يونان: من هو ؟

لا نكاد نعرف عن يونان سوى بضع عبارات وردت عنه في العهد القديم والجديد ، وبعض التقاليد اليهودية غير الثابتة ، وهذه وتلك قد تعطينا ضوءاً كافياً ، لنعرف أنه يونان بن أمتاى ، من جت حافر الواقعة في سبط زبولون والتي تبعد ثلاثة أميال إلى الشمال الشرقي من مدينة الناصرة ، والكلمة يونان معناها حماقة « وأمتاى » تعني حقيقة ، وإن كان جيروم يعتقد أن الاسم يونان يعني « حزين » . وهناك تقاليد متعددة عنه ، فالبعض يقول إنه ابن أرملة صرفة صيدا الذي أقامه إيليا من الموت ، والبعض الآخر يقول إنه النبى الذى أرسله أليشع ليمسح ياهو بن نمشى ، بينما اعتقد آخرون أنه زوج الشونمية التي كانت تضيف أليشع ، وأيا كان هو ، فإن الثابت أنه تنبأ فى عصر يربعام الثاني ، ومن المرجح أنه بدأ نبوته في أوائل حكم هذا الملك أو عام 785 ق.م. ، ويعتقد البعض أنه ذهب إلى نينوى حوالى 763 ق.م.

وقد بدأ يونان رحلته وهو هارب من مدينته إلى يافا ، الميناء الواقع على بعد اثنين وثلاثين ميلا جنوبي قيصرية ، وإلى الشمال الغربى من أورشليم ، والتي يقال إنها أقدم مدن فلسطين على الإطلاق ، وقد اتجه بالسفينة غرباً إلى ترشيش القريبة من جبل طارق في أسبانيا ، ثم رجع إلى نينوى عاصمة الدولة الأشورية العظيمة ، والتي كانت من أعظم وأجمل المدن التى عرفها التاريخ القديم والتي كان محيط دائراتها ، عندما ذهب إليها يونان ، ستين ميلا أو يزيد ، وقد بنيت على الضفة الشرقية لنهر دجلة ، وعلى بعد ستمائه ميل من الخليج الفارسي ، وقد كشفت الحفريات الحديثة عما كان لها من مجد ضائع ، وعز دارس ، ذهب فى بطن الأيام وأحشاء القرون .

يونان والقصد الإلهي

يكاد إجماع الشراح ينعقد على أنه ليس في أسفار العهد القديم كله سفر استطاع أن يتجاوز التزمت اليهودي ، ويعلن عن محبة اللّه ، وأبوته لليهود والأمم ، كهذا السفر الصغير الذى لا يتجاوز ثماني وأربعين آية ، ولذا لا عجب أن يرى فيه تشارلس ريد الروائى ، أنه أجمل قصة كتبت على الإطلاق ، ولا عجب أن تكون هذه القصة سبباً فى مجيء القديس كبريانوس إلى المسيح !

والقصة تكشف عن قصد اللّه الثابت والمجيد فى إنقاذ نينوى ، والتى كان يبلغ عدد سكانها فى أيام يونان ما يزيد على ستمائة ألف نسمة إذ كان بها من الأطفال الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم أكثر من مائة وعشرين ألفاً ( اثنى عشرة ربوة )  وكانت مطوقة بسور عظيم يسهل على أربع عربات أن تجرى متجاوره فوقه ، أما داخلها فقد كان متسعاً يذخر بالترع والقنوات والميادين ، والحدائق والقصور والتماثيل والسلع ، والمجوهرات والذخائر والكنوز !! ..

ولعله مما يستدعي الملاحظة والانتباه ، أن اللّه ، لكي يثبت قصده ، كشف عن هذا القصد :  « فأرسل ريحاً شديدة » « فأعد حوتاً عظيماً » « فأعد الرب الإله يقطينة » « ثم أعد اللّه دودة » . ( يونان 1 : 2 و 17، 4 : 6 و 7 ) وهل وقفنا لنتأمل الفعل « فأرسل » والفعل الذى كرر ثلاث مرات : « أعد » لقد استخدم اللّه الريح ، والحوت ، واليقطينة ، والدودة ، على النحو العجيب المثير لإثبات قصده ، أو فى لغة أخرى ، أن اللّه كان وراء الطبيعة ، والحيوان الضخم ، والنبتة الصغيرة ، والدودة الحقيرة ، لكي يؤكد استخدامه لكل شيء ، وهو يثبت قصده .

عندما تمرد يونان على الرحلة ، وبدأ فى الاتجاه العكسي لها ، أرسل اللّه له الريح الشديدة العاتية ، لتعيده إلى الرسالة التى يلزم أن يؤديها ، ويونان كان كموسى ، وإرميا، إذ لم يقبل على الرسالة بقلب راغب ، واستعداد كامل ، كما فعل إشعياء ، وهو يقول : « ها أنذا إرسلنى » ، (إش 6 : 8) وكثيراً ما يرسل اللّه ريحه الشديدة على سفينة حياتنا ، وقد تكون هذا الريح فشلا أو ضيقاً ، أو اضطراباً أو إفلاساً ، أو ما أشبه، حتى تعود هذه السفينة مرة أخرى من ترشيش التى نزمع الذهاب إليها ، إلى نينوى التي نرفض أن نتجه إليها ، ... ومع أن اللّه غضب على يونان ، إلا أنه فى الغضب يذكر الرحمة ، وقد أعد اللّه لذلك حوتاً عظيماً ، ... ولم يكن هذا الحوت مصادفة أو خيالا أو رمزاً ، كما يزعم النقاد الذين علت القصة فوق إدراكهم ، فتصوروها شيئاً يصعب تصديقه ، وكان يكفيهم تماماً أن يشير المسيح يسوع سيدنا إلى هذه القصة كواقعة وحقيقة تعتبر صورة أو مثالا لما سيحدث معه هو فى القبر بعد الصليب ، .. ولا يستطيع أحد أن يتصور أن المسيح يجعل من قصة رمزية أو خيالية ، شبهاً أو رمزاً لقصته هو في القبر قبل القيامة ، ... ولو صح هذا ، لتحولت قصة المسيح بدورها رمزاً أو خيالاً ، وليس موتاً أو صليباً حقيقياً ، ألم يقل : «هذا الجيل شرير . يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي . لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضاً لهذا الجيل » ( لو 11 : 92 و 03 ) ؟؟ . فإذا كان اليهود قد قبلوا هذه القصة مرغمين وأوردها يوسيفوس المؤرخ اليهودى كواقعة تاريخية فى كتاب الآثار ، وإذا كانت توبة نينوى لم تكن مجرد خيال أو تصور بل حقيقة واقعة ، فإنه يحق لنا أن نورد ما قاله أحد الشراح اللاهوتيين :  « إن ديان المستقبل ، وهو يتحدث إلى أولئك الذين سيقفون يوما أمام كرسيه ، محذراً ، كان لابد أن يعطيهم صورة حقيقية مثالا لحقيقتهم ، وهم ماثلون أمامه ، ويستحيل أن يعطيهم صورة رمزية ، لما سيكونون عليه عندما يمثلون أمام عرشه العظيم ، فى يوم القضاء الأبدي ، كواقعة حقيقية » ... فإذا أضفنا أن مصدر الصعوبة القائمة عند من لا يقبلون القصة ، ويعتبرونها حلماً حلم به يونان أو أسطورة ألحقت بالكتاب ، وهو ما يستحيل على أهل نينوى قبوله كآية تردهم إلى اللّه ، ما لم يكن حقيقة ماثلة أمام عيونهم ، إن مصدر الصعوبة راجع إلى أنه لا يعقل أن هناك حوتاً يستطيع أن يبلغ يونان ، فى بطنه ليستقر ثلاثة أيام ليال ، وأنه شيء ، يتجاوز تفكيرهم وخيالهم ، ... وقد أطلق النقد الأعلى هذا الاتهام المردود والذي تصدى له كثيرون من علماء علم الأحياء ، والذين قالوا إن هناك نوعاً من الحيتان يمكنه أن يبتلع رجلاً مهما كان حجمه ، والحوت كما نعلم يختلف عن غيره من الأسماك ، وهو أشبه بالغواصة التى صنعها الإنسان ليبقى تحت الماء أسابيع وأياماً ، ... وإذا أمكن أن يصنع الإنسان شيئاً من هذا القبيل ، فإنه يحسن بنا أن نذكر التعبير الكتابى كما أشار واحد من المفسرين : « فاعد اللّه حوتاً عظيماً » ... واللّه لن يعجز على أسلوب عادى أو خارج أن يعد ذلك ، ... وقد كان أهل نينوى يؤمنون ، على ما يعلق هنرى كلاى ترامبل ، بخلائق تخرج من البحر نصفها إنسان والنصف الآخر سمكة ، ... ومع ما فى هذا الخيال من خرافة ، ... إلا أنه من السهل أن تأتيهم رسالة من إنسان قذف به الحوت إلى الشاطئ على النحو العجيب الذى صنعه اللّه آية لهم ، ليرجعوا عن شرورهم ، ويتوبوا عن خطاياهم ، .. وقد أدرك يونان أنها رحمة اللّه وليس غضبه ، أن يحفظه فى بطن الحوت ليصلى صلاته ويرجع هو ، إلى رسالته العتيدة إلى نينوى ..

وإلى جانب ذلك لا ننسى أن اللّه « أعد يقطينة » وهنا نتحول إلى منظر آخر ، من الحوت الضخم إلى اليقطينة الصغيرة ، ونتحول من رحمة اللّه تجاه الإنسان الغريق إلى ابتسامة اللّه تجاه النفس المغمومة ، كان الحر اللافح خارج يونان وداخله ، وهو يجلس على مشارف المدينة ، وقد امتلأ غيظاً وغضباً وغماً ، وأعد اللّه له اليقطينة ليخرجه من هذا الغم المستولي عليه ، ... وما أكثر ما يفعل اللّه معنا هكذا عندما تستولي علينا الوساوس والهموم ، فيرسل اللّه ابتسامته التى تأتى إلينا مفاجأة، وعلى وجه لم تكن نتوقعه ، .. قالت سيدة عجوز للرئيس ابراهام لنكولن فى أدق أوقات الحرب الأهلية : « لا تفزع اللّه معك ، ونحن نصلى لأجلك ، ولن تهزم » ... وفرح الرئيس بهذه الكلمات البسيطة التى أخرجته من هوة اليأس العميق الذى وصل إليه !!  .. كان الصبى على أعتاب اليأس ، عندما رسب فى الامتحان ، وكانت قريته كلها تتكلم عن رسوبه ، غير أن الراعي التقى به ووضع يده على كتفه ، وقال له : أنا أعلم أنك ستنجح !!  ... وكانت هذه الكلمات هى التى عبرت به الخط الفاصل بين الفشل والنجاح فى تاريخه كله !!  .. حاول صموئيل جونسون - وهو شاب فقير - أن يلفت أنظار أحد اللوردات الإنجليز إليه دون جدوى ، لكنه لما أصبح كاتباً إنجليزياً عظيماً ، أرسل إليه هذا اللورد خطاب تهنئة ، .. ورد جونسون يقول : لقد جاءت هذه التحيات ياسيدي متأخرة ، لقد كنت فى حاجة إلى كلمة صغيرة واحدة منها فى أيام التعب والفشل والمأساة !! .. لم ينس اللّه أن يعد يقطينة ليونان !!  .. على أن اللّه مع ذلك ، أعد دودة لتقضى على هذا الفرح بسرعة غريبة ، ... وذلك لأن اللّه أبصر فى الفرح نوعاً من الأنانية ، كانت اليقطينة شيئاً يشبه شجر اللبلاب الذى لا قيمة له ، وكان يونان أنانياً بفرحه ، فهو يفزع ليقطينة ضاعت دون أن يبالى بمدينة عظيمة تتعرض للضياع !! ... كان قصد اللّه ثابتاً وأكيداً فى إنقاذ نينوى !! ..

يونان والتمرد الشخصي

كيف تكلم اللّه إلى يونان ، وبأية صورة جاء هذا الكلام !!  . نحن لا نعلم ، غير أننا ندرك أن يونان تحول إلى بركان من الثورة ، وتمرد على الرسالة ، هل يرجع تمرده إلى شيء فيه ، أم شيء فى المدينة نفسها ، أم إلى شيء فى اللّه تعالى ؟ … يعتقد البعض أن الرسالة فى حد ذاتها كانت لا تتجاوب مع طبيعة يونان ، فيونان واسمه « حمامة »  وهو أدنى إلى طباع الحمام ووداعته ، ليس من السهل عليه أن يتحدث بلغة الزجر والشدة والانقلاب ، … قد يكون من السهل على الإنسان أن يتحدث بالناعمات ، ويردد ما هو مطلوب أو منسجم مع آذان سامعيه ، لكن من أصعب الأشياء وأقساها وأشدها وقعاً على النفس أن يقف منهم – وهو وديع هادئ مسالم – متحدثاً بالعنف والإنذار والتهديد !!  على أن البعض الآخر يعتقد أن يونان تمرد على الرسالة ، لأنه بطبعه يكره هذه المدينة ، وهي مدينة وثنية تتربص ببلاده وشعبه بالغزو والفتح ، وهو كرجل إسرائيلي وطني يهمه أن تزول نينوى من الوجود ، لا أن تبقى … !! … ويرى غيرهم أن الأمر يرجع ، أكثر من ذلك، إلى يقين يونان في اللّه ، إذ أبصر من وراء ندائه القاسي على المدينة بالانقلاب ، نداء آخر بالرجوع والتوبة ، وخاف هو أن تتوب المدينة وترجع ، فيعفو اللّه ويسامح ، إذ هو « إله رؤوف ورحيم بطئ الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر » .. " يونان 4 : 2 " وهـــو لا يريـــد لنينوى هـذا !! ..

يونان والهروب العكسي

إن قصة يونان لا تتحدث عن نينوى فحسب ، لكنها - أكثر من ذلك - تكشف عن إحسان اللّه ومعاملته لخدامه حتى فى لحظات الضعف التمرد !! .. وقصة الرجل ، في هروبه ، تكشف عن بعض الوقائع المثيرة ، ..  لعل أولها أن الأجرة الجاهزة ، أو السفينة المقلعة ، ليست بالضرورة دليل العناية أو الموافقة الإلهية ، ... إن عناية اللّه لا يجوز تفسيرها بالمظهر السطحي الساذج ، لعمل يعلم الإنسان تماماً أنه في الاتجاه العكسي لإرادة اللّه ، ولا يجوز لإنسان أن يندفع فى رغبة ما تتمشى مع هواه ، ويبصر بعض خطواتها سهلة أو هينة يسيرة ، فيعتقد أن هذا هو الجواب المؤكد من اللّه بالموافقة على العمل بصرف النظر عن طبيعته وفحواه ، ... وما أكثر ما يرتبط الناس ببعض الصور الساذجة أو الخرافية ، معتقدين أنها إرادة اللّه ، واللّه منها براء ، ... يتصور بعض المؤمنين أنهم بمجرد أن يفتح الكتاب المقدس ، ويضعوا يدهم على آية أو صفحة معينة ، فإن هذه الآية أو الصفحة - ستكون - قطعاً - الصوت الإلهي الذى يلزم أن يأخذوا به وينفذوه ، وبعض الناس قد يتوهمون هذا الصوت فى حلم جاءهم فى المنام ، أو فى رسالة جاءت إليهم من آخر ، .. فيأخذون السفينة إلى ترشيش ، وهم مطلوبون فى نينوى !!

على أن الأمر الثاني .. أن الهروب العكسي قد لا يضر بنا وحدنا ، بل قد يضر أيضاً بالآخرين الذين قد تجمعنا معهم سفينة الحياة ، وذلك لأن هروب يونان كاد أن يؤدي " لا بحياته هو " بل بحياة الملاحين الذين كانوا فى السفينة معه أيضاً !! ... ومع أن اللّه ، عادة ، يحاسب كل إنسان على حدة ، وبخطاياه ، دون أن يمتد هذا إلى غيره ، لكن السفينة التى تحملنا معا تتعرض للضياع ، لأن فرداً فيها قد يكون فى الاتجاه العكسي لطريق اللّه ، فالقائد في الأمة والراعي فى الكنيسة ، ورب البيت فى الأسرة ، والصديق في المجتمع ، يرتبطون بلا فكاك مع من يجتمعون معهم في سفينة واحدة ، ... ومصيرهم يدور وجوداً أو عدماً ، مع الرابطة الواحدة في السفينة الواحدة ، ... وإذا نظرنا إلى الأمر من الجانب المنير ، فإننا نعلم أن وجود بولس فى السفينة التى أقلعت إلى روما ، كان السبب فى إنقاذ جميع الركاب وعددهم مائتان وستة وسبعون ، « لأنه وقف بى هذه الليلة ملاك الإله الذى أنا له والذي أعبده قائلا : لا تخف يابولس ينبغي لك أن تقف أمام قيصر ، هوذا قد وهبك اللّه جميع المسافرين معك . لذلك سروا أيها الرجال لأني أومن باللهّ أنه يكون هكذا كما قيل لي » " أع 27 : 23 - 25 " ...

وثالثاً : إننا قد نصل فى الهروب إلى درجة التثقل بالنوم العميق حتى يأتينا التوبيخ من أهل العالم كما وبخ رئيس النوتية يونان !! .. وأنها لمأساة محزنة لكثيرين من أبناء اللّه فى سقطاتهم ، عندما يفعلون مالا يفعله أبناء العالم أنفسهم ، ويقف المرء متعجباً : كيف يمكن أن ينحدر المؤمن فى بعض لحظات الزمن ، إلى مالا يسقط فيه العالمي ، بدافع من الشهامة أو المروءة أو الرجولة أو ما أشبه من صفات أدبية تتملكه وتستولي عليه ؟!! .. ألا تتعجب إذ يأخذ إبراهيم درسه من فرعون أولا ، وأبيمالك ثانياً ؟ ويأخذ اسحق نفس الدرس ، لأن الأب أو الإبن لم يعط الصورة الصحيحة الكاملة عن سارة أو رفقة باعتبارها زوجته ، ولولا حماية اللّه لحدث الضرر الذى كان لا يمكن تجنبه !! ..

يونان والإعياء النفسي

دفع اللّه يونان إلى بطن الحوت ، وهناك صلى : « حين أعيت فى نفسى ذكرت الرب » " يونان 2 : 7 " وهذه هى نقطة التحول أو الرجوع فى قصة الرجل ، ... لقد أدرك ضعفه الكامل أمام الريح الشديدة التي لم تفلح كل الجهود فى مواجهتها ، وإعيائه الكامل فى بطن الحوت ، ... لقد كان حراً طليقاً كما يريد اللّه لأبنائه أن يكونوا ، أحراراً يسيرون فى خدمة اللّه ، دون إكراه أو ضغط ، ولكننا ما أكثر ما نسئ استخدام هذه الحرية ، فيظهر اللّه اضطراراً إلى أن يأخذها منا ، حتى نثوب إلى رشدنا - وكان يونان محتاجاً إلى الإعياء النفسي الكامل حتى يتعلم كيف يعود إلى إلهه ويذكر !  على أن هذا الإعياء لم يكن فى فقدان الحرية فحسب ، بل ، أكثر من ذلك فى ضياع الصحة أو القوة ، ... لست أعلم كم كانت كمية العشب التى التفت برأسه ، وكيف حاول أن يكافحها حتى بدأ كما لو أنه أوشك أن يختنق ، وإذ به يذكر الرب ، ... وما أكثر ما ذكر أبناء اللّه إلههم وهم فى العجز الصحي أو فى سرير المرض . أو فى شدة العلة ، أو فى قسوة الداء !! .. وأكثر من ذلك ، لقد أصاب يونان الإعياء عندما سقط فى الوحدة والعزلة القاسية ، فلا يوجد من يتحدث معه أو يخاطبه فى بطن الحوت ، سوى اللّه الذى بقى له ، عندما انقطع من أرض الأحياء ، ... ولعلنا نسأل هنا : ما الداعي إلى ذكر الرب ، وما الفائدة من ذلك !! ؟ وقد أطبق عليه الحوت وغاص هو معه فى المياه العميقة ، ... لقد ذكره لأكثر من سبب ..

أولا : لأن اللّه أرحم مما كان يصور أو يتخيل ، ... لو أن اللّه قضى عليه بالموت غرقاً ، لما نسب إلى اللّه أدنى لوم ، بل كان اللّه عادلا لو فعل ذلك ، .. لكنه اكتشف أن اللّه العادل هو أيضاً أرحم الراحمين ، لقد أدرك أن سجنه فى بطن الحوت هو الرحمة بعينها ، والعناية التى تعلو على كل فهم أو خيال ، ... لقد تبين أن الحوت تحول بقدرة القادر على كل شيء ، إلى فلك آخر كالذي أدخل اللّه فيه نوحاً وأغلق عليه ، ليحميه من الهلاك والغرق !! .. وكم يغلق اللّه علينا ، ولا يتركنا للحماقة والضياع ، عندما يرانا نسعى إلى حتفنا بظلفنا ! ...

ثانياً : لقد أدرك يونان ان اللّه ليس أرحم فحسب ، بل هو أكرم وأطيب من أن يدخل معه فى نوع من المؤاخذه أو الحساب ، ... لقد كان مجئ الابن الضال إلى أبيه كافياً لأن يستبدل هوانه وجوعه وذله وحاجته بالترحيب والإكرام والعطاء السخى ، دون مراجعة أو حساب عما فعل أو أساء ، .. وظهر اللّه إلى جانب هذا كله ، عندما أمر الحوت بأن يقذف يونان إلى البر ، ... لقد ظن يونان كما يبدو من صلاته أن انتهى إلى الأبد :  « نزلت إلى أسافل الجبال . مغاليق الأرض على إلى الإبد . ثم أصعدت من الوهدة حياتى أيها الرب إلهى » ... " يونان 2 : 6 " .

ثالثاً : ولكن اللّه إلى جانب أنه أرحم ، وأكرم ، هو أيضاً أقدر فلا حدود لقوته وقدرته ،...

أما كيف استطاع يونان وهو في العمق فى قلب البحار أن يذكر الرب ، ... فإنه ذكره بأمرين عظيمين قريبين إليه أينما يذهب أو يجيء ، ... لقد ذكره بالإيمان ، وما الإيمان إلا تحول النفس والمشاعر والإرادة تجاه اللّه ، ... وما أجمل أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة فى شتى الظروف المحيطة به « أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب ؟ إن صعدت إلى السموات فأنت هناك ، وإن فرشت فى الهاوية فها أنت . إن أخذت جناحي الصبح وسكنت فى أقاصي البحر ، فهناك أيضاً تهديني يدك وتمسكني يمينك » " مز 137 : 7 - 10 " .

أما الصلاة فقد كانت من جوف الحوت ، وصلاة المتضايق لا يشترط أن تكون فى هيكل أو معبد ، أو مع جماعة من الناس يشاركون فى العبادة أو التضرع ، ... بل يمكن أن تكون فى أعماق البحار أو فى أعلى الجبال ، يمكن أن تكون فى السجن أو الأتون ، إنها فى المكان الذى يوجد فيه الإنسان إن كارها أو راضياً ، لأن اللّه فى كل مكان : « اطلبوا الرب ما دام يوجد ادعوه وهو قريب » " إش 55 : 6 " ونحن لا نعلم هل استطاع يونان أن يصلي واقفاً أو راكعاً أو منبطحاً على ظهره أو بطنه ، ... لا يهم الصورة التى يظهر فيها المصلي ، إنما المهم أن يكون راكع النفس ، منحني المشاعر ، منبطح التسليم ، واللّه سيسمعه طالما يتجه فى إعياء النفس بروح الصلاة ، ... هل كان يصرخ فى الصلاة ، هل كان يصلى بصوت يسمع ، أم كان يتمتم بشفتيه ، ... إن الصوت فى حد ذاته يتساوى أمام إذن اللّه ، التى تسمع الصوت الصارخ ، أو المتمتم ، أو الهامس على حد سواء ، طالما تخرج صرخة النفس من الأعماق أمام اللّه !! .. لقد صرخ يونان من بطن الحوت واستمع اللّه إلى صراخ نفسه ! ..

يونان والعودة إلى الرسالة

عاد يونان إلى الرسالة التى هرب منها ، وذهب إلى نينوى ، لا ليعلن لها فحسب ، بل للأجيال كلها - الحقائق العظيمة التالية :

أولا : إن أبوة اللّه ومحبته وإشفاقه ، لا تقف عند حدود اليهود فقط ، بل تمتد إلى جميع الناس ، إذ الكل خليقته وأبناؤه وذريته ، ... كان يونان من الحماقة حتى كان يهرب من امتيازه الأعظم فى كل التاريخ ، إذ أنه هو المرسل الأول إلى الأمم ، أو فى لغة أخرى ، أبو المرسلين القدامى والمحدثين فى كل التاريخ ... كان وليم كيرى رائد المرسلين فى التاريخ الحديث ، وكان شاباً إسكافياً فقيراً لا يملك مالا أو نقوداً أو علماً ، ومع ذلك فقد امتلأ قلبه حباً وغيرة على تبشير العالم الوثني ، وقد تحدث فى ذلك الشأن إلى بعض رجال الدين ، فلم يجد منها تأييداً أو معونة ، بل وجد على العكس تعطيلا وتحقيراً ومقاومة ، كان يضع فى دكانه خريطة العالم وقد كتب عليهــا : « لأنه هكذا أحب اللّه العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية » " يو 3 : 16 " ... كان يحمل معه الكتاب المقدس وكتاب « الأجرومية » "علم النحو والصرف " ، وقد تعلم عدة لغات وذهب إلى الهند . وعندما نذكر أنه فتح الباب أمام جيش المرسلين فى التاريخ الحديث ، علينا أن نذكر يونان المرسل الأول فى كل التاريخ ، إلى نينوى !! كان يونان وهو لا يدري أول من تعلم الدرس أنه لا فرق عند اللّه بين اليوناني واليهودي والعبد والحر ، والذكر والأنثى ، والأسود والأبيض - أو كما قال الرسول بطرس فى بيت كرنيليوس : « بالحق أنا أجد أن اللّه لا يقبل الوجوه بل فى كل أمة الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده » " أع 10 : 34 و 35 " .

 عاش احد الأشخاص السود والذي اشتهر في  دفاعه عن الملونين ويهاجم التفرقة العنصرية ، ولم يكن يضيق بلونه الأسود ، بل قال : لو ذهبت إلى السماء وهناك سألني اللّه عما إذا كنت أرغب فى العودة إلى الأرض كرجل أبيض فإني أجيبه : إن عندي عملا كرجل أسود أكثر مما يستطيع رجل أبيض أن يؤديه ، أرجوك أن ترسلني ثانياً أسود حتى يمكني أن أؤدي عملي » .

ثانيا : تعلم يونان ما كان يجهل أو ما لم يكن يعلم حق العلم ، أن النفس البشرية غالية جداً عند اللّه ، : « الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون » " 1 تى 2 : 4 " .. وأنه إذا كان يونان قد خرج بيقطينة ظللته ، ولكنها إذ ذوت وهي بنت ليلة ولدت ، وبنت ليلة ضاعت ، فامتلأ غيظاً وهماً وقلقاً ، فكيف يكون الأمر بالنسبة لقلب اللّه ، كخالق ، وهو يرى مدينة عظيمة تهوى إلى قاع الهاوية والجحيم ؟ ... آه !  لو نعلم كم يتألم قلب اللّه على النفوس الضائعة ، لعشنا حياتنا كلها ، ولا هم لنا إلا إنقاذ النفوس الهالكة ، ... لا لأنها خليقة اللّه فحسب ، بل ، أكثر من ذلك ، لأن المسيح مات من أجلها على هضبة الجلجثة !! ..

والأمر الثالث الذى أدركه يونان ، هو بركة الألم فى الحياة ، لقد أعاده الألم إلى اللّه والرسالة التي هم بأن يهرب منها ، ... وجاءت نينوى إلى التوبة عندما هددت بالانقلاب !! ... ومع أنه شيء محزن وتعس أن يلجأ اللّه إلى أسلوب الشدة مع الإنسان ، وكان من الممكن أن يستمع إلى نداءاته الكثيرة بالخير والبركة والجود والمراحم ، ... لكنها الصفة فى النفس البشرية ، التى تجعل اللّه يرحم الإنسان بالتأديب والتهديد والآلام ، وربما نعمة فى نعمة طويت ..

الأمر الرابع :  أن التوبة الشاملة الصادقة ميسورة لأى شعب أو فرد أو جنس ، متى اتجه إلى اللّه من كل قلبه وفكره ، حتى كانت توبته عملية بالرجوع عن الطرق الرديئة والظلـــــم الذى فى يديه ، وأنه ليس فى حاجة إلى كهانة أو وساطـــة أو شروط ، ماخلا الاتجاه إلى اللّه الحي الحقيقي !! ..

على أن القصة تعلمنا آخر الأمر غرابة النفس البشرية ، وقد تكون من أفضل النفوس على الأرض ، إذ هى النفس السريعة التذبذب ، الغريبة الأطوار ، تفرح وتكتئب ، وتتسع وتضيق ، دون فاصل زمني ، وتغتاظ مرات كثيرة بالصواب ، ... ومن الغريب أن نجاح يونان كان فشلا فى تصوره ، وأن وقوفه في وجه الكارثة ، كان كارثته الشديدة ، ... والسر الحقيقي كما ذكر كلفن ، أن يونان كان مهتماً بالذات أكثر من اهتمامه بخلاص المدينة أو مجد اللّه !! ..

كان يونان ، كما دعاه الكسندر هويت ، الأخ الأكبر الذى غضب لمجيء أخيه ، ولم يرد أن يدخل البيت ، فخرج أبوه يطلب إليه الدخول ... فى الحقيقة أن رجاءنا دائماً فى خلاص النفوس لا يرجع إلينا ، بل يرجع إلى قصد اللّه الأبدي ومحبته التي لا تتغير ولا تتبدل.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا