طبعًا قلنا أن الموت أمر صعب ومن الطبيعي أن يشعر أي إنسان بالحزن على فراق شخص عزيز عليه، لكن في هذه السلسلة سنحاول، كما قلنا، إلقاء الضوء على الأسباب التي فيها يشعر الإنسان المؤمن بالغضب على الله لأنه سمح بأن يأخذ إنسان عزيز عليه بالموت. كما تعلمنا في التأملين السابقين إن الشعور بالغضب على الله يأتي أحيانًا من الشعور بالتملك من نحو الشخص الذي انتقل، ورأينا كيف أن قيامة الرب يسوع جعلتنا نجتاز الموت الجسدي أصلاً. وكيف أن الله يحسب كل من يؤمن بالمسيح، أنه صلب ومات مع المسيح، وهو الآن فقط يتنيَّح، أو يرقُض، أو ينام بما نسميه الموت الجسدي. فلا يجوز قانونيًا لمن مات، أن يموت مرة أخرى وهذا يعطينا رجاء بأنه لا سلطان لشوكة الموت على كل من يؤمن بالمسيح.

لكن بعض الأسباب الأخرى التي تجعل الإنسان يغضب على الله، لأنه أخذ عزيزًا له بالموت، هي عدم إدراك ما هو الموت والحياة في المسيح.
يوجد الكثير من التعاليم الكتابية عن حياة وموت الإنسان المؤمن بالمسيح، وما هي حقيقة حياتنا على الأرض، منها:

1- نحن في غربة هنا على هذه الأرض:
إن الكتاب المقدس يعلمنا أننا على الأرض مستوطنين في الجسد ومتغربون عن الله:
" 6 فَإِذاً نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي الْجَسَدِ فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ الرَّبِّ." 2 كورنثوس 5.
فنحن نعيش في وقت غربة هنا على الأرض، وموطننا الحقيقي هو في السماء. ففكرة الاستيطان تعني أننا في وضع مؤقت وليس دائم، لذلك يستخدم بولس فكرة الخيمة من خلال مهنته كصانع خيام، والسكن في الخيمة هو أمر ليس مريح أبدًا. ويقول بولس بكل ثقة ويقين وعِلم بهذه الحقيقة، أي أن الإنسان المؤمن عندما يُؤخذ من موضعه المؤقت في الخيمة، ويسكن في القصر الملكي، من المتوقع أن يكون هذا أمر مفرح له. لذلك قال بولس:
" 23... لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً." فيلبي 1.
وقال بولس أيضًا بروح النصرة والإيمان والإدراك:
" 55 أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟" 1 كورنثوس 15.

2- إن حياتنا مهما طالت على الأرض تظل قصيرة جدًا:
إن الروح القدس هو أكبر خبير في علم الرياضيات، حتى قبل اكتشاف العدد "مالا نهاية" بمئات السنين أعطانا حسابًا رياضيًا صحيحًا دقيقًا لحياتنا على الأرض. فلو وضعنا معادلة رياضية، وعوَّضنا بدل الحياة الأبدية بالعدد "ما لا نهاية"، وحسبنا حياتنا لمدة مئة عام بالأيام أو حتى بالساعات (876000 ساعة)، وقسمنا عدد ساعات إنسان يعيش لمدة مئة عام، على "ما لا نهاية"، سنحصل على النتيجة "صفر". أي أن نسبة مقدار حياتنا على الأرض بالمقارنة مع الحياة الأبدية تعادل صفر، بالرغم من أننا نشعر أنها طويلة جدًا. وهذه الحسبة الدقيقة نراها بقول الوحي:
" 14...لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ." يعقوب 4.
لكن السؤال لنا هو:
هل فعلاً نصدق أن لنا حياة أبدية، وهي ليست مجرد فكرة جميلة خيالية؟
هل نصدق أن هذه الحقيقة أثبت من كل الخليقة المادية التي نعيش فيها؟

3- اعتبار بأن الموت خسارة:
نعم إن الموت هو خسارة في حياة الإنسان غير المؤمن، لذلك يقول عامة الناس أمثال مثل: "خسارة عللي بيموت"، "اللي بيموت بتروح عليه"...إلخ. لكن الموت في حياة المؤمن بالمسيح هو ربح، لأنه سيعود إلى وطنه السماوي الحقيقي. كما قال بولس الرسول:
" 21 لأنَّ ليَ الحياة هي المسيح، والموت هو ربحٌ." فيلبي 1.
فهل نؤمن ونصدق هذه الحقائق الكتابية؟ أم نصدق العالم المادي المتغير؟

طبعًا المشكلة هي ليست للمؤمن الذي يموت فهو في ألف خير، بل المشكلة هي للأحياء الباقين، هم الذي يعانون من الصراعات المؤلمة والحزن. أحيانًَا يُصاب مؤمن في مرض صعب، ونصلي لأجله ونصوم مرارًا وتكرارًا وبعدها ينتقل، ممى يضفي علينا أحيانًا الشعور بأن الله لم يستجِب لصلواتنا وكأنه لا يبالي بأولاده، وهذا ممكن أن يقودنا للغضب على الله والبلبلة.

لكن الله يهتم بأولاده، وهو يحب أحبائنا بالتأكيد أكثر منا، وهو مختبر الحزن ورجل أوجاع، ويعرف جيدًا ألم الموت لأنه ذاق الموت لأجل كل واحد منا (عبرانيين 2: 9). فَلْنُلقِ رجائنا عليه ونعطيه جُل إيماننا وثقتنا، لأنه أعطانا حياة أبدية معه. وهو فعلاً مستحق أن يأخذ كل القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة، لذلك جميع الأحياء في السماء سجدت ليسوع الحي إلى أبد الآبدين (رؤيا 5: 12-14).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا