حوار مثير (ج2): وهم المجد القديم للتغطية على الواقع المزري الجديد

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

يسوع يتحدث مع السامرية

تابع الرّب يسوع كلامه مع المرأة السّامرية قائلا لها: "لو كنت تعلمين عطية الله؟". ونحن نعلم اليوم أنّ عطية الله هو شخص الرّب يسوع المسيح الذي جاء إلى العالم رباً ومخلصاً ومعلماً وشافياً وقائداً ومرشداً. فالرّب يسوع هو أعظم وأقدس عطية، ومع ذلك لم تكن المرأة السّامرية تعلم شيئاً عن عطية الله. وحتى في أيامنا هذه، يعيش مئات الملايين من النّاس في ظلمة الخطية والجهل والتّقاليد والتديّن ولا يعلمون شيئاً عن عطية الله.

لو أخذنا السؤال الذي طرحه الرّب يسوع على المرأة السّامريّة، وطرحناه على أشخاص كثيرين، فعلينا أن لا نفاجأ إن اكتشفنا أن كثيرين من النّاس لا يعرفون عطية الله، مما يعني أن على الكنيسة عمل الكثير ليعرف النّاس عطية الله.

بعد ذلك تابع الرّب يسوع كلامه قائلاً: "ومن هو الذي يقول لك اعطني لأشرب": لم يتوقع الرّب يسوع من المرأة السّامرية أن تعرف بأنّه كان المسيّا المنتظر ومخلص العالم، ولكن سؤاله لها كان بقصد إثارة فضولها وتغيير اتجاه الحوار معها إلى الأمور الروحية. ونحن نعلم أنّه في نهاية الحوار عرفت المرأة من هو الذي كان يحاورها. ولكن المشكلة هي أنّه بعد أكثر من ألفي عام على مجيء الرّب إلى عالمنا، فما يزال معظم النّاس لا يعرفون من هو يسوع؟ بل أن كثيرين ينكرون قصداً بأنّه الرّب والمخلص. فهناك من يقول بأنّه مجرد نبي مخلوق، وهناك من ينكر مساواته للآب في الجوهر، وهناك من ينكر عمله على الصليب وينادون بالخلاص بالأعمال. وهكذا ما يزال سؤال الرّب للمرأة مطروحاً علينا وعلى ملايين النّاس، ومن يعرف الجواب سيعمل كما قال الرّب يسوع للسامرية: "لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حياً".

السؤال المطروح على كل واحد منا اليوم:

  • هل تعلم عطية الله؟
  • هل تعرف من هو يسوع حقاً؟
  • هل طلبت منه ماء الحياة؟

رغم الطابع الروحي الواضح جداً لهذه الأسئلة التي طرحها الرّب يسوع على المرأة السّامرية، إلا أن فكرها كان ما يزال منصباً في الأمور المادية، أي أن كلمات الرّب يسوع لم تنجح في رفع مستوى تفكيرها من الماديات إلى الروحانيات، وهكذا أجابت المرأة على كلمات الرّب يسوع قائلة:

رابعاً: جواب المرأة الثاني: " يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟ 12أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟". رغم حديث الرّب يسوع الجلي عن عطية الله والماء الحي وحقيقة شخصه القدوس، أي رغم أنّه غيَّر اتجاه الحوار من الأرضيات إلى السماويات، إلا أن فكر المرأة بقي محصوراً في الحاجات الجسدية والأرضية، بل أنّها أطنبت في الحديث عن الأمور الأرضية.

نجد في الجواب الثّاني للمرأة ذكاءً وأدباً، مع أنّها كانت تعيش في الخطية حتى الأعماق.

أ. يا سيد: نتصور في الغالب أن الخاطئ لا يتلفظ إلا بما هو رديء، ولكن هذا يختلف عن الواقع، فحتى الخطاة مختلفين فيما بينهم، بل أن بعض الخطاة يظنون أنّهم بتأدية فرائضهم الدينية يؤدون واجباتهم نحو الله، وبالتالي لا يكون لديهم أدنى شك بأنّهم أبرار، أو على الأقل يكون فهمهم للخطية سطحياً وساذجاً لدرجة أنّهم يعتقدون بأنّهم مقبولين لدى الله. عندما نطقت المرأة بعبارة "يا سيد" فأنّها بالتأكيد أظهرت أدباً واحتراماً للشخص الذي يحدثها، فهي لا بد وأنّها أدركت، ولو بمقدار بسيط، أنّها تقف أمام شخص محترم ومعلم يهودي له مكانته المرموقة في المجتمع.

ب. لا دلو لك والبئر عميقة: هذه الملاحظة التي نطقت بها المرأة تدل على حكمة أرضية محدودة، فمع أنّها ملاحظة صحيحة، إلا أنّها قاصرة عن رؤية الأشياء بعين الإيمان، كما وأن هذا القول يبرهن على أن المرأة كانت تفكر بالأرضيات فقط.
الدلو: هو أداة الحصول على الماء، والبئر هو منبع ومكان الماء. وبالتالي فللحصول على الماء من البئر، فلا بد من الدلو. أي للحصول على خيرات العالم، لا بد من الأداة أو الوسيلة لذلك. وعادة يفكر النّاس أن وسيلة الحصول على خيرات العالم هو العمل أو الذكاء أو التعليم أو المهارة أو حتى طرق الخطية مثل السرقة أو النصب أو الكذب أو أي طريق بشري آخر.

كثيرون منا يمرون بظروف صعبة في الحياة، ولا دلو لهم للغرف من خيرات العالم، أي لا إمكانيات مادية محسوسة تساعدنا في مواجهة قسوة الحياة وفي الحصول على حاجاتنا المختلفة، وفي مثل هذه الظروف لا نجد أمامنا إلا الدلو غير الملموس، وهو أعظم وأهم وسيلة للحصول على بركات الله، أي إيماننا العامل بالصلاة والمحبّة لشخص الرّب يسوع المسيح، الذي لا يترك أولاده وبناته أبداً.

لا دلو لنا، فمصادرنا المالية أو الأرضية محدودة. فعدد كبير من المؤمنين المسيحيين في دول العالم المختلفة هم عمال بسطاء أو موظفين عاديين، ولا توجد لنا مصادر دخل كثيرة. ولكن بالرغم من ذلك، نستطيع أن نقول بثقة أن الرّب لم ولن ينسانا أبداً، فهو معنا في الضيق، ويشبعنا من خيراته بلا حدود.

والبئر عميقة: لدينا هنا إشارة إلى صعوبة الحصول على خيرات الحياة. فلا بد من العمل والمال والاجتهاد لكي نحصل على حاجاتنا الجسدية الضرورية للحياة. والواقع أن بئر الحياة يزداد عمقاً وتلوثاً مع مرور الأيام، خاصة في عالمنا المعاصر. وكم هو سهل على الكثيرين من النّاس أن يغرقوا في بئر الحياة لدرجة لا يجدون فيها ولو لحظة بسيطة حتى لأنفسهم، فكم بالحري من حولهم أو من مرتبط منهم من أسرة وأصدقاء، فالحياة تبتلعهم برجاساتها وشرورها كما بمغرياتها وملذاتها، ويصبح همهم الوحيد الحاجة الجسدية واللذة الوقتية، غير مدركين أن نهاية مثل هذه الحياة هو الموت والانفصال الأبدي عن الله في بحيرة النار والكبريت، حيث العذاب الأبدي.

فمن أين لك الماء الحي: ما أسهل أن لا يفهم النّاس ما تتحدث عنه، تماماً مثل المرأة السّامرية التي فكرت بأن الماء الحي هو مجرد ماء عادي. أي أنّها بقيت محصورة في تفكيرها بالأمور المادية والجسدية، ولم تدرك أن الحديث هنا يدور عن أهم وأعظم وأقدس شيء في الوجود البشري كله. وسؤالها لم يكن من فراغ، فمن أين لرجل يقف وحيداً أمامها في منطقة مهجورة في السّامرة أن يعطيها ماء ًحياً؟ فالعيون الأرضية لا ترى إلا ما هو أمامها، وما رأته السّامرية دفعها إلى هذا السؤال المنطقي في نظرها.

سؤال المراة السّامرية ما يزال يلاحق الكنيسة اليوم: فمن أين لنا نحن كمؤمنين بشخص الرّب يسوع أن نعطي النّاس حاجاتهم؟ علماً بأن النّاس يفكرون بأن الحاجة الأساسية هي المال والطعام والشراب والملبس والمسكن. من أين لنا؟! علينا أن نعترف بفقرنا وعوزنا المادي، فليس لدينا مصادر أرضية، بل أن المؤمنين قد يكونون من الناحية الماديّة من فقراء المجتمع أو من الطبقة الوسطى، وأحياناً نجد عدداً من الأغنياء بينهم، ومع ذلك تبقى مصادر الكنيسة المالية محصورة. وهنا لا بد لنا أن نصلي وأن نطلب حكمة الله وإرشاده لنا في كيفية الحديث عن الأمور المختلفة، وتوجيه أنظار النّاس إلى حاجاتهم الحقيقية الباقية بدلاً من حاجاتهم الأرضية الزائلة.

كثيرون منا كمؤمنين مسيحيين فقراء مادياً، ولكننا نستطيع أن نغني العالم إن أردنا وإن عملنا من أجل ذلك. إن الغنى الحقيقي هو عطية الله، أي أنّه خلاص الله، وهو الروح القدس العامل فينا، وهو الحياة الأبدية. الماء الحي بين أيدينا، فقد حصلنا عليه لحظة إيماننا بشخص الرّب يسوع المسيح، وهو نبع فياض لا ينضب. ويتوقع منا الرّب يسوع المسيح أن نشارك الآخرين من فيض هذه النعمة، وذلك بإخبارهم عن محبة الله لهم، وعن ضرورة التوبة عن الخطية، وكيف أن دم الرّب يسوع المسيح يطهرهم من كل خطاياهم.

ت. ألعلك أعظم من أبينا يعقوب: أرادت المرأة السّامرية هنا الافتخار بجنسها وقومها من السامريين. ونجد أن كلامها يدل مرّةً أخرى على عدم إدراكها لعمق الرسالة الروحية التي أراد رب المجد يسوع أن يوصلها إليها، وبقيت محصورة في تفكيرها بالأمور الأرضية والجسدية، أي بمجد العالم الزائل.

نعلم من الكتاب المقدس، وكذلك من كتب التاريخ، أن السامريين كانوا خليطاً من الشعوب الوثنية التي أحضرها ملك أشور الى منطقة السّامرة في فلسطين. نقرأ في سفر الملوك الثاني 24:17 قوله "وأتى ملك أشور بقوم من بابل وكوت وعوّا وحماة وسفردايم وأسكنهم في مدن السّامرة عوضاً عن بني إسرائيل. فامتلكوا السّامرة وسكنوا في مدنها". ثم أن ملك أشور أمر قائلاً: "ابعثوا إلى هناك واحداً من الكهنة الذين سبيتموهم من هناك فيذهب ويسكن هناك (أي في السّامرة) ويعلمهم قضاء أهل الأرض" (الآية 27) ونتيجة لذلك: "كانوا يتقون الرّب ويعبدون آلهتهم كعادة الأمم الذين سبوهم من بينهم" (ملوك الثاني 33:17) ونقرأ أيضاً في الآية 41 "فكان هؤلاء الأمم يتقون الرّب ويعبدون تماثيلهم. وأيضاً بنوهم وبنو بنيهم". نستنتج من هذه القراءات أن السامريين ليسوا أولاد يعقوب أبو الأسباط، بل خليط من النّاس الذين سكنوا أرض عشرة أسباط من بني يعقوب، في حين تم سبي هذه الأسباط وتشتيتهم. ومع مرور الزمن بدأ السامريون يدَّعون بأنّهم أبناء إبراهيم ويعقوب، وبأنّهم سكان الأرض الأصليين.

ما أسهل على النّاس الخطاة أن يدعوا باطلاً ويغالطوا الواقع، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمور الدينية، ويأخذ الادعاء عادةً صورة الافتخار بالماضي وصفحاته المشرقة دون الالتفات نهائياً إلى الواقع المزري والمخجل. ونحن هنا في فلسطين وبقية دول المشرق، نعيش في وسط متدين جداً، يفتخر فيه الجميع بماضيهم المشرق والمزدهر والرائع:

  • فهناك من يفتخر بالآباء والأجداد القديسين.
  • وهناك من يفتخر بتاريخ سلفهم الصّالح.
  • وهناك من يفتخر بأنّهم شعب الله المميز والمفضل والمختار.

ومع ذلك، نرى أن إضافة هالة من القداسة والورع والتقوى على الماضي هو في الواقع تزييف للتّاريخ، وكأن رجال الماضي لم يكونوا بشراً لهم أخطاءهم مثلنا اليوم. كذلك نعرف جميعاً أن تقديس الزمن الماضي هو هروب من واقع اليوم.

  • فمن يفتخر بالآباء والأجداد القديسين، هل يتمثل بهم ويعمل مثلهم من أجل مجد الرّب يسوع المسيح الذي خلصهم؟!
  • ومن يفتخر بإمبراطورية ومجد وغزوات الماضي، ألا يرى هزائم اليوم؟!
  • ومن يدعي أنّه شعب الله المختار، ألا يخبرنا ما هو المميز عنده؟ خصوصاً وأنّهم ما يزالون يمارسون أبشع أشكال القتل والشر والنّجاسة والابتعاد عن الله.

ما قالته المرأة بأن السامريين من نسل يعقوب كان مغالطة تاريخية وأخلاقية وروحية: فهم ليسوا إلا خليطاً من الشعوب الوثنية، ومع ذلك لم يستحقوا لقب أبناء يعقوب الروحيين لأنّهم لم يرجعوا إلى الرّب بكل قلوبهم. وهكذا أمام الفشل والسّقوط الروحي والأخلاقي، يجد النّاس في التاريخ ملاذاً لهم ومبرراً لفشلهم.

ث. الذي أعطانا البئر وشرب هو وبنوه ومواشيه: لا يوجد في الكتاب المقدس أي ذكر لهذا الكلام. فلا يوجد في العهد القديم أي إشارة أو نص يقول أن يعقوب حفر بئراً أو اشترى بئراً، ولا نعرف أبداً أنّه شرب هو وبنوه ومواشيه من البئر، ولا يخبرنا الكتاب المقدس أن يعقوب أعطى البئر لأي أحد من النّاس، بمن فيهم أولاد.، أي أن ما قالته المرأة السّامرية كان مجرد أسطورة أو خرافة أو تقليد باطل، ولا أساس له في سجلات التاريخ أو في الكتاب المقدس.

المشكلة هي أن توارث التّقاليد من جيل لآخر يجعلها مع الأيام وكأنّها حقائق من صميم الحياة، ويصبح الخروج عن التّقاليد وكأنّه طعناً في دين النّاس وعقائدهم وعباداتهم، ومن يخرج عن التّقاليد يصبح مرفوضاً ومنبوذاً ومتعدياً على مشاعر النّاس.

نعيش اليوم في عالم مشبع بالتّقاليد المبنية على الباطل، أي أنّه لا يوجد لها أي أساس تاريخي، ومع ذلك أصبح لهذه التّقاليد وزناً يفوق الكتاب المقدس، ومن يجرؤ ويكشف حقيقة التّقاليد وبطلأنّها يتعرض للاضطهاد والملاحقة وربما القتل.

  • في بيت ساحور: بئر يعقوب أصبح بئر السيدة، وأسست له كنيسة.
  • في أريحا: بئر يعقوب أصبح عين حجلة، وأسس له دير.
  • في الناصرة: بئر يعقوب أصبح عين العذراء.

مع أن جميع هذه المواقع ليست لها أية صلة بالتاريخ والواقع، بل هي من اختراع النّاس، ونسبت إليها صفة وهالة القداسة، مما يبعد أبصار النّاس وأفكارهم عن منبع الماء الحي الحقيقي وهو شخص ربّنا وفادينا يسوع المسيح له المجد.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
وفي كثير من الأحاديث التي تجري بين الأفراد، يحدث أن نتحدث مع غيرنا من النّاس دون أن يفهم النّاس كلامنا، لأن مقاصدنا تكون غير مقاصدهم، ونوايانا غير نواياهم، وأفكارنا غير أفكارهم.
رغم حديث الرب يسوع عن عطية الله، وعن الماء الذي يعطيه للحياة الأبدية، أي رغم حديث الرب عن الروحانيات، بقيت المرأة محصورة في فكرها بأمور الحياة اليومية وحاجات الجسد الأرضية والملحَّة
بعد أن قالت المرأة السّامرية للرّب يسوع بأنها ترى أنّه نبي، تابعت حديثها في أمور دينيّة خلافيّة بين اليهود والسّامريين. وبعملها هذا وجدت مخرجاً ذكيّاً للوضع الذي وجدت نفسها به بعد أن كشف رب المجد...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader