في مشهد يثير قلق المسيحيين في سوريا والشرق الأوسط، لم يعد الحديث عن “ارتفاع” التمثيل المسيحي في البرلمان السوري كافيًا لوصف الحقيقة الكاملة. فصحيح أن عدد الأعضاء المسيحيين في مجلس الشعب الانتقالي وصل إلى ستة بعد التعيينات الأخيرة، إلا أن المقارنة مع المرحلة السابقة تكشف صورة أكثر إيلامًا: الحضور المسيحي في البرلمان تراجع من نحو 23 عضوًا من أصل 250 في عهد بشار الأسد، إلى ستة فقط من أصل 210 في المجلس الانتقالي الحالي.
هذا التراجع لا يمكن النظر إليه كرقم عابر، بل كإشارة سياسية واجتماعية عميقة تمسّ مكانة المسيحيين في سوريا الجديدة، ودورهم في صياغة مستقبل وطن كانوا جزءًا أصيلًا من تاريخه وحضارته وثقافته.
بحسب آسي مينا، ارتفع عدد المسيحيين داخل البرلمان الانتقالي من عضو واحد تقريبًا إلى ستة أعضاء بعد تعيين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع الثلث الأخير من أعضاء مجلس الشعب، وعددهم 70 عضوًا. وبهذا أصبح التمثيل المسيحي أقل بقليل من 3% من مجموع أعضاء المجلس البالغ 210 أعضاء.
لكن هذه النسبة، رغم تقديمها أحيانًا كتحسّن داخل تركيبة البرلمان الجديد، تبقى متراجعة جدًا عند مقارنتها بما كان عليه الوضع في عهد النظام السابق. فوفق تحليل منشور عام 2024 عن تركيبة مجلس الشعب السوري، كان المسيحيون ممثلين بنحو 23 مقعدًا من أصل 250، أي ما يقارب 9.2% من المجلس.
وهنا يجب التوضيح: الإشارة إلى هذا الرقم لا تعني بأي شكل تبرئة نظام الأسد أو تلميع صورته. فمجلس الشعب في عهده لم يكن مؤسسة ديمقراطية حقيقية، وكانت الحياة السياسية خاضعة لهيمنة أمنية وحزبية واضحة. لكن من الناحية الرقمية البحتة، كان الحضور المسيحي البرلماني أوسع بكثير مما هو عليه اليوم.
من منظور مسيحي، القضية لا تتعلق فقط بعدد المقاعد، بل بالسؤال الأعمق: هل للمسيحيين مكان حقيقي في سوريا القادمة؟ وهل يُنظر إليهم كشركاء أصيلين في الوطن، أم كمكوّن صغير يُكتفى بتمثيله رمزيًا لإظهار صورة شكلية عن التعددية؟
المسيحيون في سوريا ليسوا جماعة طارئة ولا وافدة. هم من أقدم مكوّنات البلاد، وجذورهم تمتد إلى بدايات المسيحية الأولى. من دمشق وأنطاكية وحلب وحمص وحماة والجزيرة ووادي النصارى وصدد ومعلولا، حمل المسيحيون عبر القرون إيمانهم، وخدموا أوطانهم، وشاركوا في التعليم والطب والثقافة والاقتصاد والعمل العام.
لذلك، فإن تراجع تمثيلهم السياسي إلى أقل من 3% في مرحلة انتقالية يُفترض أنها تؤسس لسوريا أكثر عدلًا وشمولًا، يطرح علامات استفهام كبيرة حول جدية الحديث عن المواطنة المتساوية وحماية التعددية الدينية.
كما أن طريقة تشكيل البرلمان الانتقالي نفسها تثير تساؤلات إضافية، إذ إن المجلس لم يُنتخب بالكامل عبر اقتراع شعبي مباشر، بل جرى اختيار ثلثيه عبر هيئات انتخابية محلية، فيما عيّن الرئيس الانتقالي الثلث الأخير. وذكرت رويترز أن المجلس الجديد سيعمل بصلاحيات محدودة في ظل نظام رئاسي انتقالي، وسط انتقادات تتعلق بمدى الشمولية والتمثيل الحقيقي لمختلف مكوّنات سوريا.
أمام هذا الواقع، لا يحتاج المسيحيون إلى مقاعد رمزية فحسب، بل إلى ضمانات دستورية وقانونية واضحة تحمي حرية الإيمان والعبادة، وتصون الكنائس والممتلكات، وتضمن المشاركة العادلة في مؤسسات الدولة، وتمنع أي شكل من أشكال التهميش أو الإقصاء على أساس ديني.
إن سوريا التي تُبنى من دون حضور مسيحي حقيقي ستكون سوريا ناقصة من روحها وتاريخها. فالمسيحيون لم يكونوا يومًا على هامش البلاد، بل كانوا في قلب هويتها المشرقية، وفي عمق رسالتها الحضارية.
ولهذا، فإن الرقم الحالي لا يجب أن يُقرأ كإنجاز، بل كجرس إنذار. فستة مقاعد فقط في برلمان انتقالي من 210 أعضاء لا تعكس حجم الحضور المسيحي التاريخي، ولا تطمئن العائلات المسيحية التي أنهكتها سنوات الحرب والهجرة والخوف على المستقبل.
المطلوب اليوم ليس العودة إلى نظام استبدادي سابق، ولا الاكتفاء بشعارات التغيير، بل بناء دولة حقيقية تحترم الإنسان، وتحمي التنوع، وتضمن أن يبقى المسيحيون في سوريا لا كذكرى من الماضي، بل كشركاء أحياء في حاضر البلاد ومستقبلها.
