بقلم إبراهيم عرفات

لو طلب إليك اليوم أن تدافع عن إيمانك في مواجهة التحديات الكثيرة، ماذا يكون دفاعك؟ مع انتشار التيار اللا ديني العربي وبريقه المخاطب للعقل برغم ما في العقل من محدوديات وعجز، هل ستزعم أنك فارس العقل المغوار وبالعقل تجيب على كل التساؤلات أم ستسلك سبيل ضيف مقالنا "أرستيدس" في دفاعه الشهير عن المسيحية؟

مع انصرام القرن المسيحي الأول ووسط اضطهادات دامية عصفت بالكنيسة الأولى اضطهادات دامية لا تقل حدتها عما أصاب أقباط مصر في زماننا الحاضر، ظهرت في القرنين الثاني والثالث مجموعة من الكتاب المفكرين المسيحيين أُطْلِقَ عليهم اسم "المدافعين"Apologists ، الذين دافعوا دفاعًا عقلانيًا وإيمانيًا عن إيمانهم المسيحي في مواجهة التلفيقات والتخرصات التي حاكها ضدهم الوثنيون المحاربون للمسيحية في ذلك الوقت. وهؤلاء "المدافعون" لم يتعالوا على بيئتهم وثقافتها الوثنية بل استخدموا مفردات وثقافة المجتمع السائدة وقتئذ لشرح الأسباب التي دعتهم في عقلانيتهم الفلسفية لاتباع المسيح، مبينين بذلك أن الإيمان والعقل لا يتصادمان بل وكثيرًا ما يلتقيان. فيلسوفنا- أرستيدس- هنا ليس من رجال الإكليروس الديني بل كان رجلاً علمانيّاً عاديّاً يعيش مع عوام البشر في احتكاك طبيعي؛ وعليه فهو يوجه دفاعه للامبراطور هادريان مباشرة (سنة 125) ولعله بذلك يشفع أمامه للمسيحيين مما قد أصابهم من الاضطهاد والتنكيل.

فيلسوفنا هنا، أرستيدس، لن يزعم أنه أفلاطون آخر أو سارتر زمانه أو أنه فارس العقل المغوار بل نراه يقدم –وبعيدًا عن أي تصنع أو تكلف عقلاني- الدفاع المسيحي الحق بحق حقيقة المسيحية مرتكنًا على شخصية المسيح نفسه، ومبينًا التطابق الجميل بين سلوكيات المسيحيين وشخصية المسيح نفسه التي قد التقوها في الإنجيل المقدس.

كيف نستخدم الخطاب اللاديني ونطالب المسلم بإعمال العقل ونحن ما عندنا من إيمانيات مسيحية يتجاوز كل عقل؟! أرستيدس يخبر المسيحيين اليوم في القرن الواحد والعشرين أن الدفاع المسيحي الحق عن حقيقة المسيحية يكون بالتواضع والوداعة والسكينة وبالاحتماء بشخص المسيح دون أي حاجة مطلقًا لتجريح معتقدات وشخوص الآخرين. كل كبرياء عقلي يتقدم به المسيحي للدفاع المغرور عن المسيحية سوف يفضح جهله، ولا يمت للمسيح وإنجيله بأية صلة لأن المسيحية مؤسسة في جوهرها على المسيح نفسه لا على البراهين والأدلة. من يتبع المسيح سواء فسدت الأدلة أو صحت أمامه فلا يهتز إيمانه لأنه ببساطة يقدر أن يقول ما قاله بولس قبلاً "لأني عالم بمن آمنت" إذ إيمانه يرتكز جوهريًا على الإله الذي يتكلم كلاماً مباشر في شخص الكلمة يسوع المسيح (الكلمة قد صار بشرًا). إما أن تنعم بصحبة المسيح أو تُعرض عنه، وفي هذا تكون أو لا تكون المسيحية؛ فإذا نعمت بصحبة المسيح فهذا لا يعطيك الحق للخيلاء والتوهم أنك أفضل من المسلم أو الملحد لأنك لست أفضل (ربما هم بالفعل أفضل منك!) بل هي نعمة المسيح التي تطوّقك.

كانت السلطات الرومانية تخشى المسيحيين الأوائل فلجأت إلى محاربتهم بشتى الاتهامات إذ رأت فيهم خطراً على الدولة الرومانية، واليوم الأمر نفسه يحدث وما أشبه الليلة بالبارحة. تحدثهم عن السمو والرقيّ المسيحي فيحدثونك عن العصور الوسطى وصكوك الغفران ويجدون مليون سبب وسبب لرفض مسيح المسيحية وكأنه الملوم الأول عن فساد بعض أبناء الكنيسة. وأرستيدس هنا لا يتورع عن تسمية الأشياء بأسمائها فيتعرض لسخافة الديانة الوثنية كنظام ديني قائم فيه يستخدم الإنسان الآلهة لإسقاط نوازعه الشريرة عليها من طمع وحسد وعنف ونزق وغيرها. آلهتهم مصنوعة على صورتهم، وأما الإله الحيّ الذي نعرفه في الانجيل فلا مثيل له، إذ ليس عنده تغيير أو ظل دوران (رسالة يعقوب 1: 17)؛ ونحن نريد أن نكون على صورته هو، لا العكس. وسط هذا الخضم الوثنيّ، يحضّ أرستيدس جناب الامبراطور هادريان على الأخذ بعين الاعتبار بما تقوله به التعاليم المسيحية وأن يعطيها فرصة لا أن يسمع لكلام من يحاربونها ويريدون إسكاتها بشتى الطرق.

من أطروحة فيلسوفنا الأثيني أرستيدس نخلص إلى حقيقة جوهرية وهي أن خير دفاع عن المسيحية هو المسيحية ذاتها في تكوينها وجوهرها، أي في قوامها الرئيسي وهو شخصية المسيح الوديع المتواضع القلب. لماذا نريد دفاعاً عن المسيحية من خارج المسيحية؟ لا يكون الدفاع عن المسيحية بأن نقارنها بالإسلام لأن المسيح من الأساس ليس محل مقارنة بأحد. ولا يكون الدفاع بهجوم وتقبيح عقائد الآخرين بل بالتركيز على المسيحية ذاتها وإبرازها هي بإنجيلها الساطع النابض بالفرح. إنَّ المسيح يشهد عن المسيحية في رسالته، وشهادتنا عن المسيح تكون من واقع خبرتنا وعشرتنا الشخصية معه حتى لا يكون الكلام نظريًا بل من وحي الإنجيل الدافق بالحياة القوية. نشهد عن من خبرناه وعاشرناه لا من قرأنا عنه في الكتب.

أرستيدس يراقب المسيحيين ثم يكتب تقريرًا يرفعه لجلالة الملك. وعلى إثر مراقبة أرستيدس للمسيحيين فهو يكون صورة عامة عنهم ينقلها للملك. في البداية، يتعرض لأجناس البشر وعباداتهم الذين قد قام بتصنيفهم إلى ثلاثة فئات من كلدانيين ويونانيين ومصريين. يعرج في حديثه بعد ذلك على اليهود ثم يستقر به المطاف ليصف للملك من هم المسيحيون، فيعرفهم بأنهم "يتحدَّرون من الرب يسوع المسيح. نعترف به في الروح القدس أنه ابن الله العليّ." لعل القاريء يسألني: من أنت؟ أجيب: أنا إبراهيم عرفات، مسلم بالأساس، أتحدَّر الآن مباشرة من المسيح. هو نسبي وحسبي. وضعت يدي في يده؛ وإنتمائي الأول والأخير له، وكل شيء في حياتي يبدأ به ويختتم كذلك به لأنه الألف والياء في حياتي أنا. تلك هي هُوَّية المسيحيين كما عاينهم أرستيدس، وكذلك هُوَّيتي أنا كمسيحي في القرن الواحد والعشرين. يقول أرستيدس إن المسيح قد نزل من السماء لأجل خلاص البشر. خلاصٌ من ماذا؟ خلاص النفس من قيود الأنانية فيصبح الإنسان إنسانًا بحق كما أراد له الله في الأساس. ليس الخلاص جملة من الأفكار الدينية وكأننا نتحدث عن "عقيدة" جافة بل هو حياة تدب في أوصال الإنسان وما هي إلا حياة الله نفسه. الخلاص ليس أفكاراً دينية وإنما هو حياة إلهية تتفجر في أحشاء من يؤمن بالمسيح ويحيا له. خلاص الإنسان ليس تعويذة دينية أو مانترا هندية وإنما هو يعني انطلاقه حرًا ليحيا حياته بحرية حقيقية في ضوء الناموس الإلهي؛ ولا يعني الخلاص خلق إنسان معقد دينيًا يتشبث بحذافير جملة من التعاليم الدينية. فيا لهفي على الإنسان وهو لا يهدأ باله حتى يجلد ذاته والله أراد له أن تطمئن نفسه مستريحة فيه باليقين والحرية!

ينطلق أرستيدس من الحديث عن الهُوَّية إلى الحديث عن الصفات؛ فيصف المسيحيين بأنهم "يتمسكون بوصايا الرب يسوع المحفورة في قلوبهم ويتقيدون بها." التعاليم المسيحية، هنا، ليست جملة من القناعات الدينية الذهنية البرّاقة وكأننا في "حصة دين" بالمدرسة ونكرر كالببغاوات ما يردده المعلم، وإنما هي وصايا حيّة صادرة عن إله حيّ؛ وقد عبرت هذه الوصايا من الذهن إلى القلب فانحفرت فيه. وصايا تنحفر في القلب فيتمثلها كيان الإنسان كله لأنها قد عبرت من الذهن إلى القلب، فلم تعد مجرد "أفكار" بل الآن هي تسري في بدن الإنسان كله. هذا هو الإيمان الحيّ الذي يشفع للمسيحيين لدى جلالة الامبراطور هادريان عام 125 وفي القرن الواحد والعشرين الذي نحيا فيه الآن. وحدها وصايا المسيح المحفورة في القلب- لا التشدق بالعقل والمنطق- هي حجة المسيحية الأولى والأخيرة، ولا سبيل آخر سواها. يذكر أرستيدس للملك هادريان أن هذه الوصايا تقع ضمن طيات الإنجيل المقدس، ويحض الملك على قراءته حتى يتيقن من صحة كلامه. لم يلجأ أرستيدس لكتب أرسطو مثلا لتبيان حجته وإنما الإنجيل المقدس هو شهادته الدامغة هنا ولا توجد شهادة سوى الإنجيل:
 
يمكنك، أيها الملك، إذا ما رغبت، أن تتعرّف على مجد مجيئه، من خلال ما يسمونه الإنجيل المقدس، إذا ما قرأته.

أرستيدس هنا ليس بحاجة لاستخدام تكنيك التخويف وأسلوب التهديد والوعيد وإنما في ذوقٍ رفيعٍ يقول "إذا رغبت". هذا بالإضافة إلى أنه يرتكز على الإنجيل المقدس كحجته التي يتقدم بها عند الكلام عن المسيح.

ثم يواصل الفيلسوف الأثيني وصفه عن المسيحيين كشاهد عيان لما رآه عن قرب فيهم كجماعة صغيرة تعيش تحت الاضطهاد، فيقول: لا يحتقرون الأرملة ولا يرهقون اليتيم. الغني بينهم يعطي المعوز من دون تقتير. إذا ما رأوا غريبًا يستضيفونه في منزلهم ويفرحون بحضوره وكأنه أخ حقيقي، فهم لا يُسمّون إخوة بحسب الجسد، بل بحسب الروح." يلاحظ أرستيدس أن الأُخوة لدى هؤلاء المسيحيين ليست مشروطة بالاشتراك في الاعتقاد أو الاشتراك في الانتماء للعائلة أو الجماعة البشرية ولكنها "أُخوّة بحسب الروح" والذي يتسامى على جميع هذه الاعتبارات. إذا أساء أحد لهؤلاء المسيحيين فإنهم "يشدّدون الذين يُسيئون إليهم، ويجعلون منهم أصدقاء، يجتهدون في خدمة أعدائهم. إنهم ودعاء حلماء.....لا يصنعون بالآخر ما لا يريدون أن يُصنع لهم."

يصف جهادهم في الفقرة (6- 7): "هم على استعداد ليضحوا بحياتهم حبَّا بالمسيح وهم يراعون وصاياه بصدق." لعلّ المحرك الأول والأخير في حياتهم هو الحبّ لأنهم يدينون بـ "دين الحب". لا يبذلون أرواح الآخرين ويزهقونها لتحقيق مطامع سياسية وإنما يبذلون أرواحهم أنفسهم لأجل هذا الـ "آخر" من حولهم. يختتم أرستيدس كلامه عن المسيحيين في الفصل السادس عشر من دفاعه الشهير قائلاً: "ولكي تعلم، أيها الملك، أنني لا أختلق هذه الأشياء من نفسي، فإذا قرأت كتب المسيحيين المقدسة ستكتشف أنني لا أقول شيئًا خارجًا عن الحقيقة. . . إنّ كلمات المسيحيين وأفعالهم عظيمة وباهرة. إنهم لا يتكلمون لغة البشر، بل لغة الله."

نسأل أرستيدس: من أين لهؤلاء النصارى أن يتكلموا لغة الله شخصيًا لا البشر؟
ربما كان الجواب: إنها كتب المسيحيين المقدسة ووصاياها التي انحفرت في قلوبهم بسبب التصاقهم بالمسيح إذ أضحوا لحمًا من لحمه وعظمًا من عظامه. وكما يتجسد الله في المسيح، فالمسيح بدوره يتجسد في المسيحيين ويتمثّل في كل كيانهم. متى نصل إلى هذا المستوى فيقال إننا لا نتكلم لغة البشر بل لغة الله شخصيًا! إذا ذاع صيتك في المدينة هل يمكن أن يقال عنك أنك فعلا تتكلم لغة الله لا لغة البشر؟ لعل الدفاع المسيحي القوي عن المسيحية يكون اليوم بالتكلم بلغة الله وأسلوب الله الكليّ الحبّ والكليّ التواضع لا بلغة البشر وأساليبهم المتعجرفة الملتوية. الإنسان، نعم الإنسان ذاته/ ذاتها، هو هدف الله (وبالتالي هدفنا نحن كذلك) كما أن الله كذلك هو هدف الإنسان ومشتهاه.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا