أديث بياف في قطار الإنصاف – ثالثًا

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

قرأت في سيرة أديث پياف أن الغموض اكتنف حياتها ولا سيّما السنوات الأولى منها، ما أدّى إلى حَبك عدد من الأساطير حولها. ومعلوم أن حياة أيّة شخصية بلغت من الشهرة آفاقًا واسعة كشهرة پياف أثارت لدى العامّة فضول معرفة تفاصيل أخرى عن حياة الشهير-ة لعلّ أبرزها المواضيع الشخصيّة. لذا فغالبًا ما يتجنّب صاحب الشهرة أسئلة الصحافيّين، سواء المتعلّقة بحياته الخاصّة والمتعلقة بمواقفه غير المعلنة. بيد أنّ كل شخص، أيًّا كان، بحاجة إلى وقت كافٍ لدراسة الظروف المحيطة به وتحديد موقفه من أيّ ظرف. والظروف توصف أحيانًا كثيرة بأنها طارئة فلا يمتلك المرء عصًا سحرية لتحيطه عِلمًا بخلفيّات الطوارئ وأبعادها كي يسهل تشخيصها وتحليلها وإنصافها. وأديث پياف، مثلما أي إنسان حتى من غير المسلّط عليه ضوء ما، لم تلتمس من أحد تطويبًا ولا تقديسًا كي يسمح لنفسه بأن ينبش ماضيها وحاضرها وأن يتدخّل في رؤيتها وفي الصورة التي رَسَمَت لمستقبلها. فالفضول باستثناء المشروع منه مَقيت. ولتمييز المشروع من غيره يحتاج كل إنسان إلى فترة لمراجعة ماضيه وتهذيب أخلاقه، قد يطول أمدها. عِلمًا أنّ فيلم العام 2007 قد عكس اتّساع صدر پياف لمجاوبة الصحافية الباريسية التي حظيت بفرصة إجراء حوار معها في أواخر عمرها، ما أشرت إليه في القسم الثاني من المقالة.

المحطة الخامسة: مغادرة مبكّرة وصلاة متأخّرة

قد تنتهي الأساطير بانتهاء أصحابها، حيث إنّ "قد" هنا أداة تقليل وتوقُّع، لكنّ أسطورة پياف لن تنتهي وإن غادرت إلى السماء بعمر 47 سنة (11) إذ انتهت حياتها جسديًّا لا روحيًّا. وإذ يطلّ بين فترة وأخرى فنّان-ة لإحياء تراثها مؤكّدًا على حضورها بشكل لافت، أيًّا كان الزمان والمكان والحدث الطاغي على الساحة الفنية. وقد غادرت پياف وهي على قناعة تامّة بموهبتها وإنجازاتها، غادرت مزهوّة بالمحبّة، راضية عن ماضيها، غير نادمة على شيء. وهذا ما أكّدت عليه بأغنيتها (12) المسجَّلة خلال نوفمبر العام 1960 والتي استُخدمت كخاتمة في الفيلم الذي روى عن قصة حياتها عام 2007

لكنّ ما حزّ في نفسي ورُبّما في نفوس كثيرين هو رفضُ أسقف پاريس (13) الصلاة لراحة نفسها، شأنها شأن كلّ سيدة مسيحيّة راحلة؛ اعتراضًا على "أسلوب حياتها الصاخب" وبحسب تعبير الصحيفة الڤاتيكانية آنذاك: عاشت پياف "بحال من الخطيئة العلنية" علمًا أني قرأت عن سيرتها بأربع لغات، لم يأتِ محرّر إحداها بأيّ مثال متعلّق بالخطيئة المقصودة! وليست بي حاجة السفر إلى أبرشية پاريس للتحرّي عن الحقيقة، بعد أن تداركت الأبرشية موقفها إزاء پياف، وإن مرّ عليه زمن طويل. فأقامت الصلاة المطلوبة بمسقط رأس پياف في ذكرى مرور خمسين سنة على رحيلها، أي في أكتوبر سنة 2013

أمّا الشعب الفرنسي فقد قال كلمته المُنصفة والواضحة بدون تأخير! إذ خرج لتشييع پياف نصفُ مليون مواطن، في تجمّع لم تشهد له فرنسا مثيلًـا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق تعبير شارل أزنافور، إذ توقفت حركة المرور داخل العاصمة الفرنسية تمامًا يوم تشييع جثمانها. إنما وُدِّعت پياف في المثوى الأخير بصلاة، تفضّل بها الأب ثوڤينان دو ڤيلاريه مسؤول المسرح والموسيقى، لمنح پياف البركة الأخيرة، وسط حشد ضخم ضمّ أربعين ألف مشيّع-ة، منهنّ مارلينه ديتريش الفنانة الألمانية-الأميركية وهي إحدى صديقات پياف.

وفي اليوم التالي؛ قفز على سطح الحدث خبر لافت؛ هو رحيل جان كوكتو (14) الشاعر الفرنسي والروائي والمسرحيّ والفنان... وأحد أصدقاء پياف. قيل إنّه تعرّض لأزمة قلبية بعد سماعه برحيل پياف.

كلمة أخيرة

في البداية؛ أسأل الرب يسوع الرحمة والمغفرة للراحلة أديث پياف وكل راحل-ة ولا سيّما مَن ترك لغيره أثرًا إنسانيًّا صالحًا ونافعًا عبر التاريخ. أمّا الخطأة الذين أنا أوّلهم، فهنيئًا لمن قرع على صدره قائلًـا: {اللهُمَّ اٌرحمني أنا الخاطئ– لوقا 13:18} وقد ذكر الكتاب المقدّس: {إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله– من رسالة بولس الرسول إلى روما 23:3} عِلمًا أنّ الربّ يسوع قال: {لا يحتاج الأصحّاء الى طبيب بل المرضى. لم آتِ لأدعُوَ أبرارًا بل خطأة الى التوبة– مرقس 17:2} آمين.

¤ ¤

11 يعتبر رحيلها مبكّرًا، لولا المرض الذي ألمّ بها، وإذا ما قورن عمرها بأعمار نساء فرنسا حينذاك. وقد صعُب على الكاتب الحصول على حدود أعمارهنّ ومعدّلاتها خلال السّتّينيّات، لكنّ عمر المرأة الفرنسيّة تجاوز الثّمانين بحسب الإحصائيّات الحديثة نسبيًّا.

12 Non, je ne regrette rien (French)-  No, I regret nothing (English)
//www.youtube.com/watch?v=fFtGfyruroU
تغنّت بها أيضًا مواطنتها ميراي ماثيو والبلجيكية لارا فابيان، الموهوبة إذ غنّت بتسع لغات بنجاح، وغيرها. تُضاف إليهنّ أخريات من دول غير فرانكوفونية، مثالًـا: روسيا؛ ففي يوتيوب مقطع لهذه الأغنية بحنجرة إحدى الروسيّات، لكنّ پياف أطربتني بأغنيتها أكثر مِن سِواها.

13 Maurice Feltin (1883-1975) was a French Cardinal of the Roman Catholic Church. He served as Archbishop of Paris from 1949 to 1966 and was elevated to the cardinalate in 1953 by Pope Pius XII...- Wikipedia

14 Jean Cocteau (5 July 1889 – 11 October 1963) was a French poet, novelist, dramatist, designer, playwright, artist and filmmaker...- Wikipedia
وإليك أسماء الشخصيّات الأخرى باللاتينية، كما دُوِّنت في ويكيپيديا:
Le père Thouvenin de Villaret, Marlene Dietrich, Lara Fabian.

¤ ¤ ¤

أديث بياف

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
قد تُمسي بعض الصور باهتة اللون وقد يطويها النسيان، لأن الأثر الذي ترك أصحابها، من الجنسين، نقشوه بأدوات بائسة وفي لوح رخو تعرّض للتصدع والكسر والانهيار. أما الإيقونات فهي الصور المنقوشة بأفئدة نقيّة لا يغادرها
توقف القسم الأول من المقالة عند محطّتين في حياة أديث پياف؛ الأولى: الصدفة. والثانية: التمسّك بالصليب. وقد كان صليبًا بالمعنى الحرفي. أمّا بالمعنى الروحي فقد حملت هذه السيدة الموهوبة صلبانًا كثيرة متنوّعة
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader