تجتاح العالم العربي والاسلامي هذه الايام، موجات من الاحتجاجات واعمال الشغب احتجاجًا على عرض الفيلم الذي أساء الى رسول الاسلام والذي سمي "براءة المسلمين". لم تتسنى لي مشاهدة الفيلم بأكمله فشاهدت دقائق قليلة منه على شبكة الانترنت. ولكن بحسب ما شاهدت، يتكلم الفيلم عن احداث حقيقية في حياة رسول الاسلام بطريقة ساخرة تحتوي على الكثير من الاستهزاء به. فعلى سبيل المثال، يذكر المفسرون المسلمون لنا، ان احدى روايات اسباب تنزيل الاية 1 من سورة التحريم "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك"هي التالي:
أخبرنا محمد بن منصور الطوسي، أخبرني علي بن عمر بن مهدي، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثنا إسحاق بن محمد، حدثنا عبد الله بن عمر قال: حدثني أبو النضر مولى عمر بن عبد الله، عن علي بن عباس، عن ابن عباس، عن عمر قال: دخل رسول الله بمارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت: لم تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا - من بين نسائك - إلا من هواني عليك. فقال لها: "لا تذكري هذا لعائشة، هي علي حرام إن قربتها"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها لا يقربها وقال لها: لا تذكريه لأحد، فذكرته لعائشة، فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرًا واعتزلهن تسعًا وعشرين ليلة، فأنزل الله تبارك وتعالى (الاية المذكورة).

 نرى هنا الرسول يدخل على جاريته ماريا واتت عليه زوجته حفصة (على غفله) وغضبت. الفيلم يذكر لنا هذه الراوية بشكل هزلي حيث يصور لنا ما فعلت حفصة عندما اكتشفت ما حدث، فتقوم بمناداة عائشة ويقمن الاثنتين بضرب الرسول "بالشبشب" (مع الاعتذار لاحبائنا المسلمين) ويحاول هو الهرب منهما.


لقطة من الفيلم "براءة المسلمين"

وقع علماء الأزهر وشيوخ السلفية فى مأزق كبير وهو الازدواجية الفكرية التى يعانون منها. فكيف يستطيعون الدفاع عن النبي والثأر له وكتب السير المحمدية والتراث الاسلامي، كونت المصدر الرئيسي لمادة هذا الفيلم!  لكن بالرغم من أن أحداث الفيلم قد حدثت بالفعل، فإن تقديم حياة وسيرة رسول الاسلام بهذه الطريقة الهزلية، افقد رسالة الفيلم قوتها وبدل أن تقدم الحقائق بالمنطق والعقل وبالبرهان والدليل، اتبع مؤلفو الفيلم طريقًا غير قويم يستخف بالأمة الاسلامية كلها جارحًا مشاعرهم جميعًا. في نهاية الامر، فإن المسلمين هم بشر مثلنا؛ لهم مشاعرهم و أحاسيسهم؛ هم جيراننا و زملاؤنا و أصدقاؤنا.

لا أنسى قبل عدة سنوات كيف غضبنا نحن المسيحيون عندما أُنتج الفيلم المسيء للمسيح بعنوان "التجربة الأخيرة للمسيح" حيث يُصور الرب يسوع انسان شهواني وعلى علاقة جنسية مع مريم المجدلية. استطيع تفهم ألم المسلمين من هذا الفيلم واشعر به بل واصلي ان الرب يشفي جراح الأمة الإسلامية كلها لتعرف نور المسيح.

في الوقت ذاته، لا يوجد أي تبرير لأعمال العنف التي تجتاح العالم العربي في هذه الايام. ومما يزيد الطين بلة، مواقف القادة المسلمين الدينيين المحرضة لتلك الاعمال ومواقف القادة العرب التي لم تهدئ النفوس. كنت اتوقع من رئيس مصر، محمد مرسي، دعوة الجماهير الغاضبة لضبط النفس اقتداءً برسول الاسلام لحقن الدماء ولكن ألا يمثل تصريحه الأخير حول ألفيلم، والذي يقول فيه أن من عادى الرسول هو عدونا، تصريحًا و رخصة لجميع الحركات الاسلامية باثارة الفوضى واستمرار حالة العنف تلك؟

عجزت الأجهزة الأمنية في ليبيا عن حماية القنصلية الأمريكية في بنغازي فقتل المتظاهرون الليبيون السفير الامريكي وثلاثة من الموظفين. يا ترى ما هي الرسالة التي تقدمها ليبيا للعالم عامة وللامريكيين  خاصة الذين حرروا بلادهم من سلطة القذافي؟ أهذا هو رد المعروف بقتل إنسان بريء لا ناقة له ولا جمل في الموضوع؟ وما هي الرسالة التي تود مصر أن تقولها لأمريكا التي تعتاش مصر على قمحها وعلى مساعداتها المالية والحربية والتي تقارب البليون ونصف البليون دولار سنويًا. أهذه هي تعاليم رسول الاسلام، رد المعروف بالأذى رغم ان الدين الاسلامي يحث المسلمين على شكر من يقدم المعروف لهم، فقد ذُكر حديث عن محمد يقول فيه "ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوا به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه".

لقد أساء المسلمون إلى انفسهم أكثر مما أساء الفيلم إليهم. يحاول المسلمون اليوم الدفاع عن تهمة الارهاب والتي التصقت بالمسلمين خصوصًا بعد أحداث سبتمبر 2001 والقول أن الاسلام دين سلام لا قتل. هل سيصدق العالم ذلك بعدما شاهدوا على شاشات التلفاز سحل السفير الامريكي وهو ميت أمام أعين الجميع؟ وهل سيصدقهم العالم بعدما قتل مهاجر مغربي المخرج الهولندي الشهير ثيو فان غوج في العام 2004 لاخراجه لفيلم يتحدث عن النساء المسلمات اللواتي يُضطهدن من قبل الرجال المسلمين. ايضا لا ننسى الرسومات الكاريكاتيرية في الصحيفة الدنماركية وما حدث من اعمال عنف وقتل وتدمير نتيجة لها والقائمة طويلة تكاد لا تنتهي.

ان الانسان هو نتاج الكتاب الذي يؤمن به. يعلمنا الكتاب المقدس قائلاً: "لا تجازوا أحدا عن شر بشر. معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس" وأيضا يقول "لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير". لم نسمع يومًا عن مسيحي قتل مسلمًا او فجر مسجدًا بسبب الاهانات المتكررة من قبل المسلمين للمسيحين على مر السنين في المساجد او في المحطات الفضائية او في الجامعات او غيرها، خصوصًا آخرها عندما أحرق الداعية الإسلامي الشهير "ابو اسلام" الانجيل وهدد بالتبول عليه.

إن إيماننا المسيحي الكتابي ينهانا عن الانتقام لأنفسنا بل ويطلب منّا أن نصلي لمن أساء الينا. في هذه الأيام الصعبة، علينا كمؤمنين مسيحيين أن نصوم ونصلي ونتضرّع الى الرب ليبارك الأمة الإسلامية ويشفي جراحها ويزيل الحجاب الذي يمنعها عن رؤية نور المسيح. علينا أيضًا أن نقدم محبة المسيح للمسلمين من دون شروط كما علمنا هو من خلال مد يد العون لهم وفعل الخير وبناء جسورٍ من الصداقة الشخصية معهم ومشاركتهم إيماننا المسيحي قولاً وفعلاً.

أرحب بأسئلتكم و إستفسارتكم
abuhabeeb.karmi@gmail.com

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا