في خطوة تاريخية بعد عقود طويلة من التردد الدبلوماسي، صادقت الحكومة الإسرائيلية، اليوم الأحد 28 حزيران/يونيو 2026، بالإجماع على اقتراح وزير الخارجية جدعون ساعر للاعتراف رسميًا بالإبادة الجماعية التي تعرّض لها الشعب الأرمني في أواخر العهد العثماني.
ويُعد القرار تحولًا مهمًا في السياسة الإسرائيلية، إذ امتنعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طوال سنوات عن اتخاذ هذه الخطوة، رغم أن كثيرًا من المؤرخين ودولًا غربية عديدة يعترفون بأن ما جرى بين عامي 1915 و1917 كان إبادة جماعية بحق الأرمن.
وبحسب القرار الذي أُقرّ في الحكومة، فإن إسرائيل لا تكتفي بالاعتراف بالمأساة الأرمنية، بل تدين أيضًا إنكار الإبادة أو التقليل من شأنها أو تشويه حقيقتها التاريخية، وهي نقطة تُعد من أكثر القضايا حساسية بالنسبة لتركيا، التي ما زالت ترفض استخدام مصطلح “إبادة جماعية” لوصف ما جرى للأرمن.
ومن المتوقع أن يُحال القرار لاحقًا إلى الكنيست للمصادقة عليه، في محاولة لترسيخ الاعتراف كخطوة رسمية واسعة على مستوى الدولة، وليس فقط كقرار حكومي.
وقال وزير الخارجية جدعون ساعر خلال جلسة الحكومة: “ليس متأخرًا أبدًا أن نفعل الشيء الصحيح”، مضيفًا أن الوقت قد حان لكي تقوم إسرائيل، كدولة يهودية، بتثبيت هذا الموقف رسميًا. ووصف ساعر الاعتراف بالإبادة الأرمنية بأنه “واجب أخلاقي وتاريخي”.
وتعود بداية المأساة إلى نيسان/أبريل 1915، حين اعتقلت السلطات العثمانية مئات القادة والمثقفين الأرمن في القسطنطينية، قبل أن تتوسع الأحداث إلى عمليات قتل منهجية، وأعمال قسرية، وترحيل جماعي للنساء والأطفال والشيوخ في مسيرات موت نحو الصحراء السورية. وتشير التقديرات التاريخية المتداولة عالميًا إلى مقتل نحو مليون ونصف مليون أرمني خلال تلك الأحداث.
وبالنسبة للأرمن المسيحيين حول العالم، لا يُعد هذا الاعتراف مجرد خطوة سياسية، بل يحمل بُعدًا معنويًا وروحيًا عميقًا، لأنه يعيد تسليط الضوء على آلام شعب مسيحي عريق تعرّض للقتل والتهجير وفقد جزءًا كبيرًا من تراثه الديني والثقافي.
ويأتي القرار في ظل تدهور غير مسبوق في العلاقات بين إسرائيل وتركيا، خصوصًا منذ هجوم السابع من أكتوبر، وبعد التصريحات الحادة التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد إسرائيل، إلى جانب مواقف أنقرة الداعمة لحركة حماس وتحركاتها السياسية والاقتصادية ضد إسرائيل.
ورغم ذلك، شدد ساعر على أن القرار لا يُعرض في القدس كخطوة انتقامية ضد تركيا، بل كجزء من الالتزام بالحقيقة التاريخية. وقال إن العداء السياسي الحالي من جانب أنقرة لا يمنحها حصانة من مواجهة الوقائع التاريخية.
وتحمل الخطوة أيضًا حساسية بالنسبة لعلاقات إسرائيل مع أذربيجان، التي تُعد شريكًا مهمًا لإسرائيل في مجالات الأمن والطاقة والاستخبارات. فباكو تنظر بحساسية إلى أي موقف رسمي يُفسَّر على أنه تبنٍّ للرواية الأرمنية، خصوصًا في ظل الصراع التاريخي بين أذربيجان وأرمينيا حول ناغورنو كاراباخ.
ومع ذلك، يبدو أن التقديرات في إسرائيل تشير إلى أن الكلفة السياسية للاعتراف أصبحت أقل مما كانت عليه في الماضي، خاصة أن العلاقات مع تركيا وصلت أصلًا إلى نقطة متدنية جدًا، بينما أصبح استمرار الصمت أكثر صعوبة من الناحية الأخلاقية والعامة.
ومن المتوقع أن يثير القرار رد فعل غاضبًا من تركيا، التي تعتبر الاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية خطًا أحمر سياسيًا. أما في أرمينيا والشتات الأرمني، فمن المرجح أن يُستقبل القرار كاعتراف متأخر بظلم تاريخي كبير، وربما كخطوة تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين إسرائيل وأرمينيا.
وبهذا القرار، تنضم إسرائيل إلى مسار دولي أوسع يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن، بعد سنوات طويلة من التردد. ورغم أن الاعتراف جاء متأخرًا، إلا أنه يحمل رسالة واضحة: لا يمكن للذاكرة التاريخية أن تبقى رهينة الحسابات السياسية إلى الأبد.
