المخجل، بدلاً من أن يجدد العهود مع الرب وينطلق من جديد في حياة الصلاة وقراءة الكلمة ونشر الإنجيل بين الناس.

جواب الرب يسوع: في ردّه على العبارة الدينية الخلافية التي قالتها المرأة، قال الرّب يسوع في الآية 21: "يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ". نجد في كلمات رب المجد حكمة السماء في مواجهة حكمة الأرض. فالرب يسوع لم يسمح لنفسه أن يكون جزءاً من صراع عقيم لا فائدة روحية ترجى منه. ففي حين يشدد الناس على الأماكن والجغرافيا، ويطلقون عليها أماكن مقدّسة، نرى الرب يسوع غير معني أبداً بالمكان، بل بالإنسان وعلاقة هذا الإنسان بالله الآب. أي أن الرب يسوع تحاشى الدّخول في جدال عقيم مع المرأة حول المكان. ولكن يبدو أن الصراع على الأماكن، وهو صراع قديم، ما يزال الشغل الشاغل للكثيرين، على حساب حياتهم الروحية وعلاقتهم مع الله ومع الناس. فالمكان أصبح مهماً ومقدساً وله قيمة في نظرهم أكثر من الإنسان. أصبح الحجر أهم من البشر، ولو أدى ذلك إلى انقراض البشر، فالمهم أن يبقى الحجر الميت، وما أكثر الحروب والمعارك والقتلى الذين سقطوا في الصّراع على أماكن مقدّسة، ورغم كل ذلك، يبقى الافتخار بالمكان مصدر لعز التّاريخ المزيف وللربح المادي السريع.

وللأسف الشديد، نرى كبار رجال الدين اليوم ما يزالون يشددون على المكان أكثر من الإنسان، بل أنهم مستعدين للتضحية بالإنسان من أجل الحفاظ على المكان، غير مدركين أن الرب يسوع جاء إلى العالم ليقدِّس الإنسان وليس ليقدس المكان.

صحيح أن الرب يسوع لم يقل أبداً أن المكان غير مهم، ولكن المكان في نظره وسيلة لخدمة الله والإنسان. فالله في الماضي اختار مكاناً حتى يستخدمه الإنسان لعبادة الله، أي لم يكن المكان هو المهم، بل ما سيحدث وسيجري في المكان هو المهم بالدرجة الأولى في عيني الله. فإذا كان لدينا مكان رائع، ولكن لا عبادة حقيقية فيه، فما الفائدة؟ إذا كان لدينا مكان أو بناء جميل ومزخرف بالصّور والأيقونات والتّحف، ولكن لا بشر فيه، فما الفائدة المرجوّة منه؟ ومثلنا الفلسطيني الشعبي يصدق هنا: "الجنة بلا ناس ما بتنداس". فحتى يستحق أي مكان أن يطلق عليه مكان مقدس، يجب أن يخدم هدفاً مقدساً، ولا يوجد أقدس وأعظم من إعلان مجد الله في أي مكان، ومن أجل ذلك أنهى الرب يسوع عبارته الأولى للمرأة السامرية بالإشارة إلى عمل الناس، بغض النظر عن مكان تواجدهم، وهو السجود للآب.

حتى السجود للآب، يجب أن يكون حسب الحق، لذلك تابع الرّب يسوع حديثه قائلاً للمرأة في الآية 22: "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ". وهنا أشار الرب يسوع بوضوح إلى العناصر الفاسدة والباطلة التي تسربت إلى ديانة السامريين، فمع أنهم آمنوا بأسفار موسى الخمسة، إلا أنهم تمسكوا ببقايا العبادات الوثنية التي آمن بها آباؤهم وأجدادهم، أي أن الديانة السامرية كانت خليطاً من الحق والباطل، خليطاً من الأمور الكتابية والتقاليد الوثنية.

 

  • لم يساير الرب يسوع المرأة السّامرية.
  • لم يجامل الرب يسوع المرأة السّامريّة.
  • قال لها بكل وضوح أن عبادتهم باطلة: "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ". قال الرّب يسوع للمرأة بأن السّامريين لا يعلمون هوية الذي يسجدون له، فقد كانت عبادة السامريين خليطاً من الحق والباطل، خليطاً من المعرفة الصحيحة عن الله وبقايا العبادات الوثنية، ولذلك لم يصمت الرب يسوع أمام هذا الباطل.
  • شيء محزن جداً أن كثيرين في عالمنا اليوم يسجدون لما ليسوا يعلمون.
  • فهنالك من يسجد لوثن.
  • وهنالك من يسجد لإمرأة أو قدّيس أو قدّيسة.
  • وهنالك من يسجد لروح غريب اسمه مثل اسم الله الحقيقي.
  • وهنالك من يسجد بخليط من الباطل والوثنية مع بعض الحق المسيحي.
  • وهنالك من يسجد حتى للشيطان.

اسأل نفسك الآن:
هل تعلم لمن تسجد؟
هل تثق بالذي تسجد إليه؟
والسؤال الأهم: هل أنت أصلاً تسجد لله؟

تابع الرّب يسوع كلماته للمرأة السامريّة قائلاَ لها في الآية 22ب " أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ". فعلى الأقل: عرف اليهود في أيام الرب يسوع من هو الله الحقيقي. وسجدوا لله الحقيقي. صحيح أنه دخلت عادات كثيرة وتقاليد كثيرة بين اليهود، ولكنهم حافظوا على كلمة الله في العهد القديم، ودققوا بها، ونقلوها من جيل لآخر.

* السؤال لك قارئي العزيز: قال الرب يسوع "أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ". فهل تعلم لمن تسجد؟
هل تعرف الله حقاً؟ أم انك سمعت عن الله ولكنك لا تعرفه معرفة شخصيّة وحقيقيّة؟
هل أقمت علاقة شخصية خاصة مع الله؟
هل أقمت علاقة يومية حقيقية مع الله؟
هل تسمع صوته كل يوم، وتسمعه صوتك يومياً بالصلاة؟

بعد ذلك نطق رب المجد يسوع بحقيقة لاهوتيّة وتاريخيّة ونبويّة، حيث قال في الآية 22ج: "لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ". وهذا ما حدث فعلاً. فالرب يسوع ولد في الجسد من القدّيسة مريم العذراء، وهي من نسل داود، ومن سبط يهودا. فالرب يسوع جاء من اليهود ليتمم وعود الله في العهد القديم، وقد جاء من السّماء الى عالمنا لكي يتمم الخلاص بموته على الصّليب لكي يكفّر خطايا كل من يؤمن به رباً ومخلّصاً لحياته. يجب علينا هنا أن نتمعّن جيّداً بكلمات الرّب يسوع، فقد قال له المجد: "لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ"، الخلاص من اليهود، أي أن المخلّص سيأتي من اليهود، ولكن الخلاص ليس لليهود فقط، بل لكل إنسان في الوجود. فالله يحب كل إنسان ويريد الخلاص لكل إنسان.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
وفي كثير من الأحاديث التي تجري بين الأفراد، يحدث أن نتحدث مع غيرنا من النّاس دون أن يفهم النّاس كلامنا، لأن مقاصدنا تكون غير مقاصدهم، ونوايانا غير نواياهم، وأفكارنا غير أفكارهم.
لو أخذنا السؤال الذي طرحه الرّب يسوع على المرأة السّامريّة، وطرحناه على أشخاص كثيرين، فعلينا أن لا نفاجأ إن اكتشفنا أن كثيرين من النّاس لا يعرفون عطية الله...
رغم حديث الرب يسوع عن عطية الله، وعن الماء الذي يعطيه للحياة الأبدية، أي رغم حديث الرب عن الروحانيات، بقيت المرأة محصورة في فكرها بأمور الحياة اليومية وحاجات الجسد الأرضية والملحَّة
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader