وجهة نظر مسيحية عن الحوار

قال يعقوب قائد كنيسة اورشليم "اذاً يا أخوتي الأحباء، ليكن كل انسان مسرعاً في الاستماع، مبطئاً في التكلم، مبطئاً في الغضب." (يعقوب 19:1) . وهي صدى لأمثال عرفها اليهود جيداً مثل: "بَطِيءُ الْغَضَبِ كَثِيرُ الْفَهْمِ، وَقَصِيرُ الرُّوحِ مُعَلِّي الْحَمَقِ." (امثال 29:14) و"اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ، وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً." (امثال 32:16). يعتقد البعض انه لم يكن في بال يعقوب الحديث عن موضوع الإصغاء كما نعرفه اليوم، او كما يتحدث عنه علم النفس او الإستشارة. لكن كان يعرف ان الإصغاء هو وسيلة للامتناع عن الغضب.

ان السبب الذي يجعل يعقوب يشدد على الإصغاء مقابل السرعة في الكلام، هو المبدأ العام أن من يتكلم بسرعة دون أن يسمع ما يقال له، لا يستطيع ان يفهم ما يقال ومن ثم ان يجيب على نحو صحيح. وهذا المبدأ يتحدث عنه سفر الأمثال بتهكم عندما يقول: "13مَنْ يُجِيبُ عَنْ أَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ، فَلَهُ حَمَاقَةٌ وَعَارٌ." إنه مبدأ بسيط لكن من اقل المبادئ المطبقة في عالمنا اليوم.

ان اي نظرة عابرة على التعليقات المكتوبة على المقالات في الإنترنت، تظهر كيف لا يصغي الناس لما يقوله الآخرون . تترواح حدة التعليقات ما بين تلك التي تتضمن الشتائم والاتهامات المهينة وتلك التي تحمل استهزاءً خفيًا لما يقوله الآخر (وقد يكون "الآخر" كاتب مقال معين أو معلق على إحدى المقالات). اعتقد أن معظم الناس لا يذكرون اسماءهم الحقيقية في التعليقات بسبب الخوف من الهجوم الشنيع الذي قد تستقطبه تعليقاتهم. وهنا قد يأتي البعض ليقول ان هذه التعليقات هي بمثابة "تنفيس" عن الغضب المكبوت في صدور شعبنا. ربما، لكن دعوني اتساءل:

هل يعقل ان يكون التعبير عن الغضب أمرًا معصومًا عن الحكمة؟

هل يبرر جوابي الغاضب، اتهامي لمن حولي باتهامات عشوائية أو افترائية أو عارية من الصحة؟

هل تبرر غيرتي على قيمي تصلبي وكبريائي وتعاليّ على الآخرين؟

ويأتي تساؤل آخر؛ مع اني لا احب كتابته حتى، لكن لا بد منه. قد يقول البعض: "انت تريد ان يكون هذا العالم الفاسد من حولك، مصغٍ ومتحضر؟!!" أو يقول بعضهم بكل ثقة: "هم غير مؤمنين فماذا تتوقع منهم؟" لكنني افضل ان اطالب الجميع بصنع ما هو صحيح، على ان اتوقع الأسوأ دائمًا. ثم لنفرض، جدلاً، اني لا اريد توقع التصرف الصحيح ممن لا يشاركوني الإيمان. اليس بالحري ان اتوقع التصرف الصحيح من اخوتي في الإيمان؟ الا تتوقعون مني يا اخوتي الأحباء ان اناشدكم بالاستماع لما يقوله الآخرون، قبل البت بالأحكام السريعة؟ السنا مطالبون بعدم الإجابة على ما لم نسمع؟

ان الحوار المسيحي يجب ان يبنى على قيم أساسية ومنها: الحرية، والاحترام، والموضوعية وعدم الدينونة، والإصغاء، والحق؛ وكلها قيم تتوافق مع تعليم الكتاب المقدس.

الحرية

ان سبب وضع الحرية في قمة سلم اولويات الحوار المسيحي هو الحاجة لتجنب ما اسميه، عذراً، "الإرهاب الفكري". قد يخاف البعض ان يعبروا عن آرائهم امام الجميع خوفًا من الدينونة وخشية من الهجومات العنيفة الموجهة من قبل من لا يستطيعون تحمل سماع من لا يوافقهم الرأي. لذلك اناشدكم اخوتي الأحباء، دعونا لا نكون ديانين شرسين بل محبين ولطفاء وودعاء نوفر جوًا يشعر فيه حتى الطفل الصغير بالحرية في التعبير عن رأيه دون خوف او رعب. ان حوارًا لا يتصف بالحرية ليس حوار بل خطاب يشترك فيه شخصين، الأول مرعب يقول ما يريد والثاني مرتعب يقول ما يوافق عليه المرعب.

ونستطيع ان نستعين بخصال مسيحية اخرى كاللطف لتساعدنا في الوصول إلى الحرية، يقول بولس "كونوا لطفاء بعضكم نحو بعضٍ، شفوقين متسامحين، كما سامحكم الله ايضاً في المسيح." (افسس 32:4). لقد حفظت هذه الآية منذ الصغر عن طريق اغنية قصيرة. لكن هذه الجملة لم تكتب فقط للصغار. ونظرة سريعة على رسالة بولس الى اهل افسس تظهر ان هذه الآية موجودة في سياق سلوك المسيحيين كأولاد نور؛ كهؤلاء الذي يعكسون بحياتهم من هو الله للعالم. وبكلمات اخرى، لطفنا في النقاش مع اخوتنا المسيحيين خصوصًا ومع الناس عامةً هو فرصة اخرى لنمجد الرب فيها.

كما قلنا ان هدف الحرية واللطف وصفات اخرى كطول الأناة والتسامح واحتمال الآخرين وما الى ذلك، هو خلق جو من الشعور بالأمان. وفي هذا الجو يستطيع الجميع ان يعبروا عن شكوكهم وتساؤلاتهم وحيرتهم تجاه أمور كثيرة. عندها، نستطيع ان نعالج هذه الأمور بموضوعية وبلا خوف من الدينونة.

ولنفرض جدلاً ان احدهم عبر عن فكرة تتعارض مع صُلب ايماننا. مثلاً كأن يقول احدهم "انا لا اومن ان يسوع هو الله." بدلاً من ان ننقض عليه ونتهمه بالهرطقة. يجب ان اولاً ان نفهم لماذا يقول ذلك. ثم نحاول ان نجيب عن تساؤلاته، او عدم فهمه. بعد ذلك، يجب ان نوضح له لماذا نحن نؤمن ان يسوع هو الله، ونقول بوضوح اننا لا نوافق معه. ثم نحاول ان نقنعه من الكتاب المقدس لماذا لا يصلح إلا ان يكون يسوع هو الله. وان استمر في عدم اقتناعه، نستطيع ان نقول له إنه موجود في وضع خطر من جهة الإيمان المسيحي. فإن اقتنع نكون قد كسبنا أخًا في الإيمان القويم، او لنقل صححنا عدم فهم او شكوك اخٍ بالنسبة لأمر حيّر اجيال من المؤمنين المسيحيين.

لكن لنفترض اننا "مرعبون". فقد يستمر ذلك الشخص بعدم الإيمان هذا وقد يضل آخرين لأننا بتوجهنا الديان قد منعناه من التعبير عن حيرته وشكوكه ولذلك لن نعرف أبدًا عمّا يدور في ذهنه من شكوك وحيرة. فمن اي نوع نحن؟ من اي نوع انت، "مرعب" أم "لطيف"؟

إن المبدأ بسيط جدًا. ان كنت اريد ان اناقش اي موضوع مع اي شخص فهذه فرصة لبناء هذا الشخص وليس لهدمه (افسس 29:4-31؛ غل 13:5-15).
24 اَلْكَلاَمُ الْحَسَنُ شَهْدُ عَسَل، حُلْوٌ لِلنَّفْسِ وَشِفَاءٌ لِلْعِظَامِ. أم 24:16

في الأسبوع القادم سأتكلم عن القيم الأخرى المتعلقة بالحوار المسيحي وهي: الاحترام، والموضوعية وعدم الدينونة، والإصغاء والتجاوب، والحق.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا