دخلت الناصرة متخفياً لأرى احوال اهل بلدي في عيد ميلادي. اعارني صديق وفيّ سيارته لأصل الى مركز البلد. فطفت وطفت فلم اجد مكاناً لأوقفها. تذكرت ما قصته لي امي عن عدم ايجاد مكان لها، لعمي يوسف ولي (وكنت في بطنها) في بيت لحم. وعلى ذكر امي مريم- تخيّلت كم كانت لتسعد لو اتت معي للناصرة اليوم. كم تحب الناصرة وتذكرها حتى اليوم وتتمنى ان يزيد حب اهلها لي. لو اتت معي لكان هذا نوع جديد من حق العودة.

على اية حال- اضطررت ان اجد حلاً للسيارة فاجترحت معجزة صغيره فجعلتها تختفي لريثما اقوم بجولتي مشياً على الأقدام. احد المارة فغر فاه وكاد يُغمى عليه حين تلاشت السيارة من امامه. لربما ظن انها من علامات اعلان آخر الدنيا التي يطلقها بعض الجهلة...

لبست ملابس رثة ولم يعرفني احد من سكان بلدي مما اتاح لي معاينة الامور عن كثب. رغم الأجواء الباردة غير ان الحركة نشطة. الناس تسير زرافات زرافات . انها تبدو سعيدة ولكني ارى ان تحت الوجوه الباسمة يستتر همّ وضغط وتوتر.

تجد في كل زاوية شجرة سرو مزيّنة. ارادوا ان يعلنوا بواسطتها الربيع والحياة ولكنها ذكرتني بالشجرة التي اقتطعوا منها خشب الصليب. صليبي هو الحياة وهو ربيع الحياة ولم تكن هناك ضرورة لزينة عليه فمحبة ابي للبشر كانت الزينة.

كما رأيت الاولاد والكبار يلبسون لباس بابا نويل. فما ان يظهر بابا نويل هذا حتى يفرح الكل. عرفت السبب فهو يحمل في جعبته هدايا. البعض يسميه "شيخ العيد" ايضاً. لماذا نحتاج شيخاً للعيد وهناك رب للعيد هو طفل الميلاد؟ هل سخاء بابا نويل هو رمز لما احضرته انا في ميلادي من هدايا للبشر؟

سمعت صخباً فوجدت جمهوراً في قاعة مزيّنة يحتفلون بالعيد. مجموعة مرموقة من الشخصيات كانت تلقي الخطابات الواحدة تلو الاخرى. اصغيت لكلماتهم فسمعت كلاماً منمّقاً عن السلام. تذكرت اجواء ميلادي في بيت لحم والتي كانت خالية من السلام. هيرودس يلاحقنا فيضطر اهلي للهرب فاصبح لاجئاَ في مصر. ثم هيرودس يقتل الاطفال بالجملة في بيت لحم.

اصغيت أكثر فوجدت ان المتحدثين لا يذكرون اسمي. هل هو عيد لشخص آخر؟ لربما عيد الحانوكاة؟ أم عيد قبيلة المآيا؟

مررت بجانب البيوت في المنطقة القريبة لسكني خلال وجودي على وجه الأرض. رأيت ربات المنزل تنظفنّ البيوت وتطبخنّ وترتبنّ الموائد تحضيراً لليلة العيد.

روائح الأطعمة تسيّل اللعاب. لم يتغيّر شيء، فنساء الناصرة تصنع اشهى المأكولات تماماً قبل الفي سنة. لاحظ البعض اني لست من سكان البلد لكن لم يعرض عليّ احد ان انضم واتعشى معه. لربما ملابسي الرثة اثارت حفيظتهم. ظننت انهم سيتعرفون عليّ. ألست ابن البلد وأليس هو عيدي أصلاً؟

بحثت عن الذين يعيّدون العيد بحسب قلبي. وجدت مجموعات في اكثر من كنيسة ترتل وتصلي وتتذكر ميلادي. وجدت افراداً من كل طائفة ودين تمجد الطفل المولود.

وجدت آخرين يبحثون عن الارملة واليتيم والمريض لكي يسقونهم كأس ماء بارد باسمي. فرحت بهم. جلست معهم طويلا وعرضوا عليَ ان انضم معهم لاحتفل في ليلة العيد فاعتذرت وقلت لهم اني سأقابلهم قريباً في عشاء آخر- عشاء عرس الخروف. رأساً عرفوني وعندها اختفيت عن انظارهم.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا