جوهر التوحيد

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

جوهر التوحيد

ينظر عادة المسلمون للمسيحيين بأنهم غير مُوَحِّدين؛ متهمين اياهم بما يسمونه "بالتثليث"؛ وتعني لغويًا أنهم يؤمنون بثلاثة آلهة. وهي صورة مشوهه للثالوث الذي يؤمن به المسيحيون؛ وهذا التشويه أتى من آية قرآنية تقول: " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب" (المائدة 116 و 73). والآية تعلم أن المسيحيين يؤمنون بثلاثة آلهة فعلا؛ الله، مريم العذراء والمسيح!!! لكن المسيحيين لا يؤمنون بهذا التثليث الذي يقترح وجود ثلاثة آلهة! أيضًا تفترض الآية ثلاث آلهه منفصلين عن بعضهم البعض!!! ونرى فكرة الانفصال هذه، من نفس الآية؛ ومن عبارة: "إلهين من دون الله"، أي بمعزلة عن الله! وهذا أيضًا خطأ، فنحن نؤمن بإله واحد مثلث الأقانيم؛ كالإنسان الواحد المثلث الأقانيم؛ له روح، له نفس، وله جسد. أي أننا لو أخذنا مثال ملك يحكم مملكة مثلا؛ فنحن لا نؤمن بأن الذي يحكم المملكة ثلاثة ملوك، بل ملك واحد مثلث الأقانيم؛ له روح، له نفس، وله جسد. لكن مع هذا، يدعي معظم من الفقهاء المسلمون أن الديانة المسيحية ديانة مبنية على الشرك بالله، ويركزون طبعًا على ألوهية المسيح التي يؤمن بها المسيحيون؛ ويغيِّبون طبعًا ألوهية مريم العذراء التي تدَّعيها الآية أعلاه، عالمين أن هذا خطأ قرأني لا يقدرون على تفسيره. لكن مع أننا نؤكد لهم دائمًا عكس هذا الاعتقاد، الا أنهم لا يقتنعون ولا يقبلون.

لكن قبل أن نتكلم عن التوحيد ذاته، نحن نرى أن الفقهاء المسلمون لا يعرفون ما هو جوهر التوحيد، كما يعلمه الكتاب المقدس!! لذلك في هذا المقال سنتكلم عن أساس التوحيد وجوهره، ويُقصد به الأساس الذي يبني عليه الكتاب المقدس التوحيد وعبادة الله. وسنرى كيف أن جوهر التوحيد الذي يعلمه الكتاب المقدس يفوق نظرة المسلمين عن التوحيد، ويفوق أي ديانة أخرى مُوحِّدة. وأيضًا سنتكلم في القسم الثاني من المقال، عن رأي الكتاب المقدس في فكرة الشرك بالله، التي يعلمها الفقه الإسلامي.

أولا، جوهر التوحيد:

إن الذي يميز تعاليم الكتاب المقدس عن سائر الديانات، هو أن تعاليمه تتمحور دائمًا حول القلب والداخل أولا، وليست مؤسسة على الأعمال والأقوال الخارجية أو الشعائر الدينية. فأعطيت وصية التوحيد كأول وصية من الوصايا العشر، لموسى (1440 سنة قبل المسيَح)، حيث أوصى الله شعبه قائلاً: 
"2 أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ 3 لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي" خروج 20.
وعندما فسرها موسى لشعب إسرائيل، بحسب ما فهمه من الله على الجبل؛ وعظ الشعب بهذه الوصية وقال:
"4 اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. 5 فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ." تثنية 6. 
فالتوحيد الذي علَّمه الله لموسى، كان مؤسسًا على محبة الله من كل القلب والكيان؛ وغير مؤسس على شهادة يطلقها الإنسان بشفاهه، ويقول "أشهد أن لا إله إلا الله"؛ أوعلى أعمال وصلاة مفروضة عليه، يعملها لأجل الله! فالديانة التي لا تربط التوحيد بمحبة الله من كل القلب، هي ديانة مزيفة ومن ابتداع البشر. والسبب في هذا، هو أنه كأنها تصور الله كزوج يطلب من زوجته أن تقوم بواجباته الزوجية، وتقول له كلام محترم ولائق، لكن لا يهمه إذا كان قلبها مع رجل آخر!! فهل سيقبل أي زوج عنده كرامة هذا من زوجته؟! 
وإذا لا يقبل زوج بشري وضع كهذا، لماذا يُفترض أن الله سيقبله ؟! هل كرامة الله أقل من كرامة الإنسان؟! حاشا!! لذلك أي توحيد في جوهره لا يكون مؤسسًا على محبة الله من القلب، هو مزيف وليس من الله، بل من ابتداع البشر.

لكن ماذا زاد الله على هذه الوصية بمجيء المسيح؟

إن المسيح عمَّق مفهوم التوحيد أكثر، وزاد عليه جزئية هامة كان يفتقد لها شعب إسرائيل في القديم، مع أنها كانت موجودة في الشريعة (في لاويين 19: 34)؛ وهي محبة الإنسان لأخوه الإنسان، كالتطبيق العملي لمحبة الإنسان لله؛ وهذا يبرهن صحة وصدق توحيد الإنسان لله. فجميع البشر من مختلف الديانات الموحدة، يدعون أنهم يحبون الله!! فما الذي يبرهن فيما إذا كانوا يحبون الله فعلا أم لا ؟؟
وهنا المسيح علم أنه من يحب الله، يحب الإنسان الذي خلقه الله.
 لذلك ثبَّت المسيح وصية موسى عن جوهر التوحيد، وقال: 
" 29 فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. 30 وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى."
لكنه ربطها في الامتحان الذي يبرهن هل الإنسان يحب الله فعلا أم لا ؟ وهو أن يحب الإنسان أخاه الإنسان الذي خلقه الله، فأكمل وقال: 
"31 وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ»." مرقس 12. ففي الوقت الذي ثبت المسيح فيه وصية موسى عن جوهر التوحيد، الذي أساسه محبة الله من كل القلب والكيان؛ أعطى للإنسان امتحان على صحة توحيده؛ وقال أن الوصية الثانية "مثلها"؛ أي التطبيق العملي لها؛ أو النتيجة البديهية لها؛ وهي أنه إذا كنت موحدًا لله فعلا، وتحبه من كل قلبك؛ يجب أن تحب الإنسان الذي خلقه الله. وعندما سألوا المسيح عن من هو "قريبك"؛ وضح معناها بوضوح تام لا يقبل أي جدل أو شك أو إفتاء؛ بأنها تشمل أيضًا أي إنسان عدو لك وذات دين مختلف عنك (راجع قصة السامري الذي أنقذ إنسان يهودي مجروح، بالرغم من أنه عدو له، وذات دين آخر؛ لوقا 10: 29-37). 
أنظر ما أسمى هذا التعليم، وما أنفعه لالتحام البشر وكسر الكراهية والحواجز بينهم. هذه التعاليم اللإلهية التي غيبها العرب عن الناس منذ أكثر من 1400 عام؛ فقادوا الشعوب العربية إلى بحر من العنصرية والقتل والعنف والدماء والدمار!!! فبالنسبة لله، إذا كنت موحدًا حقيقيًا، يجب أن يكون توحيدك مؤسس على محبة الله من كل كيانك؛ وإذا كانت محبتك لله حقيقية، ستحب الإنسان الذي خلقه الله، كما أكد الوحي أيضًا وقال: 
"20 إِنْ قَالَ أَحَدٌ:«إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟" 1 يوحنا 4.

ثانيًا، لا يوجد شيء اسمه شرك بالله في الكتاب المقدس:

إن خطية الشرك بالله، كما يفسرها الفقهاء المسلمون، تعني أن يعبد الإنسان شريك آخر مع الله؛ فالله بحسب إيمانهم يجب أن يتمتع بكل العبادة والربوبية والسيادة. ونحن نتفق معهم بشكل تام في هذا؛ وأيضًا نتفق معهم تمامًا في أن عبادة الأوثان هي خطية من أعظم الكبائر عند الله. إلا أن الكتاب المقدس يرفض فكرة الشرك بالله كمبدأ، كما يفسرها الفقهاء المسلمون، وذلك على سياقين: 

الأول: الكتاب ينظر لعبادة الأوثان كأي شيء يحبه الإنسان أكثر من الله، وليس بالضرورة يعبده حرفيًا؛ أي يسجد له ويقدسه، كما يفهم المسلمون. لذلك بما أن جوهر التوحيد مبني على محبة الله وعلى القلب؛ فعبادة الأوثان، بحسب الكتاب المقدس، ممكن أن تشمل عبادة آلهة آخرى طبعًا؛ لكن أيضًا ممكن أن تكون ببساطة أمور يفضلها قلب الإنسان عن الله؛ وليست معتمدة على العبادة الخارجية التي لها طابع ديني. فيذكر الوحي مثلا التمرد والعناد كعبادة أوثان (1 صموئيل 15: 23)؛ محبة المال والأمور الدنيوية أكثر من الله، أيضًا كعبادة أوثان (متى 6: 24)؛ الطمع عبادة أوثان (كولوسي 3: 5 وأفسس 5: 5)؛ اللهو والزنى والملذات كذلك (1 كورنثوس 10: 7 وفيلبي 3: 19) وغيرها من الظواهر القلبية، التي لا تحمل طابع عبادة إله آخر كليًا!! لكن هي أمور في حياتنا، يفضلها الإنسان عن الله قلبيًا، ويسميها الله عبادة أوثان.

الثاني: إن فكرة الشرك بالله، وهي كما قلنا أن يعبد الإنسان إله ثاني مع الله؛ هي فكرة لا تتناغم إطلاقًا مع طبيعة الإنسان، وهو مصطلح ليس دقيق!! لأن طبيعة الإنسان بحسب ما يشرحها الكتاب، هي أنه دائمًا يفضل سيد واحد فقط على حياته، وليس اثنين معًا بنفس المقدار (كما يصور الفقه الإسلامي الشرك). لذلك يقول في الوصية الأولى " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي" يعني "قبلي"، ولا يقول: "لا يكن لك آلهة أخرى معي"!! لماذا؟؟ لأنه كما يوضح المسيح "24 لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" متى 6 ومعنى مطلع الآية بحسب ترجمة الروم الارثوذكس، "لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يعبُدَ ربَّيْنْ"؛ أي أن فكرة الشرك بالله، هي فكرة خطأ ولا تصور دقة ودراية بنفسية الإنسان إطلاقًا؛ حيث دائمًا نفس الإنسان تميل إلى تنصيبْ كيان واحد فقط على عرش حياته، وليس إثنين معًا. إمَّا الله، أو إنسان أو شيء آخر تفضله النفس عن الله. وحتى إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمران متنافسان معًا على المكان الأول في حياته، وهو لا يعلم ما أو من الأفضل؟؟ لكن بمرور بعض الوقت، سرعان ما يأخذ كيان واحد فقط، المكان الأول في حياته. إذا فكرة الشرك بالله، فكرة خاطئة وتتضارب مع تعاليم الكتاب المقدس وتتضارب مع طبيعة وآلية عمل نفس الإنسان!!

إذا جوهر التوحيد هو أن يُحِب الإنسان الله من كل قلبه وكيانه؛ وأن يحب كل إنسان خلقه الله، وحتى لو كان عدو له أو إنسان ذات دين آخر. فإذا كان إيمان الإنسان وممارساته الدينية من جهة التوحيد، لم تقده لمحبة أخاه الإنسان ذات الدين الآخر، يكون توحيدة مزيف وليس حقيقي. وفي الحقيقة، لا يوجد شيء اسمه شرك بالله، فإما أن يقدِّس الإنسان الله ويعبده ويفضله عن أي كيان آخر في حياته؛ أو أن يفضل شيء آخر عن الله، ليس بالضرورة إله آخر يعبده بشكل حرفي؛ بل ربما أمور أخرى في الحياة تأخذ المكانة الأولى في حياته من الله؛ فيعتبرها الله عبادة أوثان أيضًا. وهنا نرى صرامة عظيمة جدًا في تعاليم الكتاب المقدس عن التوحيد وعبادة الأوثان، أكثر من أي مذهب آخر عرفته البشرية.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
لقد انتشرت مقولة غاندي "كن أنت التغيير الذي تتمنى أن تراه في العالم"، لكن مُعظم المفكرين في العالم، لا يدركون أن هذه المقولة هي أحد التطبيقات العملية للقاعدة الذهبية التي تعلَّمها غاندي من المسيح
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader