المراة التي انقذها المسيح من الموت رجمًا

الشاهد الكتابي: يوحنا 8: 1 – 11، تث 17: 5 و 6.

لأنه جاء ليخلص ما قد هلك، لم يستنكف* يسوع من الاحتكاك المباشر مع الخطاة. فكان يأكل ويشرب معهم، لكي يكسبهم اليه. وفي رحلاته تحادث مع ثلاث نساء على الأقل قد ارتكبن جريمة الزنا – المرأة السامرية، والمرأة التي جاءته في بيت سمعان، والمرأة في القصة التي امامنا، وشفقته ورقّته ورحمته كانت تميز معاملاته مع كل واحدة منهن. ومن الطريف أن نلاحظ الظروف التي أدت لافتضاح أمر المرأة التي أمسكت في ذات الفعل. فبعد أن قضى ليلة على جبل الزيتون، قام يسوع في الصباح الباكر في اليوم التالي، وذهب الى الهيكل حيث كان هناك عدد كبير من الناس قد تجمعوا ليسمعوا عن عمله المسياني. ولكن بينما كان يشهد دون خوف، كان الخطر محدقًا به، لأن اعضاء السنهدريم كانوا يطلبون أن يقتلوه، وقد تعاطف الكتبة والفريسيون مع هذا المخطط الشرير. وبينما كان جالسًا في الهيكل يعلم الناس، وصل عدد من الكتبة والفريسيين ومعهم إمرأة قد أمسكت وهي ترتكب خطية مهينة وخطيرة.

المشتكون

ان القادة الدينيين الذي جاءوا بالمرأة الى المسيح مقدمين تهمة ضدها، محاولين أن يصطادوه بأن يسألوه عما يجب أن يتخذ ضدها من إجراء، كانوا ينتمون إلى طبقة تميل للتعامل مع الزانيات. لقد اعتبروا انفسهم أوصياء على الأخلاق العامة، والويل لمن كان يقع تحت مراقبة أولئك الذين عينوا انفسهم وقباء على أي مخالفة أخلاقية، ولعلمهم بكل متطلبات وعقاب ناموس موسى وبتقاليدهم الخاصة حولها، كانوا يعاملون الخطاه باحتقار يتسم بالتظاهر بالتقوى والنفاق. فقد كان مجرد لمس إمرأة كهذه يعد خطية، ولكن كما سوف نرى فإن غيرتهم بشأن خطايا الآخرين كان مجرد ستارًا لإخفاء شرهم.

كم كان هؤلاء المشتكين متحيزين! فقد أحضروا المرأة التي أمسكت في ذات الفعل، ولكن أين الرجل المرتكب الرئيسي للذنب؟ لماذا لم يمسكوا به؟ هل كان فريسيًا من أعداء ربنا؟ أو شخصًا تتطلب الحكمة السماح له بالهروب؟ إن القانون والعدالة كانتا تتطلبان أن يؤتى بالزاني والزانية معًا ويحكم عليهما بالموت (لا 20: 10)، ولكن هؤلاء الأعداء للمسيح، كانوا يسيرون وفق سلوك أهل العالم، وجعلوا المرأة تتحمل وحدها وزر ذنبها. ولكن العدل الإلهي «بلا محاباة» (يع 3: 17).

الزانية

كانت المرأة التي قدمت للمسيح من قبل المشتكين عليها مدانة بلا شك بسبب السلوك الخاطئ الذي اتهمت بارتكابه، والمسيح لم يصفح عن ذنبها بأي حال من الأحوال. لا شك أنه تعاطف معها لضعفها، والتمس لها عذرًا بسبب قوة التجربة التي دفعتها لارتكاب الاثم، ولكنه اعتبر سلوكها تحديًا لأوامره بعدم فعل الخطية. فالزنا يحتل المرتبة الأولى في «أعمال الجسد» (غل 5: 19)، وهو ضد قانون الخالق العادل والمقدس فيما يختص بسعادة الجنس البشري (خر 20: 14). ولكن هل هناك أقسى وأشد من وضع هذه الإمرأة الخاطئ « في وسط » الهيكل، لتعريضها للنظرات القاسية من الجموع؟ إن سلوك هؤلاء الكتبة والفريسيين « قد أظهر من جانبهم سخرية قاسية جامدة، ووحشية بربرية بلا رحمة في القلب والضمير ». لقد كان شيئًا مسيئًا بما فيه الكفاية للمرأة أن تكون مدركة لذنبها، ولكن أن تستعرض ذلك أمام الاخرين، كان عملا قاسيًا خاليًا من الحب الذي يستر كثرة من الخطايا (1 بط 4: 8). وعلى الرغم من أن يسوع لم يكن يتسامح مع الخطية في أشخاص الذين تقابل معهم. الا انه كان رقيقًا وعطوفًا في تعامله معهم.

المحامي

كيهودي وكالمسيا، كان يسوع تحت التزام خطير باحترام ناموس موسى (تث 31: 9، متى 5: 17)، وفي حياته على الارض تمم الناموس (متى 5: 18). لذلك عندما استشهد الفريسيون بالناموس فيما يختص برجم الزانية حتى الموت، فقد لجأوا الى معيار كان يجله ويحترمه (مز 40: 8)، على الرغم أن انتشار الزنى قد جعل عقوبة الرجم حتى الموت عقوبه مهملة. وقد قال ربنا للفريسيين ان موسى يشكوهم (يو 5: 45)، أفليس غريبًا أنهم في اتهامهم للمرأة يلجأون لموسى؟ فسؤالهم « ماذا تقول أنت؟ » لم يكن يتضمن أنهم كانوا يحترمون تعليمه عن الناموس. كل ما كانوا يأملون أن يفعلوه أن يوقعوا يسوع في فخ الإدلاء بإجابة مضادة للناموس. فلو كان قد قال « لترجم » لبدت رقته وشفقته في التعامل مع الخطاة والمنحلين سرابًا خادعًا. ولو كان قد قال: « أخل سبيلها » لحدثت ثورة بين أولئك الذين على الرغم من انهم كانوا من أتباعه، الا انهم كانوا مع ذلك من المدافعين المخلصين لما علّم به موسى.

يسوع ينحني ويكتب على الرمل

ان مكر الحية القديمة، إبليس، كان وراء محاولة الفريسيين أن يجبروا ويتهموا المسيح، وكان بحاجة للحكمة للتعامل مع مثل هذا الموقف. ولكن الذي يستطيع ان يعرف ما في قلوب البشر، عرف كيف يجيب على سؤالهم، وقد فعل ذلك بنجاح – عن طرق الصمت، فانحنى على الارض وكتب في التراب حوله « كما لو لم يكن قد سمعهم »، ونتوقف هنا لنسأل سؤالين، وهما، لماذا انحنى؟ وماذا كتب باصبعه على الارض؟

لماذا انحنى؟

ربما فعل ذلك مراعاة لمشاعر المرأة المذنبة، فثبت نظره على الأرض وليس عليها، يتحدث بطرس عن أناس لهم « عيون مملوءه فسقًا » (2 بط 2: 14)، ومثل هؤلاء قد ينظرون الى هذه المرأة التي تم افتضاح أمرها، ولكن كالقدوس صاحب القلب العطوف، فقد نظر بعيدًا عن المرأة الخائفة التي جاءوا بها الى حضرته. لقد شعرت بالإذلال بسبب العيون الكثيرة المثبتة عليها، ولكن ها هو صديق الخطاة الذي لم يكن مهتمًا بأي حب استطلاع مرضى، أحنى رأسه ونظر الى اسفل.

سبب آخر لعمله هذا، ربما يدل على عدم استساغته لما عرض عليه من مهمة. إنه كان دائم التطلع الى السماء والحديث مع أبيه (متى 14: 19)، والنظر مباشرة الى بطرس والآخرين الذين أراد أن يمنحهم فضله (لو 22: 16)، ولكن عندما طلب منه أن يصدر حكمًا ضد نفس مذنبة أُسيء اليها بأكثر مما أساءت هي للآخرين، فإن كيانه كله يتنصل من مثل هذه المهمة (يو 3: 17، لو 9: 56، 12: 14) واذ جاء ليتمم الناموس، فإنه لا يستطيع أن يتجنبه الآن، وبذلك يتستر على خاطئة مقرة بما فعلته من ذنب أدانه الناموس بعدل.

ما الذي كتبه على الأرض؟

قيل ان هذه طريقة مضادة تدل على تجاهل متعمد. فقد تصرف يسوع بالتأكيد كما لو لم يكن قد سمع المشتكون على المرأة. فما الذي كتبه فعلاً باصبعه؟ نحن لا نعرف الاجابة على هذا السؤال. إنها أصبع الله التي كتبت الناموس (خر 31: 18). وربما كان يسوع يفكر في هذه الحقيقة وهو يكتب على الارض. وعندما انحنى في الهيكل ليكتب، فربما تذكر ربنا كيف أنه تنازل عن السماء حتى تعاد كتابة الناموس التي تم التعدي عليه، في هيكل كيان الإنسان. تعدت المرأة على الناموس ولكنه أكرمها. واذ حنق الفريسيون بسبب عدم المبالاة الظاهرة لدى المسيح، فإنهم ادركوا المعنى الرمزي لكتابته وطالبوا برد على سؤالهم. وكان ذلك الصمت الخطير أكثر مما يستطيعون احتماله، لأنه كان يتحدث بقوة تفوق كلماته. كان بطيئًا عند الغضب حتى مع المسترسلين في عنادهم وقسوة قلوبهم.

وعندما نظر الى فوق وتكلم، فإنه لم يصدر حكمًا قضائيًا، ولكن ما سمعه الفريسيون أذهلهم « من كان منكم بلا خطية – أي نوع من الخطية التي ارتكبها الرجال مع مثل هذه المرأة، نفس الخطية التي أدانوها الفريسيون بها – فليرمها بحجر ». الشخص الوحيد الحاضر في ذلك اليوم بلا خطية من أي نوع، كان الرب نفسه، ولكنه لم يرميها بحجر أو يصدر حكما عما يجب ان يعمل مع المرأة كدور القاضي المدني او الكنسي. وإذ كان يؤجل إصدار أي حكم بشأن المرأة، فإنه انحنى الى اسفل مرة أخرى وكتب على الارض، وتكرار هذا العمل يدل على تصميمه على تجنب عمل القاضي. وما كتبه هذه المرة الثانية لا بد أنه تمت رؤيته من قبل المشتكين، فانسحبوا بعيدًا لئلا يكشف المزيد من خطاياهم. إحدى الترجمات القديمة تضيف الى العدد المتكرر (8: 8) الكلمات، « وكتب على الارض خطية كل واحد فيهم ».

وبغض النظر عن نوعية الكتابة، فإن الفريسيين قد بكتتهم ضمائرهم، وابتدأوا من الشيوخ الى الآخرين يتركون يسوع والمرأة وحدها في الوسط. يقول متى هنري: « إن الذين تبكتهم ضمائرهم سوف يدانون من قبل قاضيهم اذا لم يكن فاديهم بديلاً عنهم ». إن رياء هؤلاء المشتكين، سواء على يسوع أو على المرأة قد افتضح! فقد أدينوا هنا كمرتكبين لنفيس الخطية التي ادانوا بها المراة. لم يكن أي واحد منهم بريئًا من خطية الزنى التي أدانوا بها المرأة، حتى الشيخ الذي كان وسطهم.

تبرئتها

عندما رفع يسوع نظره عن الأرض للمرة الثانية، لم ير أحدًا سوى المرأة. كان يمكنها أن تهرب كما ترك الفريسيون الذين شعروا بالتبكيت الهيكل في خجل، ولكنها شعرت كما لو كانت مقيدة لتبقى مع الشخص الذي أصبح محاميًا ومنقذًا لها. والآن، بعد أن واجهها يسوع سألها: « أين المشتكون عليك؟ أما دانك أحد؟ » فأجابت المراة ببساطة: « لا أحد يا سيد ». لقد عرفت أنه الشخص الوحيد الذي له الحق في أن يصدر حكمًا عليها، ولكنها لم تحاول ان تبرئ أو تدافع عن نفسها، ولم تطلب الرحمة الالهية والغفران. لقد عرف كل شيء عنها، ولذلك فقد دعته بكل احترام بالقول: « يا سيد ».

ثم صدرت الكلمة التي كان يتوق قلبها لسماعها « ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضًا ». إن المشتكين الذين غادروا المكان للتو لم يستطيعوا ان يدينوها، ولم يدنها يسوع أيضًا. « اذهبي ولا تخطئي » أو « لا تكوني خاطئة مرة أخرى »، وهو قول يتفق مع غرضه في انقاذ الخطاة من خطيتهم. وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك دليل على الغفران أو السلام، كما في حالة آخرين (متى 9: 2، لو 7: 48) إلا اننا نعتقد انها مضت، وفي طاعة لأمر المسيح دخلت حياة جديدة من الصفح والسلام والطهارة. فالحياة الملوثة القديمة قد مضت واصبحت خليقة جديدة. ويكون من الشيق ان نعرف المزيد عن هذه المرأة. ونحن ملتزمون أن نستنبط هذه الدروس الظاهرة من القصة ألا وهي أن لا نبطئ في إصدار الأحكام على خطايا الآخرين، وأن ندين كل خطية في حياتنا وأن نعلن لكل خاطئ غفران الله.


* يستنكف عن العمل اي امتنع مستكبرًا.

يسوع يقدر ان يغفر ذنوبك ويريح ضميرك. هل تحتاج / تحتاجين الى توجيه؟ راسلنا