الجزء الأول

مزمور 128 "1طُوبَى لِكُلِّ مَنْ يَتَّقِي الرَّبَّ، وَيَسْلُكُ فِي طُرُقِهِ. 2لأَنَّكَ تَأْكُلُ تَعَبَ يَدَيْكَ، طُوبَاكَ وَخَيْرٌ لَكَ. 3امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ. 4هكَذَا يُبَارَكُ الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الرَّبَّ. 5يُبَارِكُكَ الرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ، وَتُبْصِرُ خَيْرَ أُورُشَلِيمَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ، 6وَتَرَى بَنِي بَنِيكَ. سَلاَمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ".

علّمنا ربنا يسوع المسيح أن نصلي قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متّى 9:6). أي أنّنا نصلي إلى الله باعتباره "أبانا"، والكلمة اليونانية الأصليّة المترجمة "أبانا" هي كلمة πατήρ (باتير) وتعني "أب"، وهي مكررة 418 مرّة في العهد الجديد. ونفس الكلمة، "πατήρ" التي تستخدم للآب السماوي تستخدم أيضاً للأب الأرضي. وهذا دليل على أهمية الأب الّذي يعتبر الممثل الروحي للأسرة أمام الله، وكيف أنّه يجب على الأب الأرضي أن يعكس صورة الآب السماوي في حياته، ومن خلال علاقته مع زوجته وأولاده.

على الأب أن يعيش حياة تقوى وقداسة، لأنه يقدم القدوة والنموذج لزوجته وأولاده. فالأب هو القائد الروحي وبالتالي القدوة الروحية لكل أفراد أسرته. وعندما نتذكر أن الله هو دائماً محب، ودائماً صالح، ودائماً حاضرٌ معنا، ودائماً يعطي، ودائماً أمين، ودائماً يحمينا ويدافع عنا. فإن على الآباء الأرضيين أن يعكسوا صفات الله هذه في حياتهم، وأن يكونوا دائماً محبين وصالحين وحاضرين مع أسرهم، وأن يكونوا أمناء لزوجاتهم وأولادهم، وأن يوفروا لهم احتياجاتهم المختلفة، ويحموهم من الشر والأشرار والشرير، أي عدو النفوس إبليس.

يريد الله أن يبارك الآباء، وهو يتوقع أن يأخذ الآباء مكانتهم التي يريدها لهم. لذلك فإن أحد أهم أسباب الفساد المنتشر في مجتمعنا اليوم هو أن الآباء بشكل خاص لا يلعبون الدور الحيوي والمهم جداً في حياة الأسرة والمجتمع.

يتحدث مزمور 128 عن بركات الله على حياة الأسرة المؤمنة، وخاصة الرجل الصالح الّذي يتقي الرب. الرجل الذي يسلك في طرق الرب. وكيف أن الرب يبارك له في زوجته وأولاده وحتى في شعبه. فالرجل الذي يخاف الله هو إنسان ذو مصداقية. وبركة الرب عليه تشمل الزوجة التي شبّهها بالكرمة، أي مصدر الخمر الّذي يرمز للفرح في الكتاب المقدس. والأبناء الذين يشبههم بغروس الزيتون، أي أنهم شبابٌ أقوياء، وسيتابعون في الوقت المناسب العمل الذي بدأه آباءهم. (مزمور 8:52، إرمياء 16:11، هوشع 6:14). نلاحظ هنا أن الأولاد ليسوا مثل العشب، فالعشب سريعاً ما يذبل ويجف ويموت، بل كأغصان الزيتون التي تعمّر طويلاً وتعطي ثمراً كثيراً.

نقرأ في رسالة كولوسي 18:3-21 "أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ فِي الرَّبِّ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، احِبُّوا نِسَاءَكُمْ، وَلاَ تَكُونُوا قُسَاةً عَلَيْهِنَّ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، اطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ لأَنَّ هَذَا مَرْضِيٌّ فِي الرَّبِّ. أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا اوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا". نجد هنا أن الترتيب الهرمي في الأسرة يجب أن يكون برئاسة وقيادة الأب، أي رجل الأسرة. ويتكرّر ذكر نفس المبدأ في أفسس 22:5-24 وكورنثوس الأولى 3:11. علماً بأنّ رئاسة الأسرة ليست امتيازاً ليستغله الرجال، بل هو مسئولية عليهم القيام بها. 

يتحدث بولس الرسول في رسالة تيموثاوس الأولى 12:3 عن الشمامسة، ويقول أنه من واجباتهم أن يكونوا "مُدَبِّرين أولادَهُم وَبُيوتَهُم حَسَنَاً"، ويجب أن ينطبق هذا الكلام على جميع الرجال والآباء. فالأب لديه مسئولية رعاية أسرته والاهتمام بحاجاتها الروحية والأدبية والأخلاقية والتربوية والاجتماعية والمالية والصحية. نقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى 8:5: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ". وهذه كلمات قوية وحاسمة جداً لأنها تبين المسئولية العظمى التي وضعها الله على الآباء تجاه عائلاتهم. فعلى الأب أن يعتني بأسرته، والعناية هنا شاملة وبدون تحديد، فعلى الآباء توفير المال اللازم لمعيشة أسرهم، ولكن ليس على حساب وقتهم الذي يجب أن يصرفوه مع الأسرة. فالعناية لا تتم عن بعد، بل تكون بالوجود مع الأسرة وتجسيد المحبة والرعاية بشكل ملموس من قبل الزوجة والأولاد.

عندما يتزوج الرجل ويصبح أباً، فإنه في الغالب لا يجد من يقول له كيف يدبر بيته، وكيف يكون زوجاً محباً لزوجته وأباً صالحاً لأولاده. فهذه الأمور يتعلّمها من مصادر قليلة ومهمة: فهو أولاً يتعلم كيف يعامل زوجته وأولاده من طريقة معاملة أبيه له قبل أن يتزوج. فالأب هو القدوة والمثال، ولذلك تذكّر أيّها الأبُ بأن ما تزرعه الآن ستحصده في حياة أولادك. فالآباء يتعلمون كيف يكونوا آباءً صالحين من العلاقة الصحية مع آباءهم. والمصدر الثاني هو ما يتعلمه من علاقته مع الله ومن كلمة الله. وأفضل الآباء هم أولئك الذين يأخذون الرب يسوع مثلهم الأعلى، ويعلمون أفراد أسرتهم عن الرب وتعاليمه.

بعض مسئوليات وصفات الآباء الأتقياء:

1. الأب الفاضل والصالح يصرف وقتاً مع أولاده: لا تضع أيّها الأب عملك قبل أسرتك، وانتبه للأولويات في حياتك، وتذكر أن الزّوجة والأولاد يجب أن يكونوا على قمة الأولويات في حياتك بعد الله. نقرأ في مزمور 3:127 قول الوحي المقدّس: "هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ". فهل نهمل هذا الميراث الرائع، هذه العطية الجميلة، أم نضع الأولاد في صلب اهتمامنا؟ فالقضية ليست طعام ولباس وحفلات، بل هي أن تعطي أولادك أهم عطية وأثمن هدية في حياتهم ألا وهي أن تعطيهم ذاتك ووقتك. وتذكر أن الآباء الصالحين والرائعين لا يجدون وقتاً لأولادهم، بل يعملون ويصنعون ويخصصون وقتاً لهم، وشتّان بين الوضعين: فأن تجد وقتاً لهم يعني أنهم ليسوا أولوية في حياتك، فجدول أعمالك مليء، وإن وجدت فترة فراغ فقد تجلس مع الأولاد، ولربما تجلس معهم ولكن عيونك على التلفزيو أو الهاتف الخلوي الذّكي. أما أن تخصص وتعمل وقتاً لهم فهذا يعني أنهم الجزء الأساسي في حياتك، فهم أهم من العمل والأصدقاء، والوقت معهم يعني أنك حاضر معهم بكل حواسك وفكرك ومشاعرك: تسمتع إليهم، وتضحك معهم، وتلعب معهم، وتجيب على أسئلتهم، وتشاركهم في أمور الحياة المتنوعة والمتشعبة.

2. الأب الفاضل والصالح يحنو ويعطف على أولاده: نقرأ في قصة الإبن الضال في الإنجيل بحسب البشير لوقا 20:15: "فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ". لو كان الأب في القصّة إنساناً عادياً، لكان قلبه مليئاً بالغضب والرفض لهذا الإبن الناكر للجميل، والّذي بذّر نصف ثروة أبيه، والذي عاش حياة كلها خطية ونجاسة واستهتار، وبالتالي لكانت كلماته: "لا أريد أن أرى وجهك ثانية. أنت لست إبني. انصرف ولا ترجع إلي ثانيةً". ولكن الأب المحب، الأب الذي اختبر خلاص الله ورحمته مع الخطاة، هذا الأب عرف أن الجميع خطاة، وأن الإبن قد ارتكب إثماً فظيعاً. فمَنْ مِنَ البشر لا يخطئ. والإبن يبقى إبناً، ويبقى من لحمه ودمه. وها هو الآن تائب ونادم، وبالتالي أستقبله أبوه وفرح بعودته.

كلنا نضل ونرتكب سخافات وحماقات وخطايا غبية ومخجلة. كلنا نبتعد عن الله في أعمالنا وأقوالنا وأفكارنا. فنحن لسنا أفضل من الإبن الضال، ومع ذلك فشكراً لله على محبته الدائمة والأبدية لنا، ولأنه يحبنا فهو على استعداد دائم لأن يغفر لنا خطايانا إن عدنا إليه بكل جوارحنا وقلوبنا طالبين المغفرة، ونحن عالمين وواثقين بأن دم الرب يسوع يطهرنا من كل خطية.

يوجد اعتقاد خاطئ يقول أن الآباء لا يحبون أولادهم وبناتهم مثل الأمهات، فهم ليسوا عاطفيين أو حساسين مثلهن، ولكن هذا كلام باطل. فالقضية هي في أسلوب التعبير عن المشاعر وليست في حقيقة وجود هذه المشاعر. فالله خلق الآباء ليعبروا عن محبتهم بطرق مختلفة عن الأمهات. وهم يقومون بذلك عندما يوفرون لأولادهم كل احتياجاتهم الروحية والنفسية والجسدية.

3. الأب الفاضل والصالح يكون عادلاً مع جميع أولاده ويعاملهم معاملة واحدة وبدون تمييز أو تفضيل: رأينا في قصة الإبن الضال كيف أن الأب فرح بعودة إبنه الضال، وألبسه خاتماً، وذبح له العجل المسمّن للاحتفال بعودته سالماً، ولكن هذه الأعمال لم تكن على حساب أخيه الثاني. فالأب استمع أولاً إلى شكوى وتذمر الإبن الأكبر من سلوك أخيه الأصغر، وبعد ذلك قال له في الآيات 31-32 "يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ". أي أن الأب حَثَّ إبنه على قبول أخيه، وعلى الفرح بعودته سالماً، وفي نفس الوقت أكّد له أن له نصيبه من الميراث، فكل ما للأب هو عملياً له، ولا يمكن أن تكمل الفرحة إلا بوجود الأخ إلى جانب أخيه. نقرأ في مزمور 17:145 أن "الرَّبُّ بَارٌّ فِي كُلِّ طُرُقِهِ وَرَحِيمٌ فِي كُلِّ أَعْمَالِهِ". فمحبة الله هي للجميع وبدون أي تمييز، ومحبة الآباء لأبنائهم يجب أن تعكس محبة الله للعالم.

4. الأب الفاضل والصالح يؤدب أولاده: التأديب أمر صعب، وغالباً ما يساء فهمه على اعتبار أنه شيء سلبي، وبالتالي يرفضه الأبناء ولا يعرف الآباء كيف يطبقونه. يجب أن يكون تأديب الآباء لأبنائهم بالمحبة وبدافع المحبة. نقرأ في سفر الأمثال 11:3-12 "يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ". من هذه القراءة نستنتج بوضوح أن على الأب أن يؤدب إبنه إن كان يريد الخير والأفضل له. وصدقوني أن الآباء الأقوياء والمحبين ينتجون جيلاً صالحاً ومؤدباً للمجتمع. ويصبح أولادهم بدورهم آباء رائعين وقدوة صالحة للآخرين.

يعني التأديب أن يعمل الآباء على تربية وتنشأة أولادهم في طريق الخير والحق والصلاح والقداسة. ويؤدي التأديب بالتالي إلى أن تنمو الأسرة وتقوم على أسس صحيحة مستمدة من كلمة الله. فتأديب الأب لأولاده يُشَكِّلُ الأسرة ويعطيها صورتها أمام الله والناس. فكما يحث مدرب أي فريق رياضي اللاعبين على بذل أفضل ما عندهم للفوز والنجاح، كذلك على الآباء أن يبذلوا أفضل ما عندهم في حث أولادهم بروح الوداعة والمحبة على النجاح والتفوق والعيش بأسلوب حياة تتسم بالقداسة، أي أن على الأبِ أن يربي أولاده على الاجتهاد والعمل والصدق والحب والصلاة والخدمة، وعمل كلِّ ما هو مسر ومرضي أمام الله والنّاس.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا