من وحي الصلب والقيامة... أين أنت يا سيّدي؟!

"..... هل رأيتم السيّد؟!" " أخذوا سيّدي ولست أعلم أين وضعوه......"
05 ابريل - 07:19 بتوقيت القدس

بعبارات كهذه عبّرت مريم المجدليّة عن الصدمة والصراع الذي واجهته عندما توجّهت فجر الأحد لتنظر القبر وتفتقد جسد الحبيب الميت بالأطياب والحنوط ....
ولقد كرّرت هذه العبارة الأخيرة بالذات مرّتين، في حادثتين مُتقاربتين مع أشخاص مُختلفين، وإن كان يجمعهم نفس الموقف، نفس الحيرة، بل ونفس الصدمة!
قالت مريم بدهشة بالغة وإحباط هائل لسمعان بطرس وليوحنّا إنّهم أخذوا السيّد (أي جثمان السيّد) من قبره إلى مكان مجهول!
لم تكن مريم تدري عن تفاصيل الأمر شيئا، فهي لم تكن تعلم من هم الذين أخذوه، ولا لماذا أخذوه، ولا لأيّ جهة حملوه، ولا الغرض الذي بسببه أخفوه!!
كان الموقف كله ملتبسا وغامضا بالنسبة لها وهي بالطبع لها كل العذر في ذلك!!
نعم، لقد إزداد الموقف تعقيدا فوق تعقيده الذي كان،عند الجميع عموما وعند مريم على وجه الخصوص، بل وازداد الموقف كله ألما وحزنا وقنوطا، إذ زاد وغطّى على ألم فراق الحبيب بعد ما لاقاه من ألم وعذاب وهوان، ألم الحرمان حتى من تكريم جسد الميّت وتكفينه التكفين اللائق بسيّدها وربّها كما كانت فروض المحبّة تستدعي.....

كانت كلّ الذكريات تتداعى أمام ناظريها، فهي مريم الوحيدة، التي كانت مُنحرفة ومنبوذة..... لم يكن أحد يرغب فيها إلاّ للشر، واعتادت أن تلاحقها نظرات الاحتقار والاستهجان في كلّ مكان تتحرّك فيه، والأدهى..... كم تعذّبت من شياطين كثيرة..... وآه لو نعلم كم يُعذّب الشيطان، لا الأرواح فقط، بل والأجساد أيضا.........

نعم، لو كان بإمكاننا أن ندرك هذا كلّه، لعرفنا عمق تأثير رحيل يسوع على حياة هذه المرأة المسكينة، ربما أكثر من أي شخص آخر من البقية الباقية لقد رحل الأب والأخ والصديق والحبيب، وترك رحيله فراغا ـ لا يمكن تعويضه ـ عند رفقائه جميعا، وعند المجدليّة بالأخص.

نعم، كانت الجراح ما تزال ساخنة تنزف دما.... وكانت تداعيات آلام التعذيب والجلد والاحتقار والعار الذي ألمّ بيسوع ما تزال عالقة في الأذهان.....
والآن، ها أنت يا يسوع ترحل وتتركنا، وحين تبدأ الجراح تندمل، ها المشهد يلفّه الظلام من جديد من كلّ جانب!!

والآن، من جديد............
أين أنت يا ســــيّدي؟
هل رأى أحدكم جسد السيّد؟
نعم، لقد مضى الجسد، لكنّ روحه مازالت موجودة، نشعر بها في لمساته التي تُضمّد جروح قلوبنا المكلومة الصابرة، نعم، هو يحيط بنا من كلّ جانب، تتردّد تعاليمه ووصاياه وأمثاله ومواقفه معنا داخلنا، فتضيء لنا ظلام الطريق.......
وهل يمكننا أن ننسى معجزاته التي صنعها.... محبّته التي برهنها، وصورة المرأة النازفة التي لمسته فبرأت من دائها، والأبرص والأعمى والميت والمقهور................
ما زالت كل هذه الصور وغيرها تمرُّ كشريط مبارك أمام عيوننا، فهل لنا أن ننساها؟ لا لا لن ننسى... كيف لنا أن ننسى كلّ هذا؟

دارت كل هذه الأمور بخاطر مريم وهي ذاهبة للقبر لتحنّط جسد المسيح الحبيب  الذي اختفى بحضوره الملموس للبشر وبجسده الحي (لكن ليس بروحه). لكن حتّى الجسد الميّت كان قد تبخّر وكأن الحكاية كلّها كانت حُلما جميلا كانت تتمنّى أن يظلّ إلى الأبد، لكن هيهات، فقد مضى الحلم الجميل سريعا وانتهى!

لكنّ يسوع أبى إلاّ أن يُحوّل الحزن كلّه إلى فرح، وأن يُشرق بنوره كالشمس فيُبدّد الظلام، كما عوّدنا دائما أن يفعل، وأن يقول مجرّد كلمة فتسكن الريح وتهدأ العواصف، ويقوم الميّت وتحيا العظام اليابسة......

نعم، إن يسوع كان دوما هناك ولا يزال.....
"يا مريم ...." نادى الصوت الحبيب المألوف فعرفته على الفور فتبدلت الحيرة والظنون والحزن إلى طمأنينة وثقة واطمئنان....
لماذا يا مريم؟ لماذا نسيتي وكيف تنسين؟ كيف تنسين الوعد المبارك إنّه معنا، وإنّه لن يتخلّى عنّا أبدا مهما حدث، وإلى المُنتهى..... نعم، فقد فدانا بهذا الموت المُهين، لكنّه لا، لم يمت إلى المُنتهى ولن يموت أبدا، وكيف يموت الكلمة وكيف تموت الحياة؟!
ألم يكن هو القائل: أنا هو القيامة والحياة؟!
لا يا مريم، ليس الحقُّ معك، نعم، في ضعفك وضعفنا نقول إنّك معذورة، لكنّه في محبّته لا ولن يتخلّى أبدا، فليست هذه هي خصاله التي عرفناها، وليست هذه هي طبائعه ورقّته وروعته التي مرارا لمسناها واختبرناها......

لا يا مريم، اسمعيني وانتبهي لي جيدا أيتها الأخت المحبوبة أنت وكل أتباع الطريق....
وقت ضيقك وضعفك، لابدّ أن تسندك الوعود وتقوّيك،
وقت حزنك و ألمك وهمُّك، لابد أنّ يده ستسندك وسترفعك.......
وإن بدا لك أنه قد تركك ومضى، لا تصدقي بل اعلمي جيدا أنه أقرب منك وإليك كثيرا جدا مما تتخيلين!
إنه موجود وسيحوّل نوحك إلى طرب وفرح ..........
وفي زمن ارتدائك المسوح، هو سيحلّها عنك ........
ويمنحك عوضا عنها.....
رداء فرح وتهليل وتسبيح.......
لا يا مريم..... أرجوكي تعلّمي الدرس، ولتعيه جيّدا....
لليوم وغدا، ولكلّ أيّام الحياة.................
لا يا مريم، لا تنزعجي ولا تبتئسي ولا تتحيّري......... 
فهذه لم تكن أبدا هي النهاية، بل البداية..........
بداية فجر ونور وإشراق جديد.........
فمن الظلمة سيخرج النور،
ومن الظُلم والجور سيخرج العدل والحقُّ والإنصاف،
ومن آلام جروح المصلوب، سيخرج ينبوع يشفي المجروح ويُبريء السقيم
لا يا مريم، افرحي وترنّمي معنا......
إنّه قد قام، بالحقيقة قام، هللويا

واليوم، يتكرّر نفس المشهد بتفاصيل جديدة مُعاصرة.....
واليوم يسأل المؤمنون كثيرا وقت تجاربهم وآلامهم......
أين أنت يا سيّد..........
لماذا تركتنا وذهبت بعيدا..............؟!
ويبحث الكثيرون ويفتّشون..............
أين هو السيّد؟ هل رأى أحدكم السيّد؟
بل وقد يتجاسر الكثيرون منهم وقت ضعفهم وحيرتهم ويصرخون..........
أخذوا سيّدنا ولسنا نعلم أين وضعوه....!!

لا، لم يأخذوا سيّدنا ولن يستطيعوا أن يأخذوه بعيدا عنّا، مهما قالوا ومهما فعلوا..................
يا له من رجاء مُبارك.......
إنّه حيّ.... إنّه موجود..... بين الأحياء وليس في القبر.
نعم قد مات، لكنّه قام وأقامنا معه.... 
نعم مضى، لكنّه معنا بروحه، وهو قريب لكلّ الذين يدعونه، أمين يسير معهم كلّ الطريق......
نعم تركنا وصعد، لكنّه سيأتي ثانية ليأخذنا لنكون معه في كلّ حين.....
هناك سيمسح الدموع
هناك ستنتهي الالام وتتعزى النفوس
وهناك سنكون برفقته إلى أبد الآبدين
لأن الذي مات وقام سيأخذنا عنده لنكون معه في الأبدية المباركة السعيدة
إذا لنُعزّي بعضنا بعضا بهذا الكلام.
آمين

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا