أحداث‌ ‌المستقبل‌ ‌(الجزء‌ ‌الأول)‌ ‌

يقول الكتاب المقدس أنه عند رجوع المسيح للأرض سوف يملك على أورشليم، وسيجلس على عرش داود (لوقا 32:1-33).
02 مارس - 19:28 بتوقيت القدس

بسبب اللغط الكثير والأسئلة المتزايدة حول موضوع الأخرويات، رأيت أن اشارك بعرض متسلسل للأحداث المستقبلية حسب كلمة الله، كتلميذ قديم يقدّم رؤيته لهذا الموضوع الشائك. أعلم أن هناك نظريات مختلفة حول موضوع الأخرويات، أحترمها وأقدّر المتمسّكين بها، لكن ما يزعجني ليس الاختلاف بل الهجوم والحكم المُسبق من أي جهة نحو الأخرى. أرجو أن تلاحظ، قارئي العزيز أنني لن أروي قصصًا هنا ولن استرسل كأنني أعظ، بل ببساطة سأستعرض الأحداث مدعّمة بالشواهد الكتابية.

في دراستي لأي موضوع في الكتاب المقدس، أحاول أن أتناوله باجتهاد، بتدقيق وبدون آراء مسبقة، وأرجو أنّ كل قارئ يفعل ذلك فيدرس بروح الاتضاع، الصلاة والتركيز، ملاحظًا سياق الكلام (القرينة) ليخلص الى فهم أكثر للمكتوب وينقل بدوره هذه المعرفة بأمانة للآخرين.

هناك ثلاث نظريات (توجّهات) رئيسية لفهم الأحداث المستقبلية، تتمحور أسماؤها حول الملك الألفي للمسيح: 

1- التوجّه الأول يسمى سابق الألف سنة (Pre- Millennium) وحسب هذه المدرسة، بعد القيامة الأولى ومجيء المسيح والضيقة العظيمة، هناك ملك حرفي للمسيح لمدة ألف سنة، وبعدها يحلّ الشيطان مدة يسيرة، ثم تدور معركة عالمية، وبعدها القيامة الثانية والدينونة.
 2- يسمى لاحق الألف سنة (Post-Millennium) ووفقًا لهذا التوجّه فأن الملك الألفي سيتم نتيجة للكرازة بالإنجيل وامتداد الكنيسة، إذ يأتي الوقت الذي يكون المسيح فيه ملكًا على الأرض إذ يقبل العالم كله الإنجيل ويحيا في سلام، وبعد فترة المُلك هذه تكون القيامة ويأتي المسيح في مجيئه الثاني. 
3- يدعى اللا ألف (Amillennium)، وهذا التوجّه يرى في الألف سنة تعبيرًا مجازيًا، وينكر مُلك الألف سنة الحرفي تمامًا.  مضمون هذه المدرسة أننا نعيش الآن في الملك الألفي بالمعنى الروحي.

إن عقيدة الملك الألفي الحرفي من الناحية التاريخية ليست عقيدة مستحدثة، إنما هي عقيدة أصيلة عُرفت في تاريخ الكنيسة الأولى وآمن بها الكثير من الآباء ويقول المؤرخ فيليب شاف إن النقطة الأكثر لفتًا للانتباه عند آباء ما قبل مجمع نيقية هي الإيمان بالملك الألفي الحرفي للمسيح على الأرض مع القديسين القائمين من الأموات، وإن هذا المُلك مدته ألف عام، وهو يسبق القيامة العامة والدينونة. من آباء الكنيسة الأوائل الذين علّموا بحرفية الملك الألفي بابياس (حوالي 60- 130 م)، يوستين الشهيد (100-165م)، إيريناوس (120-202 م)، ترتليان (145-220م)، هيبوليتوس (185- 236 م)، كيبريانوس (200-250 م)، وغيرهم. 

للراغبين بالاستزادة هناك مقالات مفصّلة بالعربية تستعرض أقوال الآباء الكنسيين حول عقيدة الملك الألفي ويمكن للقارئ الكريم الرجوع إليها. https://lifechangingtruth.org/90314 

https://khwaterro7ya.blogspot.com/p/blog-page_8075.html

كيف نفهم الأحداث المستقبلية؟

من المبادئ الهامّة لفهم وتفسير الكتاب المقدّس أن "كل الكتاب لنا، لكن ليس كل الكتاب عنّا". ان الكتاب كله كُتب لأجل تعليمنا، لكن هناك أجزاء معينة كالذبائح والطقوس اليهودية المختلفة وكذلك النبوات عن الشعوب الأممية في العهد القديم التي لا تخصنا كمسيحيين في معناها الحرفي المباشر لأنها خاصة بفترات وشعوب معيّنة، رغم أن لنا فيها الكثير من التعليم التطبيقي على المسيح أو على حياتنا الروحية. 

معنى ذلك أن الله تكلّم وتعامل بطرق مختلفة مع البشر عبر التاريخ. الاسم الأشهر لهذا التوجّه هو "التدابير" والتدبير كلمة كتابية وردت عدة مرات في العهد الجديد ".. لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ... تَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ" (أف 1: 9 – 10، 3: 1 – 3). كلمة تدبير في اليونانية هي اويكونوميا ومعناها "ترتيب البيت"، بمعنى أسلوب تعامل الله مع البشر في كل فترة زمنية في التاريخ. 

أول هذه التدابير هو تدبير البراءة في الجنة، فتدبير الضمير وبعده تدبير الحكومات ثم تدبير الوعد فتدبير الناموس ونحن الآن في تدبير النعمة والتدبير السابع والأخير هو الملك الألفي. يسميها البعض العهود، لكن كلمة تدبير أشمل وتوضّح أنّ الله الذي ليس عنده تغيير يتعامل بطرق وأنواع مختلفة حسب وضع الانسان، حاجته وادراكه (استيعابه) عبر العصور المختلفة. 

بعض الاختلافات الواضحة في معاملات الله عبر التاريخ من شأنها أن تساعدنا على فهم هذا الأمر. مثلاً نلاحظ الوعود الأرضية لإسرائيل مقابل البركات السماوية للكنيسة، وكذلك الفرق بين الناموس والنعمة. لاحقًا سوف نميّز ذلك أكثر في بعض الثنائيات البارزة كالاختطاف والظهور، القيامة الأولى وقيامة الأموات، كرسي المسيح والعرش العظيم الأبيض وغيرها.

ملاحظة هامة قبل أن نبدأ بالدراسة التفصيلية، التي قد توافقني الرأي فيها أو تعارض طرحي لهذا الموضوع الشائك. ليتك تقرأ بعض الاصحاحات الهامة في الموضوع (وان أمكن أن تدرسها أيضًا) لتكون لك معرفة مُسبقة بالنصوص أو على الأقل أن تقرأ المقاطع التي سأذكر شواهدها. هذه بعض الفصول الكتابية التي تتكلم بالتفصيل عن الأحداث المستقبلية المختلفة: دانيال 7- 12؛ متى 24- 25؛ رؤيا 4- 22؛ زكريا 12- 14.

بهذه المقدمة الضرورية، ألقينا نظرة سريعة على الموضوع وفي الجزء الثاني، سنبدأ بمعونة الله بسرد الأحداث بترتيبها التاريخي.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا