لا أستطيع أن أنسى تلك الأم التي دخلت تبكي وتقول: "أنا مؤمنة وأخذت دورات كثيرة في شفاء النفس وساعدت كثيرين ولا أستطيع أن أتحكم في ما أفعله مع ابنتي، فألومها كثيرًا، وألقي أمامها محاضرات عمّا يجب أن تفعل. وعندما تخطئ أتحوّل إلى وحش ينقضّ عليها وهي لم تتجاوز الثانية من عمرها. وأعرف جيدًا وقرأت أن هذه التصرفات مؤذية للطفل لكن لا أعرف لماذا أستمر بتلك التصرفات رغم ندمي الشديد عليها."

من أين أتت تلك الأم بكل هذا الغضب؟ فهي تشعر أنها منساقة لفعل شيء لم تختاره وليست مقتنعة به وتدرك أنه مؤذٍ لطفلتها لكنها تقوم به مرارًا و تكرارًا.

نعم، إن كان الزواج يرينا بعضًا من عيوبنا فإني أرى أن الأمومة أو الأبوة تحدٍ أكبر نرى فيه أمورًا في أنفسنا لم نكن ندرك أنها موجودة أصلاً، ونجد أنفسنا أمام تحدي التغيير الحقيقي الذي لا نستطيع مواجهته أحيانًا فنهرب مختبئين تحت مسميات كثيرة.

تعاني الكثير من الأمهات، كتلك الأم، من ذاك الصراع الداخلي بهدف أن تصبحن أمهات أفضل لأطفالهن. 
فنجد أُمًا تركت عملها وحياتها الخاصة لتعطي كل وقتها لطفلتها مُعتقدةً أن هذا ما تحتاجه طفلتها. فتريدها أن تكون سليمة نفسيًا، تريد أن تعطيها كل احتياجاتها بلا  تقصير. 
وأم أخرى لا تريد أن تُحزن طفلتها أبدًا، لا تريد أن تراها تبكي وتفعل أي شيء، وإن كان خطأً، لكي لا ترى دموع طفلتها. 
وأخرى تسعى لتعمل في أحسن الوظائف ذات الراتب الكبير وتريد أن تسدد به كل احتياجات أطفالها المادية وتجعلهم يتعلمون في المدارس العالية المستوى. 
وتلك التي تظن أن إطعام الأطفال ونظافتهم هما الاحتياجان الأساسيان فتهمل أي احتياج آخر. 
وأخرى تظن أن على اولادها الذهاب الى دور العبادة وحفظ الكتب المقدسة وذلك يكفي لكي تكون أُمًا أفضل. 
وتجد بعض الأمهات في علاقتهن بأطفالهن تسديدًا لاحتياجاتهن العاطفية التي أهملها أزواجهن. 
وأم أخرى تريد أن تشعر بأهميتها في الحياة فتقوم بهذا الدور من ذلك المنطلق. وأخرى تشعر أن الأطفال عبئٌ كبيرٌ عليها فتستأجر من يقوم بهذا الدور مكانها، أو تترك أطفالها لأجدادهم الذين لا يستطيعون أن يحملوا عبئ التربية من الناحيتين الجسدية والنفسية، مع كل احترامي وتقديري لدورهم.
وأخرى فقدت والدتها عندما كانت صغيرة ولا تريد أن يتألم أطفالها كما تألمت، فتقدم لهم أمومةً تكاد تكون مثالية أو أمومةً كتلك التي كانت تحلم بها.

وكأننا نُجيب على أسئلة داخلية ونحاول أن نُسعد طفلنا أو أن نتعامل مع طفلٍ آخر ليس هذا الطفل الذي ولدناه. إن الأمومة التي تتبنى هذا التوجّه تتعامل مع طفلنا الداخلي وتحاول أن تسدد احتياجه أو تحاول أن تخاطبه، لكنها ليست موجهة للأطفال فحسب بل نحن نقوم بهذا النوع من الأمومة لكي نعوض ما نقص في طفولتنا ولنتعامل مع ما حدث لنا في الماضي.

إن في داخلنا طيار آلي يريد أن يكون أبًا أو أمًا لأطفالنا، وقد تمت برمجة النظام الذي يُحرك ذلك الطيار الآلي عن طريق أهلنا أو من قاموا بتربيتنا، الذين قد لا نتفق مع أفكارهم في التربية وطرقهم واختياراتهم بل بالحري قد نراها في قمة الخطأ.
وواجبنا قبل أن نقوم بهذه المهمة الصعبة التي تُدعى الأمومة أو الأبوة أن نكتشف ما هو شكل الأمومة والأبوة في ذلك الطيار الآلي الذي في داخلنا لأننا لا نستطيع ان نتعامل مع أي شيء إن لم نفهمه. فإننا نلاحظ أننا نقول كلمات ونفعل أمورًا لا نعلم مصدرها، وأننا نتصرف بانفعالٍ لا تتناسب شدّته مع عمر أطفالنا أو مع ما يرتكبونه من أخطاء. وهنا يجب أن نتسائل، من أين أتت هذه الانفعالات؟ وما مصدر الخلاف الذي ينشب بيننا وبين أطفالنا؟ أهو أمر جديد أم هو ذاك الخلاف القديم الذي كان بيننا وبين أهلنا؟

كلنا لا نريد أن نعطي أطفالنا ما لم نختاره أو ما قد ورثناه في داخلنا ووجدناه فينا. لا نريد أن نترك أنفسنا عبيدًا وفرائس لذلك الطيار الآلي فيقودنا حيثما يشاء، فنجد أنفسنا نقول كلمات لم نختارها أو نفعل أمورًا لم نقصدها.

إني أرى أن أول دورٍ يجب على كل أمٍ وأبٍ أن يقوما به هو الملاحظة المدققة في هذا البرنامج الداخلي الذي وُضع فينا بواسطة والدينا وبواسطة طريقة تربيتهم لنا.

إن الصعوبة في ذلك تكمن في درجة استعدادنا للنظر إلى أنفسنا ولرؤية عيوبنا، وفي مدى استطاعتنا على مواجهة أنفسنا والاعتراف أن لدى أهلنا مشاكل وعيوب، ولكن دون أن نكتفي بمعرفة عيوبهم ومشاكلهم وبالغضب منهم، بل أن نكون على استعداد لنواجه ونغضب ونكره ونسامح ونتعلم ونتغيّر.

فمثلا إذا لاحظت في هذا البرنامج  أنك تطلب من طفلك أن لا يخطئ وتتوقع أن يكون ذلك اختيارًا تلقائيًا (default) يقوم به الطفل (وذلك ما تتوقعه من نفسك وهو حتمًا ما توقعه أهلك منك)، فعليك التعامل مع ذلك لتعرف أن الإنسان لم يصنع هكذا بل يقول الكتاب المقدس أن الإنسان يخطئ حتى وإن عاش يومًا واحدًا فقط. لا يعني ذلك أن نمنح أطفالنا الضوء الأخضر ليخطئوا، بل أن نفهم أنفسنا وأطفالنا وأن لا نضع عليهم ضغوطًا غير واقعية لمجرد أنها وُضعت علينا في الماضي.

إن المفتاح هو النظر بصدق في داخلنا وفي داخل أهلنا وملاحظة ما نفعل مع أطفالنا.

لا أستطيع أن أصِف لكم التغيير والتأثير الممكن ملاحظتهما لديكم أو لدى أطفالكم حين تعون وتختارون الأسلوب التربوي الذي تتبعونه.

فدورنا ليس البحث في هذا الطيار الآلي فحسب بل اختيار ما يناسبنا من طرق التربية الحديثة وتعلمها. ينبغي أن نختار بوعي وإلاّ سيدفعنا ذاك الطيار الآلي أن نكون نسخة من نظامٍ قد يكون خاطئًا.

دعونا لا نتأرجح لكي لا تكون تربيتنا لأطفالنا ناتجةً عن ردود أفعال بل نابعةً من اختيارات واعية وواضحة.

سأصطحبكم في رحلة عبر المقالات القادمة وسأحاول فيها أن أقدم أفكارًا وتعليمًا عن بعض ما أراه مفيدًا في التربية ولازمًا لها.
وسيكون موضوع المقال الآتي: ما هي التربية؟ أتؤثر التربية في الأطفال أم تؤثر فيهم الجينات؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا