خبرٌ حملته صحفٌ إيطالية يقول إن كاهنا قرر فتح أبواب الكنيسة التي يرعاها في إحدى مدن شمال إيطاليا أمام المسلمين لأداء صلاة الجمعة في ظل عدم وجود مسجد في تلك المنطقة. وبحسب صحيفتي "لاريبوبليكا" و"كورييري ديلا سيرا" الواسعتي الانتشار، فإن جزءا من مبنى كنسية سانتا ماريا أسونتا في ضاحية باديرنو دي بونزانو في مدينة تريفيزو، يتحول إلى مسجد كل يوم جمعة، وإن نحو 200 مسلم يتوافدون للصلاة في تلك الكنيسة قادمين من مناطق مختلفة.

وبرر الكاهن دون ألدو دانيلي المشرف علي الكنيسة قراره بأنه نابع من رغبته في توطيد التلاقي بين الثقافات والأديان وتعزيز سبل اندماج الجالية المسلمة المقيمة في تلك البلدة. وقد تحدى الكاهن الإيطالي بذلك، مخاوف بعض سكان المدينة من أداء المسلمين شعائرهم الدينية في رحاب الكنيسة. ويبلغ عدد مسلمي إيطاليا حوالى مليون مسلم، 5 في المئة منهم فقط من أصل إيطالي. انتهى مضمون الخبر. وأفهم هذا جيدا. ولا يدهشني.

يدهشني في المقابل، لا، أقصد لم يعد يدهشني في المقابل، قانونٌ يمنع تشييد كنيسة في مصر إلا بموافقة مباشرة من رئيس الجمهورية. رغم أن في مصر أكثرَ من عشرة ملايين مسيحي! وحتى عام 1999 كان مجرد ترميم أي جزء تالف من كنيسة، ولو كان حائطا وشيك السقوط فوق رأس الناس، لا يتم كذلك إلا بعد موافقة مباشرة من أعلى سلطة في البلاد. وحتى بعد تصديق الرئيس يحتاج الأمر إلى سلسلة لا تنتهي من التوقيعات والموافقات "التعجيزية" والموافقات الأمنية (كأن المطلوب بناء قاعدة حربية أو نووية مثلا!) التي يجب أن تتم قبل إنشاء دار عبادة تعتمره فئة ضخمة من مواطني مصر تناهز العشرة ملايين نسمة.

في المقابل يُعفى مالكُ برجٍ سكنيّ من دفع الضرائب مدى الحياة لو فقط بنى في أسفله مسجدا صغيرا أو زاوية لصلاة المسلمين، حتى لو وصل عدد طبقات البرج ثلاثين أو أربعين طبقة!! لن أخوض في حقائق تاريخية معروفة، مثل أن مصر في أساسها تخص الأقباط، وأن كلمةEgypt مشتقّة من الأصلCoptic بمعنى قبطيّ.

ولن أضيف جديدا حين أقول إن مسلمي مصر ليسوا إلا غزاةً فاتحين دخلوا البلاد عنوةً بمعرفة عمرو بن العاص، الشخصية الملتبسة المتهمة بكثير من المشينات، من بينها توزيع كتب مكتبة الإسكندرية على الحمّامات لحرقها بعدما أرسل اليه عمر بن الخطاب رسالة تقول إن ما كان من هذه الكتب موافقا لكتاب الله ففي كتاب الله عنه الغنى، وما كان منها مخالفا لكتاب الله فلا حاجة لنا به! ثم قام بن العاص بفرض الجزية الضخمة على من تمسّكوا بعقيدتهم من المصريين ولم يدخلوا الدين الجديد. وكان يُعلّم على أجسادهم وأثوابهم وأبواب بيوتهم بعلامات عنصرية تفيد أن نصرانيا يقطن هذا البيت فاجتنبوه.

وقد بلغ من احتقار العرب الغزاة للمصريين (أصحاب البلد) أن قال معاوية بن أبي سفيان: "وجدتُ أهلَ مصرَ ثلاثةَ أصناف: فثلثٌ ناسٌ، وثلثٌ يشبه الناسَ، وثلثٌ لا ناس. فأما الثلث الذين هم ناسٌ فالعرب، والثلث الذين يشبهون الناس فالموالي؛ أي من أسلم من المصريين، والثلث الذين لا ناس فالمسالمة أي القبط"!!! ولن أعيد الكلام عن البند الثاني في الدستور المصري، الذي يحاول مثقفو مصر إلغاءه منذ دهر بدون فائدة، ويقول إن مصر بلد إسلامي بما يعني أن كل مواطن مسيحي هو في الضرورة مواطن من الدرجة الثانية. ولا الكلام حول مطالبتنا، نحن المثقفين التعساء، بإلغاء خانة الديانة في بطاقة الهوية المصرية التي هي عقدُ مواطَنة بين المواطِن ودولته لا شأن له بالعقيدة. ولن أتعجّب من كون مباني جامعة الأزهر تُشيّد من ضرائب يدفعها مواطنو مصر من مسيحيين ومسلمين ثم يُحرّم دخولها على غير المسلمين! ولن أحكي عن عراكنا عن أحد الدعاة الفاشيين حين قال إن العقيدة شرط للمواطنة. ولما قلنا له كلامك يا مولانا يعني أن المسلم الأفغاني له حق المواطنة في مصر أكثر من المصري القبطي! قال نعم!!!!!!!

"الدين لله والوطن للجميع"، هو الشعار الذي رفعته ثورة 19، حكومةً وشعبًا، حين كانت مصر راقيةً وأكثر تحضراً ووعيا. حين كانت خلواً من مثل هؤلاء الأدعياء الذين يفتتون أوصال الوطن ثم يتعجبون من الفتنة الطائفية الطارئة غير المسبَّبة. فأما الدين فلم يزل لله ، فهل الوطن مصرُ للجميع؟ لن أجادل في كل البديهيات السابقة المهدَرة لأني تعبت حقا من المجادلة والعراك في شأنها. لكني سأجرّد الأمر من دون الخوض في تفاصيل.

كيف أمنع نفسي من الدهشة أن يأتي علينا حينٌ من الدهر يكون بناء نادٍ ليلي أو ملهى للترفيه أيسر من بناء دار للعبادة؟ شهدت مثل هذا الأمر بنفسي. في الحي الذي أسكن فيه بالقاهرة: مدينة الرحاب، تلك المصممة على النسق الأوروبي، وقسم عظيم منها مخصص لسكنى الجاليات الأوروبية من أساتذة الجامعات والأطباء والعلماء وأسرهم. يوجد فيها، حتى الآن فقط، ثلاثة مساجد ضخمة فخمة. وحين فكر البعض في بناء كنيسة واحدة لخدمة مسيحيي الرحاب من مصريين وأجانب، ثارت الثائرة وانتفض القوم. ولم تتم الموافقة إلا بعد عمل بيان استنكاري حاد اللهجة هدد فيه المسيحيون بالانسحاب من المدينة إن لم تُبنَ لهم كنيسة. وكان لهم ما أرادوا بعد عذاب شهدتُه بنفسي وعاركت فيه.

وبعمل تجريد جديد، أقول إن الفارق في الوعي بين "فرد واحد" هو ذلك الكاهن الإيطالي الجسور، وبين "مجموع ضخم" يمثّل الحكومة المصرية بدستورها العنصري، وبعض دعاتها الفاشيين، وقسما لا يُستهان به من القاعدة الشعبية، هو الفارق الحضاري والفكري والوجودي بين بلد أوروبي وبلد من العالم الثالث. طرفةٌ رياضية أن يكون وعي "فرد" أعلى من "محصّلة وعي مجموع"!

مأخودة عن موقع الحوار المتمدن:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=191&aid=120706

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا