في خضم الأحداث المتسارعة والمتصارعة في كلّ بقعة من بقاع الأرض؛...أحداث عمودها الفقريّ العنف المعربد والمستشري، فهنا رصاص يقنتص ارواح زهرات الدنيا تحت غطاء وهميّ يدعى " شرف العائلة " وما من شرف فيه. وهناك تفجيرات وأشلاء وقطع رؤوس وبتر أطراف ودماء تسيل في الكنائس والمعابد، وهنالك في عرض البحر قراصنة، يسرقون وينهبون ويقتلون، ناهيك عن الاحتلال والعداء والحقد والتهديد والوعيد والبغضاء والسرقات.

في ظلّ هذا الوضع الرهيب، المُحبِط والشّرّير لا أجد أمامي إلا أن أتفيأ ظلال شجرة الموعظة على الجبل، لاشرب الماء الزُّلال الذي يروي النفوس العطشى فيملؤها طمأنينة وهدأة بال ٍ ورجاء، وأغمس لُقمتي من صحن الحياة، فتشبع نفسي وتهدأ كما الطفل الصغير في حضن أمّ رؤوم.

لا أتعب ولا أملّ، ولن أتعب وأنا امتدح الموعظة على الجبل وصاحبها وبانيها على صخرة حياته.

هناك من الحكماء والمُشرّعين والانبياء!!! والكُتّاب من ملأ ويملأ الدّنيا بكلمات القِيَم، ولكن إنْ أنتَ فحصت سيرة حياته وجدتها على النقيض من ذلك، فالمحبّة التي ينادي بها جوفاء، والشّرف أعرج والمروءة مُرآة والأحلام كوابيس....إنّه ممثِّل ليس إلا...إنّه مُحابٍ..أمّا يسوعنا فقد قَرنَ القول بالفعل، ومزج الفرح بدمه والخلاص بآلامه.

بحثتُ في أعماق وطيّات الفلسفة البشريّة منذ بدء التّاريخ، وغُصتُ في بطون الأدب والشِّعر، ونقّبت في ثنايا التشريع البشري، علّني أجد من قال حرفًا أو حركة من القول السّامي:
"سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: عَينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بسِنٍّ. أمّا أنا فأقولُ لكُم: لا تُقاوِموا مَنْ يُسيءُ إلَيكُم. مَنْ لطَمَكَ على خَدَّكَ الأيْمنِ، فحَوِّلْ لَه الآخَرَ. سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ: أحِبَّ قريبَكَ وأبغِضْ عَدُوَّكَ. أمّا أنا فأقولُ لكُم: أحِبّوا أَعداءَكُم، وصَلّوا لأجلِ الَّذينَ يضْطَهِدونكُم، فتكونوا أبناءَ أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ. فهوَ يُطلِـعُ شَمْسَهُ على الأشرارِ والصّالحينَ، ويُمطِرُ على الأبرارِ والظّالمينَ." فلم أجد،  فكلّ افكار الدنيا بشرية، محدودة، مؤطّرة، أمّا الموعظة على الجبل فهي فوق البشر، وفوق العقول وفوق منطق البشر، المنطق الذي عهده العالم:  " العين بالعين والسنّ بالسّنّ " و "أحبب قريبك وابغض عدوّك". لقد قلبه السيّد وقلب موازينه وعقول اهله.

حقًّا؛ شجرة الموعظة كرمة خضراء، مُثقلة بالعناقيد الطيّبة واللذيذة، فهلاّ هربنا من العنف بالوانه، ومن التفجير والشرّ وأبيه ولُذنا بشجرة الحياة؛ كرمة الوجود فشربنا وأكلنا ورنّمنا ونمنا تحتها والطمأنينة ملء التفكير والعيون.

هلاّ بنينا بيوتنا على الصخر، تاركين الرمل للامواج تداعبة تارة وتجرفه أخرى، وتأخذه في مهبّ الرّيح.

هلاّ بنينا إيماننا على الصخرة الحقيقية؛ صخرة الدهور.

جرّبوا، تذوّقوا...فلن تندموا، فالثمر حلو المذاق وبالمجّان.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا