مكانة المرأة عند السيد المسيح – ثانيًا وأخيرًا

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

إنّ المذكور في هذه المقالة من أقوال السيد المسيح وأعماله ومواقفه ومعجزاته وعجائبه هو غيض من فيض؛ لأنّ البشير يوحنّا، التلميذ الحبيب، كتب في نهاية بشارته: {وأشياء أُخَر كثيرة صنعها يسوع، إن كتبت واحدة واحدة، فلستُ أظنّ أنّ العالم نفسه يسَعُ الكتب المكتوبة. آمين – يوحنّا 25:21} وقد صنعها جميعًا بسُلطانه لأنّه {كلمة الله – يوحنّا 1:1} الذي {كلّ شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء ممّا كان – يوحنّا 3:1} فلا أريد الإطالة في موضوع السلطان ولا تكرار ما أسهبت فيه وأطنبت فيما مضى من مقالات روحيّة.

يسوع يحوّل ضعف امرأة إلى قوّة

لوقا 13: 10-13
وكان يعلّم في أحد المجامع في السبت، وإذا امرأةٌ كان بها روح ضعف ثماني عشرة سنة، وكانت منحنية ولم تقدر أن تنتصب البَتّة. فلما رآها يسوع دعاها وقال لها: يا اٌمرأة، إنّك محلولة من ضعفك! ووضع عليها يديه، ففي الحال استقامت ومجّدت الله.

يسوع يستشهد بامرأة لوط في طلب الخلاص

لوقا 17: 32-33
أذكروا امرأة لوط! مَن طلب أن يُخلِّص نفسَهُ يُهلكها، ومَن أهلكها يُحييها.
وقصد المسيح: من حفظ حياته يخسرها، ومن خسر حياته من أجلي يحفظها. متّى 39:10
ونقرأ أيضًا: فإنّ مَن أراد أنْ يخلِّص نفسه يهلكها، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلِّصها. مرقس 35:8
أنظر-ي أيضًا يوحنّا 25:12

يسوع يصنع المعجزة الأولى قبل أوانها طاعةً لأمِّه

يوحنّا 2: 1-11
وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل، وكانت أمّ يسوع هناك. ودُعي أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس. ولمّا فرَغت الخمر، قالت أمّ يسوع له: ليس لهُمْ خمر. قال لها يسوع: ما لي ولك يا اٌمرأة! لم تأت ساعتي بعد. قالت أمّه للخدّام: مهما قال لكم فاٌفعلوه. وكانت ستّة أجْران من حجارة موضوعة هناك، حسب تطهير اليهود، يسع كلّ واحد مِطْرَيْنِ أو ثلاثة. قال لهم يسوع: اٌملأوا الأجْران ماء. فملأوها إلى فوق. ثم قال لهم: اٌستقوا الآن وقدِّموا إلى رئيس المُتَّكإ. فقدَّموا. فلمّا ذاق رئيس المتكإ الماء المتحوّل خمرًا، ولم يكن يعلم من أين هي، لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء عَلِموا، دعا رئيسُ المتكإ العريس. وقال له: كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أوّلًـا، ومتى سَكِروا فحينئذٍ الدُّون. أمّا أنت فقد أبقيت الخمر الجيّدة إلى الآن! هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل، وأظهر مجده، فآمن به تلاميذه.

تنويه: المِطْر أو المِطريت اسم مكيال في اليونانيّة (هامش ترجمة الخوري يوسف داود) وفي هذا النَّصّ القصير نسبيًّا عِبَر ودلالات كثيرة فيستحقّ مقالة مطوَّلة. وفي تفاسير الآباء القدّيسين روعة في التحليل والتصوير. وقد حصل لي بالمناسبة شرف الإجابة على عدد من التساؤلات في مقالتي "حسم الجدل..." المذكورة في هامش القسم الأوّل من هذه المقالة. وفي ذهني عدد آخر متى أُسألْ أجِبْ عليه. مثالًـا: لماذا انفرد يوحنّا الإنجيلي برواية هذه المعجزة بصفتها الأولى؟ والجواب- من الكتاب كما جرت العادة: من يرجع إلى الأصحاح السابق، أي الأوّل، في إنجيل يوحَنّا يجد أنّ عدد التلاميذ لم يكن مكتمِلًـا في وقت صنع هذه المعجزة بل كان خمسة فقط (بتأكيد القدّيس يوحنا الذهبي الفم) فلم يكن مَتّى الإنجيلي من ضمنهم بعد. وسواء أنفرد هذا الإنجيلي أو ذاك بذكر حادثة ما أم اشترك في روايتها مع إنجيلي ثانٍ وثالث فإنّ معجزات المسيح جميعًا قد حصلت في النور، أي أمام شهود عيان، لم تحصل واحدة منها في الظلام- حاشا.

يسوع يقدّم الماء الحيّ لاٌمرأة سامريّة

يوحنّا 4: 7-16
فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماء، فقال لها يسوع: أعطيني لأشرب. لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا. فقالت له المرأة السامرية: كيف تطلب مني لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامِريّة؟ لأنّ اليهود لا يعاملون السّامِريِّين. أجاب يسوع وقال لها: لو كنت تعلمين عطية الله، ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب لطلبْتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حَيًّا. قالت له المرأة: يا سيد، لا دلو لك والبئر عميقة. فمن أين لك الماء الحي؟ ألعلّك أعظم من أبينا يعقوب، الذي أعطانا البئر، وشرب منها هو وبنوه ومواشيه؟ أجاب يسوع وقال لها: كُلّ مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا. ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوعَ ماء ينبع إلى حياة أبدية. قالت له المرأة: يا سيد أعطني هذا الماء، لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي. قال لها يسوع: اذهبي واٌدعِي زوجَكِ وتعالي إلى ههنا... إلخ

تفسير: تعبير "الماء الحَيّ" بحسب القديس أغسطينوس: (شائع لينابيع المياه التي تفيض بلا توقف، يقابله "الماء الميت" الراكد في البرك والمستنقعات ومخازن المياه حيث تتعرض للتلوث. يشير الماء الحَيّ إلى الروح القدس الذي يروي النفس ويحوّل قفرها إلى فردوس مثمر، ويغسل ما في النفس من دنس) وبحسب القديس يوحنا الذهبي الفم: (هذا هو الماء الذي عطش إليه داود. إذ تشتاق الإِيَّلُ إلى ينبوع تلك المياه، في المزمور 42، ولا تعطش إلى سُمّ الحيَّات. لأن مياه نعمة الروح حيّة، تُطهِّر الأجزاء الداخلية للعقل وتغسل كل خطيّة للنفس، وتطهّر عصيان الأخطاء الخفيَّة) انتهى

يسوع يكتب حياة جديدة لاٌمرأة زانية

يوحنّا 8: 3-11
وقدَّم إليه الكتبة والفريسيون اٌمرأة أُمسِكتْ في زنا. ولمّا أقاموها في الوسط. قالوا له: يا مُعَلِّمُ، هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم. فماذا تقول أنت؟ قالوا هذا ليُجرِّبوه، لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه. وأمّا يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بإصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطية فليَرمِها أوَّلًـا بحجر! ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وأمّا هُمْ فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكّتهم، خرجوا واحدًا فواحدًا، مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين. وبقِيَ يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلمّا انتصب يسوع ولم ينظر أحدًا سوى المرأة، قال لها: يا امرأة، أين هم أولئك المشتكون عليك؟ أمَا دانَكِ أحد؟ فقالت: لا أحد، يا سَيِّدُ! فقال لها يسوع: ولا أنا أدينك. إذهبي ولا تخطئي أيضًا.

تفسير: معنى {قالوا هذا ليُجرِّبوه} هو أنّهم أرادوا محاصرته من جهتين متقابلتين؛ فإن قال لهم "ارجموها- بحسب الناموس أي الشريعة" يقولوا له "إذًا أنت لم تأتنا بجديد وتاليًا فلستَ المسيح! وإن قال لهم "اتركوها" يكُن مجدِّفًا على الشريعة ومخالِفًا ليستحقّ هو أيضًا الرّجم! لكنّ يسوع أفحمهم إذ ليس مِن بينهم مَن هو بلا خطيئة لكي يرجم الزانية. وهذا النّصّ من الدلالات المؤكّدة على ألوهية المسيح إذ قال للمرأة {ولا أنا أدينك} أي أنّ في إمكانه أن يدينها إذا أراد، ومعلوم أنّ الدّيّان الوحيد هو الله، لكنّه لم يدن إنّما نهى عن فعل هذه الخطيئة مرّة أخرى، إذ {لمْ يُرسل الله ابنهُ إلى العالم ليدين العالم بل ليخلِّص به العالم – يوحنّا 17:3} أمّا أحكام الله القاسية والعنيفة في العهد القديم، ومنها الرّجم، فقد كانت لها ظروف خاصّة وأسباب متناسبة مع كثرة خطايا الإنسان القديم وبشاعتها، ما سبق لي تناوله فيما مضى. لكنّ أهمّ سبب لقسوة الله في رأيي هو لتطهير شعبه إذ كان المسيح القُدّوس مُزمِعًا أن يأتي من نسله. فلمّا أتى السّيّد المسيح صحّح المفاهيم القديمة وطرق العمل بالشريعة. فلم يعد للرجم محل من الإعراب منذ بزوغ شمس المسيحيّة.

يسوع يوصي بالتبنّي

يوحنّا 19: 25-27
وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمّه، وأخت أمِّه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدليّة. فلمّا رأى يسوع أمّه، والتلميذ الذي كان يحبّه واقفًا، قال لأمّه: يا امرأة، هُوَذا ابنكِ. ثم قال للتلميذ: هُوَذا أمُّكَ. ومِن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصَّته.
رأي - في تفسير القمّص تادرس يعقوب: يقول نيسيفورس أنّ العذراء مريم عاشت في بيت يوحنّا الإنجيلي أحد عشر عامًا في أورشليم. ورأى آخر أنّها ذهبتْ معه إلى أفسُس.

يسوع يتحنّن على المرأة ويزفّ إليها فرحة قيامته

يوحنّا 20: 14-18
 ولمّا قالت هذا التفتت إلى الوراء، فنظرت يسوع واقفًا، ولم تعْلمْ أنّهُ يسوع. قال لها يسوع: يا اٌمرأة، لماذا تبكين؟ مَن تطلُبين؟ فظنّت تلك أنّهُ البستاني، فقالت له: يا سَيِّد إن كنت أنت قد حَمَلتَهُ فقُلْ لي أين وَضَعْتَهُ، وأنا آخُذُهُ. قال لها يسوع: يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له: ربوني! الذي تفسيره: يا مُعَلِّمُ. قال لها يسوع: لا تلمسيني لأني لم أصعد بَعْدُ إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم. فجاءت مريم المجدليّة وأخبرت التلاميذ أنَّها رأت الرّبّ، وأنَّهُ قال لها هذا.

في ترجمة أخرى: فجاءت مريم المجدليّة وبشّرت التلاميذ أنَّها رأت الرّبّ. وأنَّهُ قال لها هذا.
تفسير: أطلق عدد من الكتّاب غير المسيحيّين شبهة على مريم المجدليّة بأنها "نجسة" ولهذا السبب قال لها يسوع {لا تلمسيني...} متجاوزين جميع تفاسير الآباء القدِّيسين لهذه الآية. فردًّا على تلك الشبهة من بين ردود كثيرة؛ رأى القديس أغسطينوس: (لتأكيد قيامته؛ سمح لتلاميذه أن يلمسوا آثار المسامير والجراحات، كما ورد في الإنجيل بحسب لوقا 39:24 كما سمح للنسوة أن يمسكن قدميه ويسجدن له في الإنجيل بتدوين متّى 9:28 أمّا بالنسبة للمجدليّة فرُبّما لأنها ظنت أنّه قام كما سبق، إذ أقام لعازر ليعيش معهم على الأرض، لذلك طلب منها ألّـا تلمسه بيديها بل بقلبها، لتكرز بقيامته وصعوده إلى السماء. فإنه لم يقُمْ ليؤسّس له مملكة أرضية، بل ليصعد، ويقيم مملكته في القلوب. لقد سبق فهيّأ أذهان التلاميذ قبل صلبه أنه يصعد إلى السماء، لذا لم يرد أن تتحول بهجة قيامته إلى شوق نحو بقائه معهم على الأرض) أمّا القدّيس جيروم فقد أجاب على التساؤل التالي: كيف يتفق ما جاء في يوحنّا 17:20 "لا تلمسيني" مع ما ورد في متّى 9:28 "فتقدَّمَتا وأمسَكتا بقدَمَيه" فقال القدّيس: (في الحالة الأولى فشلتْ مريم المجدلية في التعرّف على لاهوت ربّنا يسوع، أمّا في الحالة الثانية تعرّفتا عليه، ولهذا نالتا الامتياز الذي حُرِمَت منه مريم المجدلية أوّلًـا) والمزيد في تفسير القمّص تادرس يعقوب. وقد سمِعتُ أحد الكهنة المعاصرين يقول ما معناه: (لا تلمسيني لأني باقٍ فترة على الأرض، قبل صعودي إلى أبي، يمكنك لمسي خلالها، لكنّ الأهمّ الآن أن تُسرعي إلى التلاميذ لتُبَشِّري بقيامتي) انتهى

أخيرًا ولعلّ خير ما أختم به هذه المقالة هو المقتطفات التالية الواردة بوضوح في الكتاب المقدّس؛ لقد خلق اللهُ الإنسانَ ذكرًا وأنثى على صورته (تكوين 27:1) كي يكمّل بعضُهما بعضًا، ويصيرا جسدًا واحدًا (متّى 5:19 و1 كورنثوس 16:6 وأفسُس 31:5) فإنّ الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرّبّ (1 كورنثوس 11:11) فبماذا يفتخر الرجل وبماذا تفتخر المرأة؟ إنّما {مكتوب: مَن افتخر فليفتخر بالرَّبّ – 1 كورنثوس 31:1 و 2 كورنثوس 17:10} في إشارة بولس الرسول إلى قول الرّبّ في إرميا 9: 23-24 وقد قال الرّسول: {وأمّا من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلّـا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم} - غلاطية 14:6 آمين.

¤ ¤ ¤

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
إنّ الباحث عن مكانة المرأة في المجتمَعات القديمة والحديثة يجد لها آثارًا متنوّعة في مجالات شتّى. يجد المرأة إلهة بين آلهة وثنيّة، ونبيّة بين أنبياء، وملكة بين ملوك، ووزيرة وقاضية...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader