إن عنوان المقال مأخوذ من إصحاح المحبة المعروف في 1 كورنثوس 13، والآيات كما يلي:

"8 اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. 9 لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. 10 وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ."

لقد دخلت الكنيسة في اختلاف في تفسير معنى كلمة "الكامل" في الآية السابقة، وبشكل عام تنقسم التفاسير إلى رأيين من جهة معنى "الكامل"، وهما كما يلي:

الرأي الأول: الكامل هو الحالة الأبدية

إن كلمة "الكامل" في النص، لا تتكلم عن المسيح؛ لأن الكلمة باليونانية "تو تيلييون"، معناها الحرفي "الشيء المكتمل، المنتهي"؛ وهي لا تتكلم عن إنسان، بل عن جماد؛ لأن حرف الدلالة "تو" يستخدم للجماد وليس للبشر. لذلك مُعظم المفسرين من هذه المجموعة يفسرون الكامل بالحالة الكاملة الأبدية التي سيعيشها المؤمن مع الله في السماء. ويربطونها مع أفسس 4 "13 إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ." وكلمة "كامل" في هذه الآية هي "تيليون"، أي نفس الكلمة تمامًا؛ وهي تتكلم عن الحالة النهائية "إلى أن ننتهي". لذلك تفسر هذه الفئة من اللاهوتيين "الكامل" بملكوت الله الأبدي، يوم الرب، المجيء الثاني، الحالة الكاملة... إلخ. وهذا هو التفسير المعروف والمقبول الذي فسره جميع اللاهوتيين القدامى على مر العصور إلى هذا اليوم؛ وهو يتفق مع تفسير الكنائس الأرثوذكسية، الكاثوليكية، ولاهوتيي الإصلاح القدامى مثل جون كالفين، ماثيو هنري، جون وسلي، آدم كلارك وغيرهم.

الرأي الثاني: الكامل هو كتاب العهد الجديد

وهذا التفسير يقول أنه عندما يكتمل العهد الجديد، ستبطل النبوءة الخارجة عن الكتاب المقدس؛ والألسنة ستنتهي، كون الله استخدمها لكي يقود الكنيسة الأولى إلى أن يكتمل الوحي؛ فعندما اكتمل وحي العهد الجديد، لم يعد لها داعٍ. مع أن هذا التفسير حل مشكلة الضمير المشير للجماد، حيث يمكن استخدامه لكتاب العهد الجديد؛ إلى أن هذا التفسير يواجه تحديات لاهوتية كبيرة؛ فيما يلي بعضها:

أولاً: لا يمكن أن يُبنى تفسير كهذا على آية واحدة فقط؛ خاصة إذا أدى الأمر إلى إبطال فعالية إصحاحين كاملين تكلما عن المواهب الروحية المذكورة في الأصحاح الذي قبله وبعده (12 و14). فكيف يمكن أن نحذف ضمنيًا أصحاحين، بناء على آية غير واضحة، أو إذا جاز التعبير على كلمة واحدة من آية؟ إن هذا غير مقبول في علم التفسير، الذي يؤكد على أن العقيدة يجب أن تُبنى على مجموعة من الآيات الواضحة.
ثانيًا: ماذا يعني بولس بعبارة " النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ"؟ ولماذا يطوع إولئك المفسرون كلمة "النبوات" بأنها نص العهد الجديد؟ لماذا لا تكون ما يفسره بولس بعده ببضع آيات، بإصحاح 14 "3 وأمَّا من يتنبأ فيكلم الناس ببنيان ووعظ وتسلية"؟ فهل الوعظ الذي في الكنيسة سينتهي بعدما يكتمل العهد الجديد؟ فتفسير التنبؤ أيضًا يخرجوه عن سياق الرسالة، وهذا غير سليم!!
ثالثًا: تقول الآية متى جاء الكامل، "العلم سيبطل"؛ والسؤال هو كيف؟ يفسرونها بأن العلم هنا، هو العلم المختلص بالوحي الإلهي. لكن هذا لا ينطبق على السياق، فيقول السياق "9 لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. 10 وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ." هل باكتمال العهد الجديد، انتهت المعرفة الجزئية للوحي؟ نعم لقد أصبحت النصوص النبوية كاملة وواضحة أمامنا، لكن معرفتنا وإدراكنا لها، لم يكتمل. وهل ما عَلِمَه بولس عندما كتب الرسالة كان جزئي، وأقل مما نعلمه اليوم بوجود العهد الجديد في أيدينا؟ حيث أنه قال " لأَنَّنَا (أي الرسل أيضًا) نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ".
رابعًا: هل عندما اكتمل العهد الجديد، نرى المسيح وجهًا لوجه؟ وهل باكتمال العهد الجديد عرفنا المسيح معرفة كاملة كالمعرفة التي هو يعرفنا بها، بحسب العدد 12 " فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ"؟ لست أعتقد ذلك. وهل نضوج الرسل قبل اكتمال العهد الجديد، كان كالأطفال؛ وأما اليوم، بوجود العهد الجديد كامل لدينا، نحن أنضج منهم وكالرجال؛ لذلك لسنا نحتاج للمواهب؟ وذلك بحسب العدد "11 لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ."
خامسًا: هذه الفئة من المفسرين، تقترح قفزة في النص في العدد 12، فينسبون الشطر الأول، للزمن الذي لم يكن فيه العهد الجديد غير مكتمل، وهو " 12 فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ." فيقولون أنه باكتمال الوحي، عرفنا الرب وجه لوجه. لكن ينسبون الشطر الثاني للحالة النهائية، وهو "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ"، أي سأعرف المسيح كما عرفني. فعلى أي أساس عملوا ذلك الفصل أو القفز؟ وأين نقع نحن في هذا الفصل؛ فنحن بين الحالتين؛ أي بين فترة عدم اكتمال العهد الجديد؛ وبين مجيء الرب. ولماذا لا تكون كل الآية تتكلم عن الحالة النهائية الكاملة كما فسرت الفئة الأولى من المفسرين؟

كما قلت سابقًا هذا التفسير يواجه تحديات كبيرة وينعزل عن سياق نص الرسالة، ويطوعه ليخرج منه ما ليس فيه، بحسب رأيي الخاص؛ فهذه الفئة الثانية ظهرت فقط منذ مطلع القرن العشرين كرد على الحركات الخمسونية. فنفس لاهوتييهم القدامى لم يفسروا الكامل بالعهد الجديد أبدًا؛ مثل المشيخي ماثيو هنري (1662 – 1714 م)؛ والمعمداني آدم كلارك (1762- 1832 م)؛ كلاهما مثلا فسرا الكامل بالحالة الأبدية للكون، وليس بكتاب العهد الجديد. وأنا شخصيًا أتفع معهم وأرجح الرأي الأول، في تفسير الكامل بالحالة النهائية. لكن مشكلة الرأي الأول هو أنه لم يعطِ أي تفسير واضح لمعنى كلمة "الكامل". لذلك في هذا المقال سأقدم تفسيرًا جديدًا لمعنى كلمة الكامل، يتفق نوعًا ما مع الرأي الأول أعلاه؛ لكن يوضح المعنى. وأنا أؤمن أن المعنى الذي سأقترحه يقدم أكثر التفاسير تطابقًا مع سياق النص وسياق الرسالة بشكل عام.

الكامل هو الجسد السماوي

وذلك لأسباب كثيرة واضحة من سياق النص والرسالة:

أولا: إن الجسد السماوي هو ركن هام جدًا في الرسالة الأولى لكورنثوس، حيث فصَّل بولس حقائق كثيرة عنه، بعدها بإصحاحين؛ وتكلم عن القيامة والجسد السماوي، وكيف نلبس الجسد السماوي؟ ولماذا رتب الله جسدًا ترابيًا أولاً ومن ثم سماوي؟ راجع 15: 35-50.
ثانيًا: عندما تكلم بولس عن الجسد السماوي في نفس الرسالة، استخدم نفس الضمير الذي استخدمه في الأصحاح 13؛ فعندما قال في الأصحاح 15 " 53 لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ (تو فثرتون) لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ (تو ثنايتوس) يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ." استخدم بولس نفس الضمير "تو" الذي استخدمه في الأصحاح 13 (تو تيليون) لكلمة "الكامل".
ثالثًا: إن استخدام مشتقات كلمة "الكامل، تيليون" في نفس الرسالة، كان بمعنى "نهاية" "اكتمال"؛ مثل 1 " 8 الَّذِي سَيُثْبِتُكُمْ أَيْضاً إِلَى النِّهَايَةِ (تيلُيوس)..." أيضًا 15 " 24 وَبَعْدَ ذَلِكَ النِّهَايَةُ (تيلوس)..." فكلمة "الكامل" في الأصحاح 13، تعني مكتمل أو في الحالة النهائية؛ وهذا ينفي الرأي الثاني من المفسرين، ويثبت أن الوحي هنا يتكلم عن الوضع النهائي للمؤمنين.
رابعًا: إن تشبيه الطفل والرجل، يتكلم عن حالة المؤمن ولايتكلم عن الدهر الذي يعيش به المؤمن؛ فالطفل لم يكتمل نموُّه بعد، أما الرجل، فقد اكتمل نموُّه. وهذا يثبت معنى أن الكامل هنا هو الجسد السماوي؛ أي الصورة الموازية لنقص الطفل (الإنسان في الجسد الترابي)؛ وهي الصورة النهائية لما خططه الله لجميع المؤمنين الذين قبلوا يد الله الممتدة لهم من خلال خلاص المسيح، وانتقلوا من الجسد الترابي للجسد السماوي. فلو كان الكامل هو يوم الرب أو المجيء الثاني، فيكون لا يوازي حالة الطفل؛ لأن حالة الطفل تتكلم عني أنا، وليس عن الدهر الذي أعيش به؛ كذلك حالة الرجولة الموازية لكلمة "الكامل"، يجب أن تتكلم عن حالتي أنا، وليس حالة الدهر الذي أحيى به.

فيما يلي إعادة صياغة نص 1 كورنثوس 13، بشكل تفسيري، وتطبيق كلمة "الكامل" على الجسد السماوي فيه:
"8 اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. 9 لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. 10 وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الجسد السماوي فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ؛ لأننا سنكون كاملين فيه. 11 لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ، في الجسد الترابي، المائت، الفاسد. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً، في حالة الجسد السماوي، أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ؛ أي سيكون قد انتهى كل ما في حياتي في الجسد الترابي. 12 فَإِنَّنَا نَنْظُرُ للرب الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ في هذا الجسد؛ لَكِنْ حينما نلبس الجسد السماوي سنرى الرب وَجْهاً لِوَجْهٍ، فسنكون مثل المسيح لأننا سنراه كما هو (1 يوحنا 3: 2). الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ في الجسد الترابي؛ لَكِنْ حِينما نلبس الجسد السماوي، سَأَعْرِفُ الرب كَمَا عُرِفْتُ؛ لأنني سأراه كما يراني." 1 كورنثوس 13.

فنرى تطابقًا كاملاً في هذا النص، مع تفسير الكامل بالجسد السماوي؛ لكن في نفس الوقت، يجب أن لا ننسى خلاصة ما قاله الوحي من خلال بولس عن المحبة، بأن كل شيء زائل من هذه الحياة الأرضية، ما عدا المحبة التي ستظل معنا إلى الأبد. وذلك لكي يقنع المؤمنين على أهمية أن يعيشوا المحبة مع بعضهم البعض، ويكونوا شهادة لمحبة الله في هذا العالم الفاسد والزائل.
إن ما قدمته لتفسير كلمة "الكامل" في 1 كورنثوس 13، هو رأيي الخاص، ولست أدعي أن تفسيري هو الأفضل؛ لكن أتمنى أن يضاف هذا الرأي مع آراء اللاهوتيين الأخرين الأفاضل؛ لكي يساهم في بناء كنيسة الله الحي في هذا العالم.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا