طَغت سطوةُ الخَطِيَّةِ على العالَم والبَشَر، وخَيَّم على الأرضِ الظَّلام. ظلامٌ غَطّى العيون والقلوب وسارَ الإنسان في ضلالٍ وقِتام، يبحثُ ويجري وراء ظِلالٍ لعلَّه يجد السلام. لكن وسطَ هذه الفوضى والحُطام، استطاعَ إنسانٌ اسمُه إشعياء أن يتبَّأَ عن مُخَلِّصٍ للأنام، إنَّه النبي الذي بشر برسالة الإنجيل، واستطاعَ أن يخترِقَ بعينيهِ حدودَ الزَّمَنْ ويَرى أموراً مجيدَة، مُستَقبَلِيَّة عن مَجيءِ النُّور الحقيقي، مجيء يسوع إلى العالَمِ المليء بالظُّلمَةِ والأوهام. حقّاً، فإنَّ هذه هيَ رسالةُ الميلاد الحقيقية، إنها رسالة النور، الخلاص والحُريَّة. رسالة المسيح، الَّذي جاءَ لِيُقَدِّمَ خلاصاً أدَبِيّاً وأبَدِيَّاً، كامِلاً وشاملاً لِكُلِّ إنسانٍ على وَجهِ هذهِ البَسيطة. تنبَّأ إشعياء عن ميلاد المسيح قبل سبع مئة سنة من مجيئه، رأى بعيونِ الإيمان ولادَة يسوع، مُعجزاتِهِ، الآمِهِ، صلبِه، ومَجيئهُ الثاني. رأى العَصر الجَديد، مُعلَناً لَهُ بإعلانٍ مجيد! 

وتَمَّت هذهِ النُّبوءَات عِندَما جاءَ الملاكُ للقِدّيسَة المُطَوَّبَة مريَم العذراء، كما هُوَ مُدَوَّن في إنجيل متى الأصحاح الأول ، وحينَ قالَ لَها:"الرُّوحُ القُدُس يَحِلُّ عليكِ وَقُوَّةُ العَلِي تُظَلّلُكِ" (لوقا35:1). وبهذهِ العبارة، فإنَّ الملاكَ جُبرائيل يتَكَلَّم عَن حُضورٌ إلهِي في أحشاءِ القِدّيسَة مريم العذراء، لذالك "فالقُدّوسُ المَولودُ منكِ يُدعى ابنُ الله". 

بزيارة الملاك هذهِ لمريم، افتَقدها أعظَم افتقاد. كانتَ هذه أعظَم زيارة لَها تُبَشَّرُ بها بمجيء النُّور. ما أعظَمَ رأفَةِ إلهنا، وما أرقَّ وأحنَّ أحشاءه، التي لم تَحتَمل بؤسَ وشقاء الإنسان، فَدَبَّرَ وبادَرَ بأعظَمِ خطَّة لينتشلهُ مِن الهوان! وأشرقَ وأضاء من العلاء على الجالسين في الظُّلمَة وظلال المَوت، لكي يَهدي أقدامهم في طَريقِ السَّلام (لوقا 79:2)

عزيزتي القارءة، لربَّما تَمُرّين في ظروف عصيبة، وأوقات حالكَة ومُظلمة، أشجعَك على طَلَبِ وَجه الرَّب، فيُشرقَ بشعاعِ نوره عليكِ ويُبَدِّدَ كُلَّ ظَلام. هذا هُوَ نور الحرية الذي سيقودك للخروج من أرض العدو.فالرَّبُ الَّذي قال:"لِيكُن نور"، فكانَ نور. هو الذي يُشرقُ نور من ظلمة، وهوَ وحدَه من يَفتَح العيون، ويُخرج نفسك من الحَبس (أشعياء 6:42-7)، إنَّهُ يسوع، المُخلِّص الفَذ والفريد. اللابسُ النور كَثوبٍ (مزمور 2:104)، هوَ يلتَحفُ بالنور، يُشرقُ بنورهِ من العلاء عليكِ ويَخترقَ بشُعاعِه ظُلمَة ظروفك. طبيعة يسوع هي النور، صفاتهُ نور، فلقد قالَ عن نفسه: "أنا هُوَ نورُ العالَم"، وكذالكَ شَهِدَ عَنهُ يوحنا المعمدان بهذا الإعلان:"النُّور الآتي إلى العالَم". نعم، جاءَ النورُ الحقيقيِّ إلى عالمنا، وما زالَ شُعاعُ محبَتَه يسطعُ في كل يوم بإشراقة جديدة، ليُبشر بأملٍ جديد.

عِندَما ظهرَ الملاكُ للرعاة أضاءَ حولهم نورٌ عظيم، وبعدها تحدَّثَ معهم. والله يتكلَّم ويتعامَلَ معنا مِن خلال نوره، الله نور لا يُدنى منهُ، لذلك عندما نذكر الميلاد فَحتماً سنذكُر النّور. هذا النور الذي سيحرّرك مِنْ مَخاوفِك (الرَّب نوري وخلاصي ممن أخاف؟ مزمور27) وأيضاً يُريحك من كل معارِك داخليَّة في ذهنِك.

الأصحاح التاسع من سفر إشعياء، يتحدَّث عن الزَّمَن الأوّل الذّي أهينَت بِه أرض زبولون ونفتالي، هذه الأسباط التي عاينت السبي، الهلاك والدَّمار. لكنها ستختبر وترى نور المسيح، حضورهُ، مَجدهُ وعَظمة عمله. الشَّعب الجالس في أرضِ ظلال الموت، الشعب الأسير والمُقيَّد سوف يختبر ويرى النور الحقيقي، يسوع الذي جاء ليسترده إلى سُبل الحياة والبركة والمجد.

وفي نهاية مقالتي، أوجه سؤالي لكِ عزيزتي، هل تُعانين من أمورٍ وظروف جعلت أيامك تمتلئ بالحزن والأنين، هل ضاع منكِ الفرح بسبب قسوة السنين؟ هل توشحت حياتك بالسواد والظلمة وتلاشى اليقين؟ إرفعي عينيكِ إلى العلاء، واملئيها بنور الرجاء، فلأجلكِ يسوعُ جاء، حتى يُغيِّر أصعب وأقسى الأجواء، من ليسَ لعظمته استقصاء، من ترك الأعالي وأمجاد السماء، وجاءَ إلى الأرض بين البُسطاء، ليبدِّدَ كُل ظلمةٍ وحزنٍ وشقاء. صلاتي بهذا الميلاد أن يخترق نوره بيتكِ، حياتكِ، أرضك، فتستنيري وتُنيري الأرجاء!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا