إن العالم اليوم يعاني من أزمة حقيقية تتعلق بالمال، فلا تخلو أي شاشة أخبار من مؤشرات البورصة وتداول العملات المحلية والعالمية. إن الأقتصاد العالمي بشكل عام ينهار، وذلك بسبب المال.

إن أكبر مشكلة يواجهها الإنسان فقيراً أم غنياً هي المشكلة المادية التي تتعلق بالدخل والأرباح والأستهلاك، وإقتصادنا اليوم لا يختلف كثيراً عن الأوضاع الأقتصادية قبل ألفي عام، فعندما تكلم يسوع عن محبة المال واصفاً إياه كسيد، لم يقصد المجتمع الذي كان يعيش به فقط، بل إنما الغريرة الإنسانية الطامعة والطامحة نحو الغنى المادي.
وموضوع المال أصبح اليوم هو الشاغل الرئيسي لعقل أي إنسان بسيطاً كان أم ثرياً، فالبسيط يسعى لدخل أفضل من المال لكي يحسن ظروفه الحياتيه، والثري يطمع لزيادة مدخولاته الربحية طمعاً في زيادته غنى. إن هذه الغريزة الطمعة ليست خليقة الله الحسنة، بل هي وليدة ونتيجة للخطية التي أدت بنا للسقوط.

كثيرة الدول التي بها مجاعات وقامت بها ثورات وأنهارات لها حكومات لخلافات حول الأقتصاد - المال – فهو أساس السلطة كما يعتقدون، وكثيرة المذاهب السياسية والدينية أيضاً ظهرت نتيجة للمال، فمنهم من يدعو لفصل الدين عن الدولة، ليس بشكل سياسي أو عقائدي فقط بل أيضاً لأسباب مادية.

إن طمع الإنسان للمال جعله يقتل أخوه الإنسان، وأن يهمله، مخالفاً بذلك الوصية العظمي ".. أحب قريبك كنفسك ". ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تجرأ الإنسان على الله فسرق عشوره، كما يقول الرب في : زكريا 3: 8
" أيسلب إنسان الله ؟ فإنكم سلبتموني. فقلتم : بم سلبناك ؟ في العشور والتقدمة... ". لا بل أيضاً تجرأ الإنسان على أن يقدم الله الإبن للقتل لأجل المال كما فعل يهوذا الإسخريوطي.

والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه الأزمات يجب أن تحل بعيداً عن الكتاب المقدس، وبشكل رياضي إقتصادي بحت؟ أم يجب أن ندرك بأن الله هو الذي يتحكم بالعالم، فهو يملك الحل الوحيد والأكيد لحل مثل هذه الأزمات إما على المستوى الفردي أو العام ؟

والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه أيضاً: هل يجب علينا نحن كمسيحين ان نبغض المال؟ هل أراد لنا الله أن نعيش فقراء معتازين؟

إن الله في كتابه المقدس قدم لنا، مبادئ رئيسية وفعاله لتساعدنا على حل المشاكل التي نواجهها، وما علينا إلا أن نتوجه إليه ونقترب إليه بالصلاة وقراءة كلمته ليتكلم لنا مقدماً نصحه لحل هذه المشاكل.

فالكتاب المقدس والرب يسوع المسيح تكلم في عدة مواقف عن قضية المال – محبته وأهميته – وبالتالي نستعرض كل أيه، مقدمين لها تأملاً بسيطاً :

لعل أبسط الأمثال الذي يمكن أن نستخدمها، هو قصة الشاب الغني في متى 19: 16.
 إن بصيرة الرب يسوع المسيح جعلته يرى كم هي محبة هذا الشاب للمال وغناه، حتى أنه فضله على تبعية يسوع المسيح، وفي هذه الأيات يسوع لا يرفض الغني وأنما يبغض حبه للمال، ولإدراكه ذلك خيره بين تبعيته وأمواله، وإن الآيه 23 : لا تقصد صعوبة دخول كل إنسان غني للملكوت، إنما كل من يفضل ماله على الملكوت، فهناك الكثير من الأغنياء الذين يسخون بأموالهم على الله من خلال العشور والتقدمات ودعم الخدمات المسيحية في العالم. وهنا يمكننا القول :
" الرب يجب أن يكون الأولوية في حياتنا حتى لو أراد منا أن نقدم أموالنا له، لكي لا نجعل المال سيداً في حياتنا وإلهاً. كما يقول الرب في متى 6: 24 " لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الأخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الأخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال. ". لأنه محبة المال عندما تطغو على الإنسان تجعله كالعبد لها، وقد يتنازل على أفضل الفرص في حياته للتقرب لله بسبب المال، كما في قصة الشاب الغني. فنرى الإنسان عندما يجعل المال أولوية في حياته قادراً على التضحية بعائلته وأولاده بقضاء الوقت معهم ليس فقط مع الله لأجل زياده ثرائه. بل وأيضاً قد يؤدي به الأمر لأرتكاب خطايا في حق قريبه الإنسان. فيمكننا أن نرى مثلاً واقعياً اليوم في حياتنا من خلال قادة المافيات ورؤساء شركات تصنيع وبيع الأسلحة الذين لا يفكرون بمدى الخطر الذين يحلقونه بالإنسانية جمعاء، بل بمدى الأرباح التي سوف يحققونها على حساب تلك الأرواح التي ستحصدها هذه الأسلحة.

ولعل ما لفتني أيضاً قول الرب في أمثال 14: 20 " أيضاً من قربيه يبغض الفقير، ومحبو الغني كثيرون. من يحتقر قريبه يخطئ، ومن يرحم المساكين فطوبى له " فهذا المثال على لسان سليمان يمثل حقيقة نعيشها، فالناس يبتعدون عادة عن الفقراء ويحاولون مصادقة الأغنياء، وكثيرون الذين ينظرون للفقراء بنظرة الأحتقار والدونية، فهنا كلمة الرب تبارك الإنسان الذي يرحم الفقراء.
ويمكننا أن نرى العالم أجمع كيف ينظر لأفريقيا كقارة فقيرة تملأها المجاعات، وكأنها عالة دولية عليهم، ولو تمسك العالم بكلمة الله التي في أمثال لعرفنا أن العالم بأمكانه أن يعيش بطريقة أفضل من خلال الرحمة التي يعلمها لنا.

بعد ذلك أثارتني قضية تمس بعض المؤمنين الذين يعملون في مجال التجارة، في محبتهم للمال وخوفهم على أموالهم جلعهم يتهربون من دفع الضرائب، وهنا سؤال يطرح نفسه : هل التهرب من الضريبة تصرف مسيحي لائق ؟ يسوع المسيح لمس هذه القضية في متى 22: 21 " أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". فمن خلال هذه الكلمات يدعوالرب يسوع المسيح للأمانه بأن يعطي الإنسان الله حقه في العشور والتقدمات، ولمسؤوليه كذلك للدولة. فالله يطلب منا الخضوع للسلطات وأن نكون أمينين معهم حتى وإن كانوا ليسوا مسيحين.

أخيراً  "إن محبة المال قد تكون بركة ولعنة في آنٍ واحد، بركة عندما نوجهها بالاتجاه الصحيح، ولعنة عندما نسمح لها أن يكون للمال السيادة على حياتنا "

 إن للمال أهمية في حياتنا المعاصرة لا يمكن إنكارها، لكن أهمية المال يجب ألا تطغى على الوصية العظمى التي أعطاها لنا يسوع المسيح عندما قال : " إحب الرب إلهك من كل قلبك، وأحب قريبك كنفسك ". فيجب علينا إن نجعل محبة الله والحفاظ على علاقتنا معه، وألا نبخل عليه بعشورنا الأولوية في حياتنا. كذلك محبتنا لقريبنا الذي جعل الرب لمحبته مقاربة لمحبة القريب، فلا ننظر لقريبنا الفقير نظر كبرياء وأستعلاء بل رحمة ومحبة، مقدمين المساعدة بلا تأخير، متشاركين معهم بالبنوة لله الأب.

في الختام أقدم توصية خاصة مرتبطة في هذا الموضوع لكنائسنا العربية :
1. إن كنائسنا العربية أرتبطت في الدعم الغربي لها لفترة طويلة من الزمن، وأعذروني إن قلت أنها قد تكون أتكالية أحياناً على هذا الدعم.
2. نحن بحاجة للمشي قدماً والبحث عن طريقة تساعدنا أن نكون مكتفين ذاتياَ ككنائس محلية.
3. نحن بحاجة أيضاً أن ننتبه أن هناك من هم في أمس الحاجة للمال الذي يقدم لنا وأكثر منا في قارة مثل أفريقيا.
4. نحن بحاجة أن نصبح كنائس داعمة وليست مدعومة فقط، لكي ننمو وننهض، نكتفي بما لدينا ونعطي ما يزيد عن حاجتنا لغيرنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا