مقابلة عزيز دعيم
مع القس الكنن حاتم شحادة

القس الكنن حاتم شحادة هو راعي الكنيسة الأسقفية الإنجيلية في حيفا، والتابعة لمطرانية القدس والشرق الأوسط، وهو رئيس المحكمة الكنسيّة فيها، ونائب رئيس مجلس إدارة مدرسة مار يوحنا الإنجيليّ الأسقفيّة، يخدم الرّب لسنوات طويلة وينشر البشارة السارة ورسالة المحبة للجميع. 

القس حاتم شحادة
القس الكنن حاتم شحادة
راعي الكنيسة الأسقفية الإنجيلية في حيفا

مفهوم ثقافة السلام والسلام

حول مفهومه للسلام يقول القس حاتم، السلام هو شيء فطري موجود فينا، جزء لا يتجزأ من تركيبنا وتكويننا، فقد خُلقنا على صورة الله ومثاله وخلقنا أحرارا، والهنا إله سلام، فبولس الرسول يشجع المؤمنين في روما بقوله "إِلهُ السَّلاَمِ مَعَكُمْ أَجْمَعِين" (رومية15: 33)، وكذلك النبي اشعياء عندما تنبئ عن مجيء المسيح، أعلن أنه رئيس السلام "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (اشعياء9: 6)، وعندما تحققت النبوءة رنمت الملائكة «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ» (لوقا 2: 14)، وكذلك نرى في كلمات السيد المسيح في التطويبات أسمى تعاليم السلام بقوله  "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (متى5: 9).

ابن/ة الله (المؤمن الحقيقي) هو/هي من يصنع/تصنع سلام. نحن مطالبون أن نعيش السلام وبسلام مع الجميع، أي أن نُفعِّل السلام في حياتنا وتصرفاتنا، كما يحثّ بولس الكورنثيون قائلا: " أَيُّهَا الإِخْوَةُ افْرَحُوا. اِكْمَلُوا. تَعَزَّوْا. اِهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا. عِيشُوا بِالسَّلاَمِ، وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ" (2كورنثوس13: 11) كما ويحثنا الكتاب المقدس أن نطلب السلام ونسعى في أثره "حِدْ عَنِ الشَّرِّ، وَاصْنَعِ الْخَيْرَ. اطْلُبِ السَّلاَمَةَ، وَاسْعَ وَرَاءَهَا" (مزمور34: 14). السلام سعيٌ وعملٌ وتضحية، مثالنا العظيم يسوع المسيح الذي قدم السلام للبشرية ودفع ثمنًا باهظًا لتحقيقه بموته على الصليب.  

ثقافة السلام جزءًا من الثقافة الإنسانية وليست جسمًا غريبًا عنها، ويبقى السؤال: كيف نستطيع أن نًفعِّل ونصنع السلام في عالمنا ومجتمعنا؟

مجتمعنا وثقافة السلام

أما بخصوص وضع ثقافة السلام في مجتمعنا، فيعرض القس حاتم مركبات وتعقيدات الأمر إذ يؤكد أن وضع ثقافة السلام في مجتمعنا وفي بلادنا غرض مُرضٍ، فالكلام عنه كثير لكن تطبيقه قليل، وما زال بعيدًا عن الواقع، والدليل على ذلك العنف المتفشي في مجتمعاتنا، فرغم معرفتنا لعمق الحاجة للسلام لا نعرف كيف نعيشه، وهنا يأتي دور تفعيل ثقافة السلام وتذويته في المدارس والبيوت والمجتمع، فصدق القول "العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، فمن المهم تفعيل هذه الخصلة المكبوتة فينا في جيل مبكر لتصبح جزء من تركيبتنا وحضارتنا.  

بعض النظريات والفلسفات تؤمن أن السلام ضعف وتخجل من السعي في أثره تَحسُبًا من أن يُفسَّر بالخوف والجبن، لذلك فلسفتهم في الحياة تقول إنه لا بديل إلا باستعمال القوة والعنف لحفظ مركزك وكرامتك، وهكذا لكي تسيطر على الأمور يجب استعمال القوة، ولكن الرّب يسوع على الصليب صرخ صرخة سلام، ولم تكن صرخة ضُعف أو نقمة أو استسلام، بل طلب المسامحة لأجل صالبيه، مع أن البعض ترجم ذلك ضعفًا، لكنها حقا كانت قمة القوة.

لا يمكن أن نصنع سلامًا بدون ثمن، وثمن السلام التنازل، فالروح المنكسرة والمنسحقة هي التي يكرمها الرّب، والتي غيرت قائد المائة المسؤول عن صلب وطعن يسوع، إذ غيرت فكره وذهنه وايمانه، فمجَّد الله مُعلنًا أنّه «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!» (لوقا 23: 47). فلو افترضنا أن المسيح فاه بشتائم ولعن على صالبيه لكان العالم نسي المسيح وما يميزه، فما جعل الناس تذكر عظمة المسيح هو مسامحته ومحبته حتى لأعدائه.

  لكل سلام ثمنه، فحتى السلام مع الجار له ثمن. ومع ذلك فإن الثمن الذي يتم دفعه مقابل السلام مهما كانت نفقته عالية، يبقى قليلًا مقابل الثمن الذي يُدفع في الحرب والعنف والذي يدخلنا في حلقة مفرغة قد لا تنتهي، وتزهق أرواح وحياة الكثيرين وتدمر كل حضارة، بينما السلام يتم دفع ثمنه لمرة واحدة، وبالتالي تضع حدًا للدمار والحقد والكراهية ويخرجنا من الدائرة المفرغة، ويمكّن بداية جديدة، وعلاقات جيدة وشراكة لتطوير حضاري وللبناء والتقدم.

نشر ثقافة السلام

وفي الحديث عن كيفية نشر ثقافة السلم في مجتمعنا يشير القس حاتم إلى أن نشر ثقافة السلام تبدأ في البيت، والمؤمن الحقيقي الذي يربي أبناءه على المحبة والتسامح والسلام والعدل، أي أنّ ربّ وربّة البيت يكونا النموذج والمثال الأول للأولاد، المبني على العلاقة السليمة بين الأب والأم، وقد أجمع الأطباء النفسيين على أن روح السلام والمحبة بين الوالدين يساهم في تطوير وتفعيل فضيلة السلام في الأولاد، والعكس صحيح. فمن يتربى في بيوت فيها عنف وعدم تسامح يطغى الشر على الخير في الأولاد. يلي ذلك دور المدرسة، من خلال بناء منهجية واضحة للسلام، لتكون لها حصة مماثلة للمواضيع التعليمية المعتبرة، فالعنف في مجتمعاتنا ليس إلا مؤشرا واضحا يستصرخ أبناء السلام لنشر ثقافة السلام.

معيقات ثقافة السلام

أما بخصوص معيقات السلام في مجتمعنا فيورد القس حاتم مجموعة معيقات منها:

- غياب الترتيب والنظام والقانون، إذ أنّ عدم وجود ضوابط وغياب النظام أو القانون، يقود الانسان للفوضى. والعنف هو نتيجة الفوضى، فإلهنا إله ترتيب في حين أن ابليس هو سيدّ التشويش. عندما خلقنا الرّب نهانا عن عدة أمور في الوصايا العشر، وضّعها ليضعنا في الإطار الصحيح.

- استخدام خاطئ للتكنولوجيا، وسهولة انكشاف الأطفال والأولاد لبرامج عنف أو ايديولوجيات تشجع على العنف.

- الكبت الفكري والاحتلال، يقيّد الانسان، يُولّد غياب حرية الانسان مما يزيد من العنف.

- التقوقع، كل فئة في مملكتها، فلسان حال الأكثرين "أنا في مملكتي ومَن هو خارج مملكتي ليس معي، وكل من ليس معي فهو عليّ".

دور الدين ورجال الدين في السلام

وفي مداخلة عن اختلاف الأديان هل هو عامل في خلق وتطوير نزاعات وعن دور رجال الدين، أجاب القس انه للأسف وعلى ضوء ما نراه اليوم من اقتتال وتدمير وحرب، هو قائم على ايديولوجيات دينية تلغي حق الآخر في الوجود، وتريد أن تفرض على الآخرين ما تؤمن به، وبالتالي قد يُخطف الدين بأيدي متطرفين، الأمر الذي يجعل من الدين سببًا لازدياد العنف والحرب وغياب السلام. وعليه لرجال الدين دور كبير، لأن الناس عامة في مجتمعاتنا تنظر لرجال الدين بشكل محترم جدًا، وكقناة يتكلم الله من خلالها، فعندما يفتي رجل الدين بشيء يصبح قانونًا، فرجل الدين بيده أداة تمكنه من أن يكون رجل سلام أو رجل حرب. فعلى سبيل المثال أنا منخرط في مجموعة رجال دين من أجل السلام والتعايش، في نطاق البلدة، مدينة حيفا، وفيها ممثلين عن كل الأديان المسيحية والإسلامية والدرزية والبهائية والأحمدية واليهودية، نلتقي على النقاط المتفق عليها ونصدر بيانات مشتركة، ونشارك مع طلاب المدارس في حوار بناء، ومجرد ظهورنا معا كرجال دين من ديانات مختلفة، هذه الصورة بحذ ذاتها تترك انطباعا إيجابيًا أننا نستطيع ان نسعى مع لتحقيق للسلام، وأن ذلك ممكنًا.

دور الكنيسة في السلام

وقد أشار القس حاتم إلى أن موضوع دور الكنيسة في السلام، هو طرح شائك جدًا، فنحن من المفروض أن يكون لنا دربًا بناءً يعمل لرأب الصدع وينشر ثقافة السلام، لأن الكنيسة رئيسها المسيح وهو الموصوف برئيس السلام، وقد حثّ تلاميذه أن يكونوا صُناع سلام، فبالتالي الكنيسة تساهم بصنع السلام عن طريق أبوابها المفتوحة للجميع كمكان آمن في الحرب والسلم، فعلى سبيل المثال، عند احتراق بناية سكن عالية في لندن يسكنها المئات من كل الديانات، فتحت الكنائس القريبة أبوابها لتكون مأوى للسكن وتقدم المساعدات المعنوية والمادية لهم، هذا إضافة لدور المعايدات وتبادل التهاني وبناء علاقات صحيحة مع الجميع. الموضوع شائك، وذلك على ضوء ما حصل في الشرق الأوسط من هدم كنائس وحرقها واضطهاد الكنيسة والمسيحيين، فقد أصبح الكثيرون يطرحون السؤال اليوم: هل يجب إعادة النظر في سياسة الأبواب المفتوحة؟ وهل هي ذات صلة بالواقع المعاش؟

وهنا يأتي دور رعاة الكنائس، فمن المهم أن يكون الراعي مثالًا وقدوة يُحتذى به، وأن يعيش السلام في حياته كما يقول بولس الرسول "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رومية12: 18)، فدورنا أن نسعى للسلام وأن نعيشه وجدانيًا، كما علمنا السيد المسيح "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى 5: 16)، علينا أن نكون مرآة تعكس هذا السلام. الراعي عندما يُفعِّل السلام في داخله يكون قدوة ومثالًا مؤثرًا، بعدها يأتي دور البرامج والأنشطة، فبدون وجود الشعلة الداخلية لا تنفع البرامج، وبالشعلة الداخلية المثيرة تكون لهذه البرامج معنى.

رسالة وعبرة

وفي ختام حديثه لخص القس الكنن حاتم شحادة كلامه بالقول، أن السلام ليس استسلامًا، بل السلام هو تجاوبًا مع وصية الخالق لنعيش في بيئة حاضنة، دافئة، مريحة وجميلة، وهذا يتم فقط عن طريق تفعيل فضيلة السلام التي أوجدها الله فينا. عيشوا السلام بدون خوف، فالخوف يطرد السلام خارجًا. ويبقى السلام أقل تكلفة ونفقة من الحرب.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا