أحيانًا كثيرة أريد أن أصرخ مع الكثير من المرضى الذين أعالجهم وخصوصًا الأطفال منهم، ومنهم من أصبحوا أمهات، حين يتحدثون إليّ عن التربية التي تربوها وعن أولويات الأهل وأساليب التربية التي عاشوها.
إني أشعر بالأسى أن تتحول خبرة عشرين عام من عمرنا إلى أسوا أيامنا، وللأسف، تلك التي تحفر فينا كثير من الآلام وتضع فينا معلومات خاطئة عن أنفسنا وعن الحياة وعن الآخرين.

قد خلق الله كل منا على حدة، كما يبدع الفنان بوضع جزء خاص منه في عمله، فنحن نمثل جزء من إبداع الله، أي قطعة منه وضعت فينا، إن جاز التعبير، فعلينا أن نسأل الله كيف نتعامل مع هذا الإبداع الذي وضع بين أيدينا ونصونه ونراعيه.

لست أتحدث اليوم لأزيد من حمل مسؤولية التربية الموضوعة على عاتقنا، بل لأخففه، ولأقول لكل أم وأب أن هناك من أبدع في صنع أطفالك، وهو يريدههم كما خلقهم بالحب، الله يريد أن يقودك ويعلمك كيف ترعاهم وتربيهم. فإذا نظرنا إلى العلاقة التي يقيمها الله مع الانسان سنرى ذلك الحب والابداع.

التربية هي قيادة وهي تدريب على الحياة وهي علاقة حب أيضًا. القياده تعني أن شخص سار قبلي ويقودني. عندما نتأمل في سفر إشعياء، نجد كثير من هذه الصور التي تخبرنا عن الله الراعي، كصورة الراعي الذي يحمل العصا لتعليم الخراف ويقضي معهم معظم الوقت. إن علاقة التدريب تعني أن يكون الأهل مرشدين وموجهين لأولادهم (coach). وفي تلك الصور الكتابية نجد علاقة حب وحنو واحتواء وتعليم وتدريب.

التربية ليست "خناقة" للإثبات أني على حق وهي ليست "مبنية على الخوف" الذي هو عذاب وهي ليست "شحنات غضب" أحاول تفريغها في أطفالي فأضربهم زاعمًا أنّي أربيهم.
فان احتجت العصا فللقيادة، وإن استخدمتها فبحنو وبهدف الإعداد والتوجيه وتقويم الاتجاه. إن ما يضمن سير الخراف وراء الراعي (أي طاعة الاطفال)، في كثير من الأحيان، تلك العلاقة بالراعي، (أي العلاقة بالأهل).
إنّي أرى أن الأب والأم الحقيقيين، اللذان يعيشان حياتهما بصدق، لا ينكران ضعفهم بل يقبلانه ويحاولان إحداث التغيير في حياتهما، وهذا مثال جيد لذلك المُرشد المُدرّب (coach).

إن الأب والأم اللذان يقيمان علاقة لها قواعد مثل الاحترام المتبادل واحترام الحدود والفهم المتبادل المبني على محاولة التواصل الجيد مع أطفالهم، فانهما يعتنيان بإبداع الله.
إن الأب والأم اللذان يستمتعان بهذه العلاقة مع الأطفال ويشعرانهم بها، ويوضحان لأطفالهم أنهم مهمون وذوي قيمة، فإنهما يتحدثان بكلام الله مع أطفالهما.

إن الأب والأم اللذان يحاولان التعلّم والقراءة وبذل المجهود النفسي لفهم أولادهم ومحاولة الوصول لحلول للمشاكل التي يعاني منها اولادهما، فإنهما يقومان بدورهما كما ينبغي.

إن الأب والأم اللذان يبكيان امام الله في الصلاة عندما تقفل كل أبواب التواصل، ولا يستطيعان أن يغيرا عيوب أطفالهما، إنهما لا يصليان لكي يتعامل الله معهم فحسب، ولكن ليغيرهما ويعلمهما ويعطيهما قلبه تجاه أطفالهما حتى يكملا المشوار معهم، فإنهما لا يصليان من أجل الهروب من أطفلاهما بل من أجل التقرّب منهم.

أحيانًا كثيرة أشعر أن الله خلقني ولم يهملني. فحين أتذكر طفولتي، التي لم تكن كما يجب، أشعر أن الله لم يتركني للحظة، فهو أبي و أمي وهو مبدعي وصانعي. لم يتركني الله ولم يطلب ذلك منه أحد، بل اعتنى بي لأني انتمي إليه. فعندما أعطاني الله لأهلي لم يتركني لهم وحدهم، بل كان هناك من أجلي لأن له عهد معي أنا مهما صغر حجمي، فقد قال "لا أهملك ولا أتركك".
وأظن أني لست حالة خاصة بل هذا الله الذي أعرفه وهو يقيم هذه العلاقة الخاصة مع كل من خلقهم، فنحن نؤمن أننا قد صُنعنا بالحب، ولا نجعل التطوّر في العلم يفقدنا ذلك الإيمان. إني أظن أن ما يحتاجه أطفالنا في التربية أن يروا فينا هذا الحب المميز، الذي يراهم كجزء من إبداع الله، ويتطور ذاك الحب ليربيهم بعصا التقويم ويؤدبهم بحزم، ولكن بكل احترام بوجود هذه العلاقة الإلهية.

ان اختلافنا و نحن متساوون لا يجعلني أسيء معاملتك او انقّص من قيمتك، ليس لأنه لدي القوة الجسدية والنفوذ استطيع ان استخدمهما.

نحن في علاقة حب وتواصل، فكما مات المسيح على الصليب ليعيد علاقة الإنسان بالله، وذلك لأنه مدركٌ أن هذه العلاقة هي سر حياة الإنسان، فيجب أن ندرك أن علاقة الأهل بالطفل هي سر حياة الطفل، وهي التي تجعله ينمو صحيحًا كما يريده الله أن يكون. فالعلاقة مع الطفل هي حجر الأساس في التربية، هي الحبل السري النفسي الذي من خلاله نرسل الحب للطفل، ونجعله يتقبل صورته الذاتية، ونطوّر لديه رأيه في الأخرين، ومن خلالها أيضًا نُعلّم الأطفال، لأن الناس جميعًا، أطفالاً وبالغين، يتعلمون ممّن يحبونه أكثر. فإننا نستطيع من خلال هذه العلاقة أن نضع الحدود أيضًا، فإن كان الطفل يحبك وفي علاقة معك فهو يثق أنك تحبه، حينئذٍ يصبح قبوله للحدود والقواعد أسهل.

لا يجب أن نكون راضين عن أطفالنا كل الوقت بل نستطيع أن نعبر عن غضبنا وعدم رضانا ورفضنا للكثير من التصرفات، ونستطيع أيضًا أن نعاقب، ولكن في إطار تلك العلاقة التي تحمينا من ان ننتقم من الأطفال أو أن نسيء إليهم، إنها تحمي حقهم في نيل الاحترام المتبادل، فالعلاقة التربوية تحرس الأطفال من إيذائنا لهم.
نعم، يتفاوت الأطفال في الطاعة لكن تبقى العلاقة أسهل الطرق للتربية. دعونا ننظر لأنفسنا، فنحن نسمع لمن نحب ولمن نثق في حبه لنا ولمن يرانا جميلين ويحترمنا ويفهمنا ويقدرنا ولمن يعرف كيف يخاطبنا بلغتنا.

تواجه الأهل بعض الصعاب في صناعة تلك العلاقة، التي تكاد أن تكون محورية في التربية. أولى الصعاب أننا أحيانًا لا نعرف ولا نستطيع أن نتخيّل أن الطفل الصغير هو كائنٌ مثلنا لديه مشاعر وإرادة وهو كامل وغير ناقص مع أنه يحتاج أن ينمو، لكن لا لأن يصير أنسان، فهو انسان منذ ولادته، وربما منذ أن حُبل به في بطن أمه. إننا نفضل طريقة مارثا في إظهار الحب وليس طريقة مريم، أي أننا نريد أن نفعل الكثير، ويصعب علينا أن نصمت ونُراقب لكي نفهم أطفالنا، أو أن نقضي الوقت معهم في اللعب الذي يبدو أقل أهميه من التنظيف أو إعداد الطعام أو العمل أو الدراسة. إننا نتوارث ذلك التوجه جيل بعد جيل كما ذكرنا، في المقال السابق (صراع الامومة)، فالأولويات لدى جميع الأهالي هي أن يطعموا أطفالهم ويعالجونهم ويدرسونهم، وليس ان يحبونهم ويدلعونهم ويفهمونهم ويلعبون معهم لصنع هذه العلاقة.

لا اريد أقلل من دورنا كأهل أو من مجهودنا، لكن يجب أن نعرف ماذا نفعل في اسلوبنا في التربية وأين تُستثمر مجهوداتنا في التربية؟ إن كنا نضع مجهودنا الكامل في تسديد الاحتياجات الجسدية والاهتمام بنجاح الطفل، فعلينا أن نعي أن لدى هذا الطفل جانب آخر مهم، يحتاج أن يُستثمر فيه هو علاقتنا بالطفل وهذا الجانب هو طريقنا إلى التربية القويمة. نعم، يحتاج الطفل أن يأكل أكلاً صحيًا، وأن يُعالج جيدًا وأن يرتدي ملابس نظيفة وأن يكون شعره مصففًا، لكن يحتاج أن نراه ونحبه ونكلمه عن جماله وعن هويته الشخصيه أيضًا. فأحيانًا ندلل ونحب أحيانًا أخرى نعاقب، أحيانًا نحتضن طفلنا ونحميه وأحيانًا ندفعه لمواجهة الحياة أكثر وأخرى نبكيه لأننا نرفض أن نعطيه ما يريد.

إن ما يضمن لنا أننا على النهج السليم، هو مدى علاقتنا بطفلنا؛ هي علاقه ذات ضوابط في طريقة التحدث وفي العقاب، وفي تنفيذ الاتفاقيات، ومنها يعرف الطفل أنه يعني لي الكثير، فأنا كأم لدي الوقت الخاص بي مع كل من أطفالي. فأنا أراه، وأحاول أن أفهم شخصيته وطباعه، وما يحب وما يكره. وأحاول أن أحدثه عن نفسي، فهو يعرفني ويستطيع أن يقترب ليعرف من أنا وكيف أفكر وماذا أحب؟

لن استطيع أن أوضح أهمية هذه العلاقة بالعلاقة التربوية ودورها في جعل هذه الوظيفة مريحة ومصدرًا للبركة لكلا الطرفين، ولكنني أريد أن أشير إلى أن العلاقة التربوية السليمة تجعلنا أسوياء بدرجة كبيرة فإن شكل العلاقة الخارجي يطابق ما يتكون في داخل الطفل ويطابق علاقته بنفسه. ففي المستقبل، ذاك الطفل الذي رآه والداه بعيوبه وبمحاسنه، وقبلاه ولم يحاولا تشكيله كما يريدان، وأحباه وأشعراه بمدى أهميته، واحتوياه واحترماه وشجعاه أن يقدم أفضل ما لديه دائمًا ولا أن يدخل في مباريات المقارنة مع الآخرين، وقالا له "لا" في ما يتعلق بالأمور الخاطئة والمضرة وسامحاه عندما أخطأ، وعلماه أن الحياة رحلة تعلم وتغيير، وصبرا عليه وشجعاه، وقد رآهما (أي الطفل) وهما يحاولان التغيّر ويقبلان النقد أحدها من الآخلا ومنه، ويعتذران أحدهما من الآخر عن الحاجة، ذاك الطفل سوف يستطيع فعل الشيء ذاته مع نفسه، وهذا هو ما نسعى إليه في تربيتنا لأطفالنا، أن يقبلوا انفسهم ويحبونها ويسامحونها ويضبطونها عند الحاجة ويقبلون التغيير.

ما أريد أن أتركه مع كل أب وأم هو أن الوقت الذي تمضيه مع طفلك محاولاً الاقتراب منه وتفهمه وتقريبه إليك قد يكاد يكون الاحتياج الوحيد لدى الطفل، فهو احتياج لا يستطيع تسديده أي أحد آخر أو أي شيء، وهو الاحتياج الأساسي لبناء علاقة سوية للطفل مع نفسه.

ابدأ بتخصيص وقتٍ محددٍ مع طفلك بشكل يومي، حتى وإن بدأت بفعل ذلك كواجب، فمع الوقت سترى الفرق.
المقال القادم سيكون بعنوان التربية والجينات.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا