لوقا 28:9-36 "وَبَعْدَ هذَا الْكَلاَمِ بِنَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، أَخَذَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَصَعِدَ إِلَى جَبَل لِيُصَلِّيَ. 29وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضًّا لاَمِعًا. 30وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ، وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا، 31اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ، وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ. 32وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ، وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ. 33وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: «يَامُعَلِّمُ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً». وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ. 34وَفِيمَا هُوَ يَقُولُ ذلِكَ كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي السَّحَابَةِ. 35وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً:«هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا». 36وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَدًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ.". (وردت القصة أيضاً في متى 1:17-8، ومرقس 2:9-8).

عيد التّجلي

كلنا نحب مشاهدة الأشياء الجميلة والرائعة والمفرحة وحتّى المسلية. فعلى سبيل المثال، يشاهد افتتاح الألعاب الأولومبية مئات الملايين في الكرة الأرضيّة. كذلك شاهد الملايين الأجزاء الثلاثة من فيلم The Lord of the Ring واليوم، وللأسف الشّديد، يشاهد الملايين في العالم الناطق باللغة العربية المسلسلات التّركيّة والمكسيكيّة والهندية. وأصبح ابطال المسلسلات فوارس أحلام آلاف من المراهقات في العالم العربي. وفي ساعة بث المسلسل، يلغي الناس أية مواعيد عليهم ويبذلون جهوداً ليكونوا على الوقت. وكلّنا نعرف أن الملايين مدمنين على مشاهدة الأفلام والمسلسلات بطريقة جنونية.

بكل بساطة: يحب النّاس مشاهدة ما يعتقدون أنه مصدر تعزية ومتعة وتشويق لهم، مع أنهم يعلمون أن ما يشاهدونه قد يكون وهماً وخيالاً مثل مشاهدة أفلام الخيال العلمي، أو أنّ ما يشاهدونه مجرد أمور لحظية ستفقد بريقها سريعاً مثل حفل افتتاح الألعاب الأولومبية، وبالتالي كما يقول كاتب سفر الجامعة: "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ". (سفر الجامعة 11:2)، أو كما يقول في سفر الجامعة 8:1 "الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ". أي مهما شاهد الإنسان من مجد هذا العالم، ومهما استمع إلى قصص وكلام وروايات وأخبار، فإن هذه الأمور لا تشبع روحه ونفسه وجسده، بل يبقى متطلعاً إلى الأفضل، وإلى الشبع الحقيقي.

نتأمل اليوم بحدثٍ رآه خمسة أشخاص وليس ملايين من رجال الله. وهذا المشهد أشبع عيونهم وأرواحهم وقلوبهم بشكل لا يمكن للكمات أن تعبر عنه. لقد رأى هؤلاء الرجال مجد من به كان كل شيء، والّذي بغيره لم يكن شيء مما كان. لقد رأوا مجد من قال عنه بولس الرسول في كولوسي 16:1 "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ". أجل: لقد شاهد هؤلاء الرجال مجد الله المتجسد في شخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح.

قبل الصعود إلى الجبل بأسبوع، نقرأ نبوة نطق بها الرّب في الآية 27 "حَقّاً أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْماً لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حتّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ". وفعلاً تمم الرّب وعده في مدة أسبوع فقط، وأخذ ثلاثة من تلاميذه معه، وهم بطرس ويوحنا ويعقوب، وصعد بهم إلى جبل ليصلي، وهناك رأوا ملكوت الله، رأوا مجد الله، ورأوا اثنين من رجال الله في العهد القديم اللذان ظهرا بمجدٍ وتكلما مع الرّب يسوع.

سبق لهؤلاء التلاميذ أن رأوا العديد من المعجزات التي أجراها الرّب يسوع، فقد ظهر مجد الرّب قبلاً في أعماله وأقواله ومعجزاته، ولكنهم الآن يرون مجد الرّب في شخصه، في ذاته، في جوهره، في حقيقة كيانه بأنه الله الّذي جاء في الجسد. الله الّذي جاء إلى العالم كإنسان لأنه يحب الإنسان الّذي خلقه، ويريد كل ما هو أفضل لهذا الإنسان.

في الآية 28 نقرأ أن الرّب يسوع قد أخذ الرسل الثلاثة وصعد إلى جبل ليصلي. ولكن في متى ومرقس نقرأ شيئاً إضافياً، وهو أنه أخذهم "مُنْفَرِدِينَ" كما جاء في متى 1:17، ومرقس يقول في 2:9 "مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ". فالرّب يسوع لم يأخذهم إلى جبل  مليء بالناس، بل أخذهم منفردين وحدهم، فالرّب أراد ويريد الآن أن ينفرد مع أولاده وبناته في الصّلاة في الجبل، وسؤالي لكل واحد منّا: متى انفردت لوحدك مع الرّب مؤخّراً؟ هل أخذت الوقت الكافي لتكون معه، لتسمع صوته، ولِتُسْمعه صلاتك، ومن ثم تشاهد مجده!

لا يريد الرّب يسوع أن يأخذنا من العالم، بل يريدنا أن نكون مِلحاً ونوراً في العالم، ولكن إتمام رسالتنا في العالم يتطلب منا يومياً أن ننفرد مع الرّب لبعض الوقت، حتّى نصلي ونشكره ونمجّد اسمه ونستمد منه العون والقوة للعيش وللخدمة وللشهادة في هذا العالم.

في الآية 29 نقرأ أنه بينما كان الرّب يسوع يصلّي "صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً وَلِبَاسُهُ مُبْيَضّاً لاَمِعاً". ويصف متّى الّذي حدث قائلاً في 2:17 "وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ". لاحظوا معي أن لوقا استخدم فعل "صَارَتْ" هيئته، وهو ترجمة للفعل اليوناني "إجنتو οτεvεγε" أما متّى فيستخدم الفعل "تغيّرت" هيئته، وهو ترجمة للفعل اليوناني "ميتا مورفو μεταμορφοω" وهي كلمة يعرفها جميع طلاب العلوم، وخاصة علم الأحياء، لأنّها تعني تغيير كامل في الشكل والمظهر.

توضيح: في عالم الأحياء، تتغير اليرقة أو دودة القز إلى فراشة، ويتغير أبو ذنيبة إلى ضفدع، وهذا التغيير يسمى "ميتامورفوسس".

والّذي حصل مع الرّب يسوع هو تغيير كامل في شكله ومظهره، بحيث رآه التلاميذ بهيئة جديدة كلياً، وهذا التغيير هو ما نطق عليه التجلي، وفي اللغة الإنجليزية Transfiguration. هذا التغيير الّذي حصل مع شخص الرّب يسوع أظهر مجده السماوي بصورة فائقة وعظيمة، وقد شهد الرسول يوحنا بعد سنوات كثيرة، أي عندما كتب إنجيله، قائلاً عن هذا المجد في يوحنا 14:1 "وَﭐلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً". أي أن شكل الرّب يسوع تغيّر بصورة جذرية. فبعد مدة 33 سنة من العيش في الجسد الأرضي، أظهر الرّب يسوع مجده للحظات قليلة أمام ثلاثة من تلاميذه، وقد تم ذلك في جبل وهو يصلّي. وعندما كتب يوحنا عن رؤية مجد الرّب، فقد رأى واختبر وعرف ما الّذي كان يتحدث عنه.

لقد تألّق الرّب يسوع في مجده، وهو المجد الّذي حُجِبَ عندما أخذ الرّب يسوع جسداً بشرياً ليتجسّد بصورة إنسان. أي أن التجلّي هو إظهار مؤقت لمجد الرّب يسوع أمام عدد محدود من الناس، ولكن عندما سيعود الرّب يسوع ثانية إلى العالم، سيرى الجميع مجده بكامل روعته وجماله.

مجد الرّب يسوع هو ذات مجد الله الّذي ظهر في خيمة الاجتماع في العهد القديم في خروج 34:40-38 حيث نقرأ "ثُمَّ غَطَّتِ السَّحَابَةُ خَيْمَةَ الاِجْتِمَاعِ وَمَلأَ بَهَاءُ الرّب الْمَسْكَنَ". وهو نفس المجد الّذي ملأ الهيكل بعد صلاة سليمان عندما دشّن هيكل الرّب في أورشليم حيث نقرأ في سفر أخبار الأيام الثاني 1:7 "وَمَلَأَ مَجْدُ الرّب الْبَيْتَ". هذا المجد تجسد الآن على الأرض في شخص الرّب يسوع. وهو المجد الّذي رآه لاحقاً شهيد المسيحية الأول إستفانوس في أعمال 55:7 "فَرَأَى مَجْدَ اللهِ". وهو ما رآه أيضاً بولس في الطريق إلى دمشق (أعمال 3:9؛ 6:22،11؛ 13:26)، وأيضاً ما رآه يوحنا في سفر الرؤيا 16:1

سيأتي عن قريب ذلك اليوم الّذي سيأتي فيه الرّب يسوع بمجده، كما أخبرنا هو في متى 30:24 "... وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ". ومتى 31:25 "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ". هذا المجد سينير كل العالم، وهو المجد الّذي سيسير بنوره جميع المفديين في السماء إلى الأبد. نقرأ في رؤيا 23:21-24 عن مدينة أورشليم الجديدة، أي عن السماء "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْحَمَلُ سِرَاجُهَا. وَتَمْشِي شُعُوبُ الْمُخَلَّصِينَ بِنُورِهَا...". 

لم يتمجد أو يتجلّى شخص الرّب يسوع بنورٍ خارجي سلّط عليه بحيث أنه عكس مجد الله، بل أن المجد الّذي ظهر عليه هو مجده بالذات. فمجد الله الآب هو ذاته مجد الرّب يسوع. وسجّل لنا الرسول يوحنا صلاة الرّب يسوع في يوحنا 17 الذي ذكر الرّب يسوع فيها كلمة المجد ثماني مرات، وخصوصاً في الآية رقم 5 "وَﭐلآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ". فمجد الرّب يسوع أزلي، ولكن الرّب يسوع أخلى نفسه وأخذ صورة عبد، وذلك حتّى يحرر البشر من عبودية الخطية.

التجلّي ببساطة هو إعلان مجيد للاهوت الرب يسوع المسيح. أي أن المسيح في التجلّي يقول لنا: أنا هو الله. وقد احتاج الرسل أن يكونوا شهوداً للتجلّي وأن يهضموا هذه الحقيقة حتّى تكون خدمتهم وتبشيرهم فيما بعد بقوة وسلطان. ونحن ككنيسة اليوم علينا أن نؤمن ونعرف وندرك أن للرب يسوع كل القوّة وكل السّلطان، وإلا فإننا سنكون ضعفاء في خدمتنا وصلواتنا وشهادتنا.

وقد حدث التجلّي، أي ظهور مجد الرّب يسوع، وقت الصلاة، حيث تغيّرت هيئة الرّب يسوع، وشع وجهه وملابسه بنورٍ كالشمس. وهذه شهادة عظيمة وقوية لأهمية الصلاة في حياة المؤمن والكنيسة. نعم، الصلاة تغيّر هيأتك وشكلك. صحيح أن الصلاة قد لا تغير الظروف المحيطة بك، وقد لا تغيّر الصلاة الأمور والأشياء التي تحدث حولك بحيث تصبح كما تريدها أنت، ولكن الصلاة تغيّرك: الصلاة تغير شكوكك فتصبح كلك أملاً ورجاءً راسخاً. الصلاة تبدّل خوفك إلى ثقة وإيمان، الصلاة تملأك بالسلام والمحبة، الصلاة تمجّد يسوع المسيح فيك، وأنت تُمجّد فيه. الصلاة تعني أنك لا تريد أن تعيش لذاتك فيما بعد، بل تريد أن تعيش لمن اشتراك بدمه على الصليب. الصلاة تدفعك إلى أن تمجد الله في حياتك.

مجد الله يظهر في حياتك من خلال أمور بسيطة، وليس بالضرورة من خلال المسيرات الفخمة والأنوار والذهب والزينة والاحتفالات والملابس الثمينة. يظهر مجد الله من خلال أعمال الخدمة البسيطة التي تستطيع أن تقوم بها بدافع المحبة وإنكار الذات: تستطيع أن تمجّد الله عندما تساعد زوجتك في غسل الأواني، أو تنظيف البيت أو العناية بالطفل الرضيع. تستطيع أن تمجّد الله وأنت تقود سيارتك وتساعد إنساناً مقطوعاً في الطريق أو شخصاً حدث معه مشكلة في سيارته. تستطيع أن تمجّد الله عندما تحب زملاءك في العمل وتتعاون معهم. تمجّد الله عندما تحب من يكرهك. تمجّد الله عندما تصلّي لخلاص من يضطهدك ويسيء اليك.

تُمَجِّد الله عندما تجتهد في دراستك. تُمَجِّد الله عندما تأكل خبزك باستحقاق وبعرق جبينك وليس باللجوء إلى الحيلة والخداع والزور والتزييف والتقارير المبالغ فيها أو بالسرقة. تُمَجِّد الله عندما تتنازل عن راحتك الشخصيّة وتتعب لتريح الآخرين. أنت تُمَجِّد  الله عندما تُبشر بالإنجيل وتقود إنساناً خاطئاً في طريق الخلاص.

في الآية رقم 30، أي بينما كان مجد الرّب يسوع ساطعاً، ظهر موسى وإيليا، وكان ظهورهما بمجدٍ كما نقرأ في الآية 31 "ظَهَرَا بِمَجْدٍ". وتكلما مع الرّب يسوع المسيح.

موسى يمثل الناموس، أي الشريعة والوصايا.
وإيليا يمثل الأنبياء وما أعلنوه وتنبأوا به عن المسيا المنتظر.
وهكذا فظهور موسى وإيليا يعني أن الرّب يسوع هو المتمم والمكمل للناموس والأنبياء. فالرّب يسوع لم يأتِ لينقض بل ليكمل شريعة الله وليحقق نبوات العهد القديم. وبكلمات أخرى: المسيا المتألم لم يناقض العهد القديم ولكن حياته تممت شهادة الشريعة والأنبياء التي تجسدت في هذين الرجلين: موسى وإيليا.

في الآية 31 نقرأ أن موسى وإيليا تكلما مع الرّب يسوع: "عَنْ خُرُوجِهِ الّذي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ" وكلمة "خُرُوجِهِ" تُذَكّرنا بفداء الله لشعبه في العهد القديم. فالله حرر شعبه من العبودية في مصر وأخرجهم بقوة وأحضرهم إلى أرض الموعد. والرّب يسوع أيضاً جاء إلى العالم بصورة خادم وعبد، كما نقرأ في فيلبي 7:2-9 "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حتّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ". وموت المسيح على الصليب لم يكن مجرد طاعة عبد للآب، ولكنه كان عملاً من أجل التحرير والفداء، وإخراج كل من يؤمن به من عبودية الشر والخطيّة، أي من العبودية للشيطان، إلى الحرية الحقيقية، إلى الخلاص والفداء، وبالتالي دخول أرض الموعد، أي السّماء حيث المجد الأبدي.

في آية 32 نلاحظ أن صعود الجبل كان مرهقاً للتلاميذ، لذلك "تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ"، وهذه طبيعة الإنسان، فهو يتعب وينام. ولكن علينا أن نحذر من أن نتعب في حياتنا الروحية، فالنوم الروحي مأساة لأنه يعني انعدام حياة الصّلاة والتوقف عن قراءة كلمة الله. لذلك عندما استيقظ بطرس والتلاميذ "رَأَوْا مَجْدَهُ وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ". رأى التلاميذ مجد الرّب، رأى التلاميذ أيضاً إيليا وموسى، ويا له من منظر بهيج.

هل تتطلع إلى رؤية مجد الرّب.
هل تتطلع إلى اللقاء مع رجال ونساء الله في السماء.

في الآية 33 نجد أن المنظر أدهش بطرس فقال للرّب يسوع: "يَا مُعَلِّمُ جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى وَاحِدَةً وَلِإِيلِيَّا وَاحِدَةً". جيد أن نكون في محضر مجد الله. لذلك طلب بطرس أن يصنع ثلاث خيام، لم يطلب خيمة لنفسه أو ليوحنا ويعقوب. كان مستعداً أن يبقى في العراء تحت الشمس، وأن تكون المظال فقط للرب يسوع ولموسى وإيليا. فبطرس أراد أن يستمر هذا الوضع أطول مدة ممكنة. أراد أن يتمتع بهذا المجد لفترة طويلة. كانت السماء على الأرض، وأراد بطرس أن يستمر الحال هكذا، ولكن موسى وإيليا كانا من مواطني السماء، ولا بد لهما من العودة إلى هناك. والرّب يسوع كان عليه أن يتمم الفداء في أورشليم، وبالتالي ما تمناه بطرس لم يكن متفقاً مع إرادة الله أو خطة الله.

علينا أن نكون واقعيين. الأرض ملعونة، ولن نستمتع بالسماء على الأرض، وعلينا الانتظار لنكون مع الرّب. فلا تتوقع الكمال في هذه الأرض. وإلا فسنعيش في حسرة وخيبة أمل طوال الوقت.

في الآية 34 و35 نقرأ أن "سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ" والسحابة في الكتاب المقدس تشير عادة إلى ظهور الله. إنها سحابة المجد "شكيناه" إنها السحابة التي ظهرت لشعب الله في البرية.

وجاء صوت الآب من السحابة: "هَذَا هُوَ ابني الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا". شهد الآب أن يسوع هو ابن الله. أي مساوٍ له في الجوهر. شهد الآب أن علاقته بالابن هي علاقة محبة. طلب الآب من التلاميذ، وهو يطلب منا اليوم أن نستمع للرب يسوع، فهل نشهد للرب يسوع بأنه الله المخلص. هل نحبه؟ وهل نسمع له ونطيعه ونعيش بحسب وصاياه.

كلمات الآب أعطت مصداقية لشخص الرّب يسوع ولتعاليمه. لقد سمع التلاميذ كلمات الآب عن الابن. سمعوا الآب يتحدث إليهم ويشهد لهم عن ابنه، وهم بدورهم، أي الكنيسة، مدعوة لحياة الشهادة لشخص الرّب يسوع.

نقرأ في متى 6:17-7 أن التلاميذ خافوا وسقطوا على وجوههم عندما سمعوا صوت الآب. ولكن الرّب يسوع لم يتركهم، بل حتّى وهو في مجده لمسهم لمسة حب وإعاد الهدوء والسكينة إلى قلوبهم.

ما رآه وسمعه التلاميذ، كان اختياراً جليلاً وخالداً، وقد تحدث عنه بطرس الرسول لاحقاً في رسالته الثانية 16:1-18 قائلاً: "لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللَّهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْداً، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهَذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ. وَنَحْنُ سَمِعْنَا هَذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ".

آية 36 وجد يسوع وحده.
ذهب موسى وإيليا.
وبقي يسوع، لأن الحاجة إلى واحد، ويسوع يشبع الحياة ويعطي الخلاص.
أنت تحتاج إلى يسوع فقط.
فهل يسوع معك الآن، وكل آن؟
رأى التلاميذ قبسات من المجد.
ولكن عندما انتهى التجلي، عاد التلاميذ فرأوا يسوع كما كان قبل التجلي، وسيأتي اليوم الذي سنراه في كامل مجده

خلاصة:
1. ظهرت في لحظة التّجلي طبيعة الرّب يسوع المسيح بأنه الله صاحب القوة والسلطان، وهذا يعني أننا نستطيع أن نعيش حياة منتصرة بسببه. التجلي إعلان مجد الرّب يسوع.
2. ما رآه التلاميذ كان مجرد اختبار وقتي، وقد غيّرهم بالكامل، وصلاتي أن نرى جميعاً مجد الله ونتغيّر ونمجّد الله في كل شيء.
3. إن لمسات الرّب يسوع تنزع الخوف وتزرع الثقة بالنفس.
دعونا نعيش على رجاء القيامة، وظهور الرّب ثانية، كما نقرأ في كولوسي 4:3 "مَتَى اظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ انْتُمْ ايْضاً مَعَهُ فِي الْمَجْدِ". آمين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا