تشهد عدة دول أوروبية تجددًا في حوادث الاعتداء على الكنائس والممتلكات المسيحية، شملت محاولة إشعال حريق داخل كاتدرائية في فرنسا، واقتحام كنائس وسرقة أوانٍ مقدسة وتحطيم صليب في إيطاليا، إلى جانب تدنيس مرافق دينية وتعطيل استخدام دور العبادة في ألمانيا. وتأتي هذه الحوادث بالتزامن مع تحرك داخل البرلمان الأوروبي لمناقشة الاعتداءات المعادية للمسيحيين وضرورة توفير حماية متساوية للمؤمنين وأماكن عبادتهم.
في فرنسا، أوقفت السلطات شابًا يبلغ من العمر 19 عامًا داخل كاتدرائية نوتردام بمدينة دي (Die)، في 8 أكتوبر الجاري، بعدما شوهد وهو يحاول إشعال النار باستخدام شمعة وأعواد ثقاب. وفتحت الشرطة تحقيقًا في محاولة إحداث أضرار بالحريق، فيما أمرت النيابة بإجراء تقييم نفسي للمشتبه به، الذي لم تتحدد دوافعه بعد. وأشارت التحقيقات الأولية إلى اهتمامه بمقاطع مصورة لحرائق، دون ثبوت دافع معادٍ للمسيحية.
وفي حادثة أخرى بفرنسا، شهدت كنيسة سانت هيلير في بلدة سولان (Soullans)، في 4 أكتوبر، تصرفات مسيئة داخل المبنى، بعدما صوّر تسعة مراهقين أنفسهم وهم يغنون ويرقصون على أنغام أغنية تتضمن إشارات تمجّد هجومًا إرهابيًا سابقًا. وأظهرت المقاطع عبثًا بمحتويات الكنيسة وآثار حروق على بعض المقاعد، ما دفع السلطات إلى فتح تحقيق. كما تعرض تمثال للسيدة العذراء في جزيرة كورسيكا للتحطيم مطلع الشهر الجاري.
وفي إيطاليا، اقتحم مجهولون كنيسة القديس ألكسندر التاريخية في بلدة تراونا شمال البلاد خلال ليلة 14–15 أكتوبر، بعد كسر أحد أبوابها الجانبية. وعبث المقتحمون بمحتويات غرفة الأواني المقدسة، وسرقوا كأسًا وأواني طقسية وأداة لعرض القربان المقدس، إلى جانب تحطيم صليب وإلحاق أضرار بمرافق الكنيسة. وأثارت الحادثة استياء السكان، فيما أعلنت السلطات المحلية توجهها لتعزيز المراقبة الأمنية.
كما تعرضت كنيسة أخرى تحمل اسم القديس ألكسندر في بلدة كاستيوني ديلا بريزولانا الإيطالية لعملية اقتحام خلال ليلة 13–14 أكتوبر، حيث سُرقت أدوات طقسية، ويُعتقد أن من بينها كأسًا واثنين من تيجان تمثال السيدة العذراء. وتواصل الشرطة مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة لتحديد المسؤولين عن الحادثة، بينما أوضح كاهن الرعية أن الاعتداء تمثل في اقتحام وسرقة، دون تسجيل أعمال تدنيس متعمدة داخل الكنيسة.
أما في ألمانيا، فقد قررت رعية كنيسة السيدة العذراء في منطقة فلينغن بمدينة دوسلدورف إغلاق الكنيسة خارج مواعيد الخدمات الدينية، عقب حادثة تلويث جرن المياه المقدسة بالفضلات، وسط شكاوى من تكرار أعمال التخريب والتصرفات المسيئة داخل مدخل المبنى. وأدى القرار إلى تقييد إمكانية دخول المؤمنين للصلاة الفردية في الأوقات المعتادة.
وشهدت كاتدرائية ترير الألمانية، في 14 أكتوبر، حادثة أخرى بعدما أطلق رجل يبلغ 72 عامًا عشرات الحشرات داخل إحدى مصليات الكاتدرائية، ما تسبب في إغلاق جزء منها مؤقتًا. وفتحت الشرطة تحقيقًا للاشتباه في تعطيل ممارسة الشعائر الدينية، دون تسجيل أضرار مادية بالمبنى أو الأعمال الفنية.
وتأتي هذه الوقائع في وقت تتزايد فيه الدعوات الأوروبية للتعامل بجدية أكبر مع الجرائم التي تستهدف المسيحيين. ففي 12 أكتوبر، استمعت لجنة الالتماسات في البرلمان الأوروبي إلى ممثل عن المركز الأوروبي للقانون والعدالة (ECLJ)، بشأن ما وصفه المركز بتصاعد الأعمال المعادية للمسيحيين وضرورة ضمان الحماية المتساوية داخل الاتحاد الأوروبي. وأبقت اللجنة الالتماس مفتوحًا لمزيد من المتابعة.
وبحسب الأرقام التي أوردها المركز استنادًا إلى مرصد عدم التسامح والتمييز ضد المسيحيين في أوروبا (OIDAC Europe)، فقد سُجلت 2,211 جريمة كراهية ضد المسيحيين خلال عام 2024، بينها 94 حادثة حرق متعمد للكنائس و274 اعتداءً جسديًا، وهي إحصاءات تعكس حجم الظاهرة في سنة الرصد، ولا تمثل عدد الحوادث المسجلة خلال أكتوبر الجاري.
وتسلط هذه الأحداث الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه بعض الكنائس الأوروبية، سواء من خلال التخريب أو السرقات أو المساس بحرمة الأماكن المقدسة. ومع ذلك، لا تزال دوافع بعض الحوادث قيد التحقيق، ولا تتوافر أدلة تثبت ارتباطها جميعًا بكراهية المسيحيين أو بخلفية دينية واحدة للمعتدين.
وفي ظل هذه التطورات، تتجدد المطالبات بحماية دور العبادة والممتلكات الدينية، وضمان بقاء الكنائس أماكن مفتوحة وآمنة للصلاة والعبادة، إلى جانب محاسبة المسؤولين عن الاعتداءات وفق القانون، دون تمييز على أساس الدين أو الخلفية الاجتماعية.
