المسيح ملك السلام

كل شعب يرزح تحت الإحتلال يتطلع للثورة واسترجاع حريته وحقوقه المغتصبة واستقلاله وحكمه الذاتي، وطرد المحتل، وأن يحكم نفسه بنفسه...
23 فبراير - 09:28 بتوقيت القدس
المسيح ملك السلام

في القرن الأول الميلادي كان الشعب اليهودي في مملكة إسرائيل يرزح تحت حكم الرومان الذين احتلوا مناطق الشرق الأوسط فلسطين وسوريا ولبنان وشرق الأردن الحالية. وقد أخضع الرومان شعوب وقبائل هذه المناطق تحت سيطرتهم وقوانينهم. وفرضوا عليهم دفع الجزية لحكومة القيصر ومن يمثله من الحكام المحليين.

كل شعب يرزح تحت الإحتلال يتطلع للثورة واسترجاع حريته وحقوقه المغتصبة واستقلاله وحكمه الذاتي، وطرد المحتل، وأن يحكم نفسه بنفسه من غير تدخل أجنبي يتحكم بمصيره ويسرق أمواله. لهذا كان الشعب اليهودي في مملكة اسرائيل الجنوبية والشمالية يتطلع إلى ظهور المخلص والمنقذ من الاحتلال الروماني.

حسب كتاب التوراة ووصايا النبي موسى، كان اليهود ينتظرون ظهور النبي الذي بشر به موس، بأنه سيظهر نبيا من بين إخوتهم مِثله. عليهم ان يسمعوه ويطيعوه، وكان هذا النبي المنتظر والمخلص يدعى المسيح. وحسب نبؤات الأنبياء السابقين سيكون هذا النبي من ذرية داود ويولد من فتاة عذراء في مدينة بيت لحم.

كان اليهود الخاضعين للاحتلال ينتظرون المخلص متطلعين ان يكون هذا المنقذ فارسا قويا يمتطي فرسا يحمل سيفا ويقود جيشا من الثوار ليقاتل الرومان ويحرر البلاد وينقذ اليهود من ظلم الإحتلال فاتحا المدينة المقدسة أورشليم بقواته الثائرة.

لما ظهر يسوع بن داود نبيا مقتدرا في إسرائيل، كان اليهود يمنون النفس أن يكون هو المنقذ والمخلص لهم. وكان اسمه يسوع أي المخلص بلغتهم العبرية. وهو من نسل داود وقد ولد من عذراء في بيت لحم اليهودية وتحققت به معظم نبوات الأنبياء السابقين. فكانت جموع الشعب تتبعه وتؤمن به لاسيما انه كان يعلمهم ويعظهم في المجامع وفي هيكل الرب الذي بناه الملك سليمان بن داود، لكن رجال الدين اليهود، والفريسيين المتعصبين وكتبة الشريعة كانوا يلاحظون ان يسوع كان يعمل المعجزات ايام السبت ويشفي المرضى داخل الهيكل والمجامع الدينية، وهذا في نظرهم مخالف للشريعة التي توصي بعدم العمل أيام السبت لأنه يوم راحة وسبوت لليهود. كانوا يحتجون ويعترضون على يسوع الناصري لقيامه بشفاء المرضى يوم السبت. يسوع الناصري كان يردهم بحجج اقوى ويقول: يجوز عمل الخير أيام السبت. فمن سقط ثوره أو حماره في حفرة يوم السبت إلا يسرع اليهودي بأخراجه من الحفرة ؟ فكانوا يصمتون أمام اقوال يسوع.

لكن حقدهم عليه أخذ يزداد يوما بعد آخر. وكانوا يتحينون الفرص لاصطياده بكلمة ضد الحكومة الرومانية ويقصدون إحراجه أمام الناس ليكونوا شهودا عليه يشتكون أمام الحاكم لينال عقابه، فقالوا له:"أيجوز لنا ان ندفع الجزية للقيصر أم لا“ ؟ عرف يسوع مكرهم وخبث رجال الدين اليهود المتعصبين منهم وأنهم يريدون الإيقاع به، فقال لهم:"أعطوا الله ما لله، وأعطوا القيصر ما للقيصر". وكان هذا ردا مفحما لهم، لم يستطيعوا إدانته بتهمة ما.

قبل عيد الفصح اليهودي جاء يسوع الناصري برفقة تلاميذه إلى أورشليم لقضاء عيد الفصح في المدينة المقدسة. ولما سمعت جموع الناس بقدومه استقبلته بحرارة وهتافات: (اوشعنا لابن داود – مبارك الاتي باسم الرب)". وكانت جموع الشعب المستقبلة له تفرش الثياب وسعف النخيل على الأرض تحت أقدامه مرحبين به بفرح حاملين أغصان الزيتون يلوحون بها مهللين بقدومه لمدينتهم. اغاض هذا الاستقبال الحافل من قبل اهالي أورشليم اليهود المتعصبين والفريسيين وكتبة الشريعة.

 

دخل يسوع الناصري اورشليم راكبا على جحش وليس على فرس دليل التواضع والسلام، لا يرفع سيفا ولا يقود جيشا بل يحيط به تلاميذه الفقراء المسالمين يشاركون الناس فرحتهم باستقبال معلمهم يسوع الناصري. 

خاب أمل شيوخ الشعب والقادة الدينيين بيسوع أنه ليس ذلك المخلص المنتظر، فهو رجل مسالم ينشد السلام وينشر الحب بين الناس ولا يدعو للعنف ولا للقتال، لا يحمل سيفا ولا يحرض الشعب ضد الرومان. وبنفس الوقت فهو يحاربهم علنا ويشهر بهم أمام الناس ويصفهم بأنهم أولاد الأفاعي الذين يعلمّون الشريعة للناس ولا يعملون بها، أنهم يبحثون عن المظاهر البراقة ويطيلون ملابسهم ويتصدرون المجامع ويصلّـون في زوايا الشوارع لكي يراهم الناس. لا يساعدون فقيرا ولا يرحمون ضعيفا. وكانوا محل انتقاد لاذع من قبل يسوع الناصري. ولهذا كانوا يحقدون عليه، يتشاورون لقتله أو يكيدون له تهمة ليتخلصوا منه.

في اورشليم وبداخل هيكل الرب ومقر كهنة وشيوخ اليهود تحداهم المسيح الثائر بغضب وثورة عارمة، طرد باعة المواشي وتجار الأغنام والبقر من الهيكل وقلب موائد الصيارفة واقفاص باعة الحمام وصرخ بهم غاضبا والغيرة تأكله على بيت الرب قائلا:"بيتي بيت صلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص".

هذا التصرف زاد رجال الدين والشيوخ والفريسيّون حقدا وغضبا على يسوع الناصري، فقرروا رفع شكوى للحاكم الروماني عليه بتهمة اثارة الشغب والفوضى بين الناس، وانه رجل يجدف على الله ويخالف شريعة موسى. لم يجد الحاكم بيلاطس البنطي في هذه التهم مبررا تستوجب إصدار حكم الموت على يسوع، فغسل يديه أمامهم قائلا أنا برئ من دم هذا البار. لكن شيوخ الشعب ورجال الدين والكهنة المارقين هيجوا الشعب وصرخوا جميعا: اصلبه اصلبه، دمه علينا وعلى اولادنا. او نرفع دعوانا الى القيصر. فخاف الحاكم بيلاطس من هياج الشعب، فأصدر حكما على البرئ بالموت صلبا كي يتخلص من ثورة اليهود عليه.

لم يمض سوى أيام قلائل على يوم أحد الشعانين واستقبال يهود أورشليم يسوع الناصري بأغصان الزيتون مهللين بدخول المسيح أورشليم المقدسة منشدين مبارك الآتي باسم الرب فانقلبوا ضده يوم الخميس والجمعة وصاروا يهتفون اصلبه اصلبه.

لقد كانوا يعتقدون ان المسيح هو المخلص لهم من حكم الرومان، فجاء مسيحا متواضعا وديعا طيب القلب، قال لهم أنا الراعي الصالح الذي يبحث عن الخراف الضالة كي اهديها لطريق السلام والملكوت. انا نور العالم أنا الأول والآخر. انا اصل وذرية داود.

لكن كهنة اليهود وحزب الفريسيين لم يرق لهم هذا الكلام لأنهم يبحثون عن دنياهم ومصالحهم لا عن آخرتهم وخلاصهم الأبدي. فماتوا في خطاياهم لأنهم لم يؤمنوا بالمسيح المخلص. وكان مصيرهم بحيرة النار والكبريت التي أعدت لإبليس وأعوانه.

أما كل من آمن بيسوع واعتمد خلص كتب له ملكوت السماء والحياة الأبدية السعيدة.

صلب اليهود وشيوخهم الدينيين وقتلوا ملك السلام ورسول المحبة وغافر الخطايا وشافي الأمراض ومحيي الأموات. فقال عنهم يسوع وهو على الصليب:"يا ابتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون."لأن المسيح نزل من السماء من أجل الفداء والتضحية بنفسه بإرادته السابقة لخلاص النفوس الخاطئة.

الموت لم ينتصر على يسوع الناصري مسيح الرب لأن الله معه بلاهوته، فقام بعد ثلاثة ايام منتصرا على الموت وكاسرا شوكته، وظهر لتلاميذه جميعا. ووعدهم بإرسال الروح القدس قريبا ليمكث فيهم ويرشدهم ويقويهم لإكمال رسالته وطالبهم أن يبشروا بالإنجيل للخليقة والأمم كلها ويعمدوا الناس بأسم الآب والأبن والروح القدس.

صعد يسوع المسيح الى السماء أمام أنظار المئات من احبائه وأنصاره والمؤمنين به قاهرا الموت مثبتا الناس على الإيمان به وكان ذلك دليلا على ألوهيته وأنه ابن الله فعلا وكلمته المتجسد. فآمن به الآلاف من اليهود وأبناء الأمم من غير خراف بني اسرائيل الضالة.

أصبح عدد المؤمنين بيسوع الناصري المليارات من شعوب الأرض والأمم، بينما بقى اليهود الغير مؤمنين به منتظرين ظهور مسيحهم المنقذ الذي لا يظهر مهما انتظروا، شعبا صغيرا وعددهم لا يتجاوز الخمسة عشر مليون في كل أرجاء العالم. جاء الى خاصته (اليهود) وخاصته لم تقبله، رفضوه ورفضوا الإعتراف به انه أبن الله.جاء ليخلصهم من خطاياهم وينقذهم ويفتح لهم ملكوت السماء فرفضوه. لكن قلة من المؤمنين به نشروا رسالته وبشروا بالإنجيل المقدس الى كل أمم الأرض، فآمن به المليارات من البشر. 

مبارك الآتي باسم الرب. يسوع ملك السلام ورسول المحبة.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا