كل شخص منا يرغب بأن يكون مقبول ومحبوب في البيئة التي يعيش فيها، ان كان في البيت والعلاقات داخل الأُسرة الواحدة، او مع أصدقائنا واهل بلدتنا، في اماكن دراستنا وعملنا وفي كنائسنا ايضًا.

من السهل جدًا ان نطلب دائمًا اهتمام الآخرين بنا، محبتهم وعطائهم المُستَمِر لنا، لان طبيعة الانسان هي الاخذ من الاخرين وليس العطاء لهم.

لكن هل هذا الامر صِحِّي وجَيِّد لنا؟ وهل يُوافق تعاليم كلمة الله في الكتاب المقدس؟ 

هذا الموضوع فائق الاهمية، وهو مدى ادراكنا جميعًا اهمية المحبة والعطاء للآخرين، ولكن ايضًا كل واحد منا بحاجة ان يُدرك محبة الآخر له بل وان يُقدرها ايضًا.

هذا من ناحية واحدة، اي المحبة في العلاقات، ومن ناحية اخرى موضوع الخضوع والطاعة احدنا للآخر، في كل المجالات التي ذُكرت اعلاه.

كل واحد منا له شخصيته وكيانه الخاص، في التصرف وطريقة التفكير، ان كان على اساس التربية التي تلقاها من الاهل، من تجارب الحياة وقبل كل شيء من خلال نُمُوِّنا الروحي وعلاقتنا بالرب الاله.

فهنالك من يركز كثيرًا على المحبة والعطاء، كل شيء عنده مسموح وفي كل وقت، لا حدود عنده ولا تقييم للمواقف. وهنالك من هو شديد الطَبع والفكر، كل شيء عنده على اساس القوانين والمبادئ والتعاليم، شديد جدًا في تعاملاته مع الآخرين ونادرًا ما يتنازل لهم، وفي المجال والحياة الروحية يُؤمن كثيرً بالناموس والخضوع والطاعة، ويُهمِل المحبة والعطاء والتضحية للآخر، حتى لو كان هو على صواب والآخر هو المُخطئ!

كيف لنا ان نَجِد ونجتهد للوصول الى هذا التوازن المقدس بين المحبة والخضوع؟

انا على يقين تام ومطلق، انه اذا تأملنا بمسيرة حياة الرب يسوع المسيح في ايام تجسده، وعلاقته مع الله الآب القدوس، سوف نجد مثال كامل عن هذا التوازن المقدس والصحيح.

قبل كل اعتبار علينا ان نتأمل بهذه المحبة التي هي بالفعل فائقة المعرفة، ويصعب على الفكر البشري ان يُدركها ويفهمها بالكامل، لكن من خلال اعلان كلمة الله لنا، من الممكن ان نبدأ بفهم وادراك هذه المحبة الكاملة التي احبها الآب ابنه يسوع المسيح، ومحبة يسوع للآب السماوي.

ففي انجيل يوحنا 16:3 نقرأ انه هكذا (اي بهذا المقدار) احب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لا نبي ولا رسول ولا ملاك من السماء ارسل الآب لخلاص العالم، بل ابنه الوحيد، يسوع المسيح القدوس البار، وبهذه المحبة العظيمة الكاملة احب الله العالم اجمع.

وهذا ما يذكره يوحنا في انجيله الاصحاح السابع عشر، بأن الله الآب يُحبنا كما احب يسوع (يوحنا 23/17)، ويتابع يسوع قائلًا " لانك احببتني قبل انشاء العالم " وايضا  "ليكون فيهم الحب الذي احببتني".

وعندما اعتمد يسوع المسيح من يوحنا المعمدان، وعند جبل التجلي، سمع التلاميذ صوت من السماء قائلًا:

"هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرت، وايضًا يقول له اسمعوا".

ما اعظمها من محبة، ما امجدها من شركة مقدسة بين الآب والابن، حتى ان الآب اعطى الابن اسم فوق كل اسم، الذي سوف تجثوا له كل ركبة، ويعترف كل لسان بان يسوع المسيح هو ربٌ لمجد الله الآب.

هذا الابن المبارك، يسوع المسيح، الذي دُفِع اليه كل سلطان في السماء وعلى الارض، ليشفي، ليحرر من سلطان ابليس، بل هو ايضًا الذي سحق رأسه في الصليب، هو الذي له السلطان بان يغفر الخطايا لانه ابن الانسان. مع كل هذا السلطان والمجد والقدرة، لكنه لم يُقاوم ولم يُعاند ابدًا المشيئة الالهية لخلاص البشر، بل اطاع في ميلاده المتواضع في مذود بيت لحم، اطاع وخضع ليوسف وامه مريم، اطاع وخضع حتى الموت موت الصليب، موت الخزي والعار والهوان، لم يمت موت الابطال والملوك، مع كونه ملك الملوك ورب الارباب، لكنه عاش حياة وديعة ومتواضعة، في خضوع تام وكامل للآب، وهو الذي نقرأ عنه بانه مع كونه ابنًا، تعلم الطاعة ممَّا تألَّم به (عبرانيين 8:5)، كذلك تحققت النبوة المذكورة في المزمور 40، بانه في درج الكتاب مكتوب عني، ان افعل مشيئتك يا الهي سُرِرت، وشريعتك في وسط احشائي (مزمور 8:40، عبرانيين 7:10). 

كذلك يُؤكد لنا بطرس الرسول، الذي عاين حياة ومجد المسيح في ايامه على الارض، يشهد بان المسيح قد تألم لاجلنا بالجسد، ويدعونا نحن ايضًا بان نتسلَّح بهذه النيَّة (بطرس الاولى 1:4).

هو الذي اعلن لنا انه من رآني فقد رآى الآب، يسوع المسيح اظهر لنا تجسد محبة الله الآب للعالم اجمع، كذلك يذكر لنا يوحنا ان يسوع احب خاصته حتى المنتهى، ومع كونه الابن الوحيد المحبوب، لكنه اطاع وتواضع الى اقصى الحدود، وخضع للآب السماوي، لان المحبة التي كَلَّلت هذه العلاقة المجيدة والشركة المقدسة التي كانت وما زالت بين الآب والابن، كانت الدافع الاول والاخير لهذا الخضوع العجيب، ولكي تكون هذه المحبة وهذا الخضوع مثالًا لنا جميعًا، نموذجًا ونمط حياة نحتذي به، في علاقتنا الزوجية، مع اخوتنا في الكنيسة وخدامنا، وعلاقتنا مع من هم حولنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا