هناك الكثير من القصص والآيات في الكتاب المقدس، التي تبيّن مدى التأني الرحب والصبر الواسع الذي يظهره الآب السماوي تجاه بني البشر، أولئك الذين يعرفون الحق وكذلك البعيدين عن معرفة الله. فللذين يعرفون الحق يصبو الله، في تأنيه تجاههم، تدريبهم وتنميتهم في الإيمان كي يصبحوا جنودا أشداء في الحرب الروحية، فحربنا، كما يقول بولس الرسول، ليست مع دم ولحم، بل مع أجناد الشر الروحية في السماويات (أفسس 6: 12)، ولكي نثبت في هذه الحرب، والتي يسميها بولس الرسول: "مصارعة"، يدخلنا الله في مدرسة التدريب الروحي كي يقوي عضلاتنا الروحية. وللبعيدين عن معرفة الله يتأنى الآب السماوي عليهم ويمنحهم الفرص كي يعرفوا الحق، والذي قد يكون في آخر لحظات حياتهم على الأرض.

بالنسبة للمجموعة الثانية – أولئك البعيدين عن معرفة الله، يشتاق الله لاجتذابهم للحظيرة لمحبته للبشر خليقته، وهو "لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة" (2 بطرس 3: 9)، فالله لا يسر بموت الشرير، بل أن يرجع عن شره فيحيا (حزقيال 18: 23). من هنا، فقد تطول أعمار بعض الأشرار بسبب محبة الله للبشر وليس لأعمالهم الشريرة، فالله يكره الشر ولكنه يحب الشرير كونه خليقته على شبهه، كيف لا والله قبل شاول الطرسوسي، الذي اضطهد الكنيسة وقتل الكثير من أولاد الله وأتباع المسيح، سرعان ما تاب وتحول إلى أكبر مبشر للمسيح، وهذا ما يمكن أن يفعله الله في أيامنا، فهو هو، أمسا واليوم وإلى الأبد (عبرانيين 13: 8)، وما صنعه في الماضي قادر أن يفعله في أيامنا بل وأعظم من ذلك.

لهذا السبب، يتأنى الله على أولئك الأشرار ويسكت في محبته تجاههم، وهذا ما نقرأه في سفر صفنيا 3: 17، إذ يقول: "الرب إلهك في وسطك. جبار. يخلص. يبتهج بك فرحا. يسكت في محبته"، فـ"سكوت الله" مربوط بخلاص البشر، والله يتأنى ويعطي الفرص لتوبة الإنسان ورجوعه إلى الله، والسؤال الهام بمكان: هل يستجيب الإنسان لهذه الدعوة.

إن "سكوت الله" أو صمته قد يمتد أيضا على أولاده الذين عرفوه وقبلوه سيدا على حياتهم، فقد يمر أولئك بظروف صعبة بل في وادي ظل الموت، يصرخون إلى الله دون مجيب، وكأن الله غير موجود، بينما الله سامع بعين المحبة وقلب الرحمة. قد يكون للصمت الإلهي، بما يتعلق بهذه الفئة، عدة أسباب، منها، كما ذكرنا، لامتحان أولاده بهدف تدريبهم وتمحيصهم كي ينضجوا في معرفة الله ويتعلموا كيف يتعلقوا بالرب وحده. 

مثال على ذلك نقرأ عن يوسف في العهد القديم، ذاك الجبار الذي تحمل الكثير الكثير من الآلام والضيق دون أي سبب، ومن أقرب الناس إليه – إخوته، الذين حسدوه وباعوه للغرباء، ثم نقرأ كيف سُجن يوسف في مصر ظلما بعد أن رفض ارتكاب الخطية، وفي كل ذلك بقي أمينا في الوقت الذي كان الله صامتا!!! علما أن الله وعد يوسف وهو بعد في بيت أبيه بأمور عظيمة عن طريق الأحلام التي كشفها له وبالتالي قصها يوسف على عائلته، فما كان منهم إلا أن حسدوه وأبغضوه أكثر، إلى أن حان الوقت الذي "تكلم" الله ناطقا بالظروف حين رفع يوسف من السجن إلى بيت الملك، وجعله ثاني شخصية في المملكة (قصة يوسف وردت في سفر التكوين، ابتداء من إصحاح 37 إلى نهاية السفر). نقرأ كذلك عن الرب يسوع كيف لم يجب المرأة الكنعانية بكلمة، بعد أن صرخت إلى الرب طالبة أن يشفي ابنتها من الجنون، ولكن هذه المرأة العظيمة نجحت في الامتحان ونالت مطلبها بعد أن تواضعت واستمرت في الطلب، لأنها علمت يقينا وآمنت أن نجاتها من عند الرب، فأكرم الرب إيمانها وتواضعها وتصميمها ومحبتها (إنجيل متى 15: 21 – 28). 

قد يكمن الصمت الإلهي كذلك بوجود خطية في حياة أولاد الله، لا سمح الرب، والحديث عن وجود خطية مزمنة دون أن نتوب عنها. يقول الكتاب صريحا في مزمور 66: 18 – "إن راعيت إثما في قلبي لا يستمع لي الرب"، فالله قدوس ووجود خطية غير مغفورة سوف يبني حاجزا يعرقل ويمنع وصول صوت الله إلينا. نقرأ أيضا في أشعياء 59: 1 – 2 كالتالي: "1. ها إن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص ولم تثقل أذنه عن أن تسمع 2. بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع". نلاحظ كيف "سكت الله" عن أن يجيب شاول الملك عدة مرات بعد أن أخطأ الأخير وعصى الله في عدة ظروف، نقرأ في 1 صموئيل 14: 37 كيف لم يجبه الله، وكذا في إصحاح 28: 6 من نفس السفر نقرأ: "فسأل شاول الله. أأنحدر وراء الفلسطينيين. أتدفعهم ليد إسرائيل. فلم يجبه في ذلك اليوم."

سبب آخر قد يجعل الرب يصمت هو استهزاء بكلمة الله وبالرب ذاته وكذلك عند المباحثات الغبية والسخيفة التي لا تجدي نفعا، لا بل تولّد خصومات (2 تيموثاوس 2: 23). نرى ذلك مثلا عندما وقف المسيح أمام الوالي بيلاطس وكذلك أمام هيرودس للمحاكمة، يقول الكتاب: "فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جدا" (المحكمة أمام بيلاطس، متى 27: 14)، وكذا صمت الرب أمام أسئلة هيرودس عندما "سأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء" (لوقا 23: 9). لقد علم الرب أن الأسئلة الموجهة له لم تكن لغاية صادقة أو لإظهار الحقيقة، بل ما هي إلا مباحثات غبية وبهدف التسلية والاستهزاء، فبيلاطس أراد التخلص من "هذه المشكلة" والشغب الذي أثاره اليهود بأي ثمن، كي يحافظ على كرسيه، بينما هيرودس أراد أن يرى "عرضا" من الرب "لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يراه يصنع آية، وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء ... فاحتقره هيرودس مع عسكره واستهزأ به ..." (لوقا 23: 8 – 11). 

نعم – يسكت الله، كالحالات المذكورة، بسبب محبته وطول أناته على بني البشر، وكون الرب "وديع ومتواضع القلب" (متى 11: 29)، كيف لا وأشعياء النبي كان قد تنبأ عن المسيح قائلا: "كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه" (أشعياء 53: 7)!!!

إذا كنا نمر في وضعية فيها "الرب صامت" على ظروفنا وأوضاعنا، فلنفحص أنفسنا في مجهر كلمة الله وروحه القدوس، لنطلب من الله أن يُبين لنا ماذا يكمن وراء سكوته ولنتيقن دائما أن الله يحبنا نحن بني البشر خليقته وعمل يديه. محبة الله تتجلى في شوقه لخلاص الخاطئ ورجوعه عن شره وكذلك عطش الله لنضوج أولاده روحيا وتتميم إرادته الصالحة المرضية والكاملة لحياتهم عل الأرض.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا