كما تعلمنا في التأمل السابق، لقد أسس الله كل هذه الخليقة على النور ورأينا كيف أن يوحنا ربط بين النور ومحبة الله، وكيف أُظهرت بحياة المسيح، النور الحقيقي. وبعدما فُقدت هذه المحبة من العالم، بعد خطية آدم، جاء المسيح ليرد المحبة الإلهية لهذا العالم المظلم، ولكي يضعنا في هذا العالم كنور يُظهر محبة الله التى استرجعها بالمسيح. رأينا انه إن لم ندرك هذه الحقيقة، ممكن جدًا أن نفقد أهم الأهداف لكنيسة المسيح التي اقتناها بدمه وأسسها وثبتها في هذا العالم بعد الفداء.

كما رأينا حتى الآن، يؤكد يوحنا أن المحبة خبر سمعناه منذ بدء الخليقة. بعدها يتكلم يوحنا في الأصحاح الثالث رسالته الأولى (11-16)، عن ماذا حدث بعد السقوط ؟  لقد ذبح قايين أخاه هابيل.

لقد أرانا الكتاب أن جريمة القتل هذه كانت خطية عظيمة في عيون الله، وصور لنا الكتاب وقفة هامة لله من هذ الجريمة لا تقل أهمية عن وقفة الله من سقوط آدم وحواء. حيث بعدما لعن الله الأرض بسبب خطية آدم (3: 14)، هنا نرى الله يلعن قايين وعمله بعد جريمة القتل هذه، معلنًا أن الدماء قد نجست الأرض:
" 10 فَقَالَ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. 11 فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ. 12 مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا. تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ." تكوين 4.

ونرى أيضًا، قبل انتهاء الأصحاح الرابع من تكوين، جريمة قتل أخرى، فيها لامك لم يقتل فقط، بل افتخر بقلته لإنسان لأنه جرحه (4: 23)، ومنها تعظمت دائرة الانتقام والدماء إلى هذا اليوم (عدد 24).

وبحسب تحليل الوحي في رسالة يوحنا الأولى، لم تكن جريمة القتل هي المشكلة الأولى عند قايين. المشكلة عند قايين كانت أنه أبغض أخاه، مما قادة إلى الغيرة المرة من أخيه، من ثمَّ قتله. لأن المحبة التي أسس عليها الله الخليقة قد سقطت:
"11 لأَنَّ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الْبَدْءِ: أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً 12 لَيْسَ كَمَا كَانَ قَايِينُ مِنَ الشِّرِّيرِ وَذَبَحَ أَخَاهُ. وَلِمَاذَا ذَبَحَهُ؟ لأَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ شِرِّيرَةً، وَأَعْمَالَ أَخِيهِ بَارَّةٌ." 1 يوحنا 3.

هنا نرى ثلاث نتائج لسقوط المحبة الإلهية من هذا العالم:
الأول: إن العالم اصبح يبغض النور، أي المحبة الإلهية، كما يتابع يوحنا ويقول:
13 لاَ تَتَعَجَّبُوا يَا إِخْوَتِي إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ. 14 نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ." 1 يوحنا 3.
الثاني: أصبح الشر يسيطر على هذا العالم، وأصبح في العالم رفض للإنسان البار الذي يعكس محبة الله.
الثالث: أصبح العالم يسود عليه الموت والقتل كنتيجة لفقدان المحبة الإلهية، لذلك يتابع يوحنا ويقول:
" 15 كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ." 1 يوحنا 3.
وهنا يؤكد يوحنا أننا كمؤمنين، أن كنا نبغض بعضنا البعض، نصبح من جماعة قايين وبالتالي ليست فينا حياة ثابتة للمسيح وثمر للملكوت. (يوحنا يعتبرنا كقتلة، دون أن نقتل، لأننا إن كنا نبغض بعضنا البعض، نكون كأننا نتوحد مع قايين بروح البغضة السائد في هذا العالم، روح القتل والموت).
 
بعدها يبتدئ الوحي بوضع مفارقة غريبة عجيبة بين شخصيتين من الصعب أن يخطرا على البال: قايين والمسيح. فبعدما ذكر كيف أن قايين ذبح أخاه كنتيجة لبغضته له، يتابع ويقول:
" 16 بِهَذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ (أي المسيح) وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا ...." 1 يوحنا 3.
كأن الوحي يريد أن يقول:
في قايين رأينا الموت كنتيجة لسقوط المحبة الإلهية.
في المسيح رأينا الموت على الصليب كنتيجة لرجوع المحبة الإلهية (رومية 5: 8  و1 يوحنا 4: 9-10).
في قايين رأينا الموت كنتيجة لاكتمال الكراهية والغيرة.
في المسيح رأينا الموت كنتيجة لاكتمال المحبة الإلهية (يوحنا 15: 13).
في قايين رأينا الموت للآخر، لكي يعيش هو حياة أفضل.
أما المسيح، فقد وضع الموت على ذاته، لكن نعيش نحن حياة أفضل (يوحنا 10: 10-11).

لقد افتدى المسيح عمل قايين الشرير بموته على الصليب، لكي يعيد فيض المحبة الإلهية من جديد في هذا العالم.

وهنا يبرز يوحنا دعوتنا لأن نسعى لإكمال المحبة في هذا العالم، متمثلين بالمسيح الذي مات لأجلنا، " 16... فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ." 1 يوحنا 3.

هذه يجب أن تكون رؤيتنا وهدفنا في هذه الحياة ككنيسة، وهذا الذي يجعلنا مؤثرين في الملكوت دون أن ندرك بالمنطق كيف. لأننا إن سلكنا في المحبة كمؤمنين وككنائس، سنحرك يد الله ليأتي بخلاص في وسط بلدنا وأرضنا.
طبعًا المحبة لن تسقط أبدًا (1 كو رنثوس 13: 8)، لأنها أقوى من الموت والظلمة. لكن ممكن أن نسقط نحن في الامتحان أمام الله في المحبة كأفراد وككنائس، لذلك قال يسوع:
" 13 أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ، فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. 14 أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ...." متى 5.

فإذا فسدت الكنيسة من محبة الله، فبماذا يمكن أن يُرَد هذا العالم؟ فتصبح الكنيسة لا تصلح لشيء، وممكن أن تكون النتيجة أنها تداس من الناس، وتنقرض من مناطق معينة، كما حدث في الكثير من الدول في الشرق الأوسط، بعد أن كانت مسيحية بأغلبيتها. طبعًا قال المسيح أيضًا، أن أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة، وهذه حقيقة ثابته لا تتغير. هذه الحقيقة لا تعني أن الكنيسة ستستمر على الأرض فقط، لكنها ستكون في نمو وتعظم مستمر لا يُقهر. كما تقول النبوة عن ملكوت المسيح: " 7 لنمو رياسته وللسلام لا نهاية..." (أشعياء 9، انتبه لكلمة "لنمو"). لكن هذا لا يعني أنه من المستحيل أن تنتهي الكنيسة من مناطق معينة على الأرض، والسبب الوحيد الذي ممكن أن يؤدي لهذا، هو فسادها، أي سقوطها في امتحان محبة الله. لهذا السبب يوجه يوحنا الكثير من التحذيرات للكنيسة التي ليست فيها محبة بين الأخوة. طبعًا يركز يوحنا في رسالته على محبة الأخوة، لأنه يقدمها كالثمر للتجاوب مع محبة الله في القلب. من ثم تظهر بين الأخوة، ومنها إلى العالم المظلم لاسترداد الكثير من الخراف الضالة، لحظيرة ربنا يسوع المسيح الذي قال:
" بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حبٌّ بعضًا لبعض." يوحنا 13: 35.

في التأمل القادم سنتكلم عن كيف استرد الله المحبة الإلهية، وكيف مَكَّنها للبشر.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا