الاقتباس والتأليف وراء لغز شبهة التحريف – 2 من 3

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

من اقتباسات محمد- البرهان الخامس

يجهل كثيرون حقيقة قصّة أصحاب الكهف. إنّها مسيحيّة سريانيّة تعليمية، شهيرة وواضحة المعالم، تناولها المفكّر حامد عبد الصمد لتنوير المسلمين وفصَّلها عبر مقطع يوتيوب، مع ضيفه محمد المسيَّح خبير المخطوطات، في برنامج صندوق الإسلام (مقدمة عن أساطير القرآن ومصدر أسطورة أصحاب الكهف)- الحلقة 30 ومدة الـفيديو أقل من نصف الساعة. فقد اشتُهرت القصّة للقديس مار يعقوب السّروجي (451 – 521 م) مدوَّنة باللغة السريانية ومحفوظة في الفاتيكان، ثم دّوِنت باللغة القبطية فالحبشية ثم تُرجِمت إلى العربية. هذا يعني أنّ السُّريان والأقباط والأحباش والعرب عرفوها قبل ولادة محمد.
فهي قصّة سبعة فرسان رومان (أي كانوا وثنيّين) آمنوا بالمسيح. فرفضوا القتال في صفوف الجيش الروماني فاختبأوا في مغارة (كهف) في أَفَسُس (من أعظم مدن الإغريق في الأناضول، إليها كتب بولس الرسول إحدى رسائله ممّا في الإنجيل) وفي القصّة أيضًا أنّ الملاك كان كالِئَهم (أي حافظهم، حارسهم) باسِطًا جَناحَيه. لكن مفسّري القرآن قرأوا (َوكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بالوَصِيد)- الكهف:18 بدل "كالئهم" بعد تنقيط القرآن فظهور الألف والهمزة. والوَصِيد: عَتَبةُ الباب.

وتعليقي؛ أوّلًا: على إيمان الفرسان بالمسيح؛ إذ قال محمد بأسلوبه: [نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى]- الكهف:13 فقلت: مَن الذي قصّ على محمّد هذه القصّة وقد قُصَّت على أهل الكتاب من قبل وعلى ابن عبّاس من بعد- كما سنرى؟ ألا يدعو نسب الأقصوصة إلى الله- حاشا الله- إلى الشّكّ في مصدر القرآن بدليل قاطع؟

ثانيًا: واضح أنّ عدد أصحاب الكهف معروف في القصّة المسيحيّة: سبعة فرسان! لكن العدد التبس على محمد: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قُلْ ربّي أعلم بعدّتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تُمَارِ فيهم إلّـا مِراء ظاهرًا ولا تَستفتِ فيهم منهم أحدا)- الكهف:22 هذا لأنّ الرواية التي وصلت إليه، بدليل الالتباس في العدد، لم تكن دقيقة. والغريب فيها قوله (قُلْ ربّي أعلم بعدّتهم ما يعلمهم إلّا قليل) ما دلّ على أنّ ربّه امتنع عن إخباره، والناس انتظرت خبرًا يقينًا من "رسول الله" فكيف عَلِمَ غير رسول الله بعدّتهم ولم يعلم الرسول؟ وتاليًا لماذا ورّط نفسه في قصّة لم يتحرَّ عنها جيّدا؟ ففي تفسير الطبري: [قال آخرون: بل عنى بالقليل: أهل الكتاب... وعن ابن عباس (ما يَعلَمُهُمْ إِلا قلِيل) قال: يعني أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول: أنا ممّن استثناه الله، ويقول: عدّتهم سبعة] انتهى.
كذا نقل ابن كثير، عن قتادة وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: [أنا من القليل، كانوا سبعة] انتهى. ما دلّ أيضًا على أنّ القصّة كانت معروفة فلا خبر جديدًا جاء ولا وحي نزل (قول الخليفتين يزيد والوليد ممّا في القسم الأوّل) وبهذه القصّة استطاعت قريش أن تحرج محمدًا، بشخص كل من النضر بن الحارث وعقبة بن معيط، واللذين ما لبثا أن وقعا في قبضة محمد، من بين أسرى بدر، والنتيجة معروفة: الموت، لكن اختلفت الروايات الإسلامية على طريقة الموت.
ومن الغرابة قوله التالي أيضًا: (ولا تَستفتِ فيهم منهم أحدا) كيف يستفتي رسول الله أحدًا (والمقصودون أهل الكتاب في تفسير الطبري) إذا كان الله إلى جانبه ليخبره بكلّ صغيرة وكلّ كبيرة؟

وتعليقي ثالثًا على تفسير قوله: (وكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بالوَصِيد) فقد تقدّم أن الملاك هو المقصود منطقيًّا. وقد سبق للسيدة عائشة أن نوّهت في حديث عن خطإ النّسّاخ. لكن المشكلة غير محصورة بالنّسّاخ ولا بالخطأ، إنما في قدرة الله على حفظ كتابه من أي خطأ كما في "اللوح المحفوظ" وهذا موضوع آخر. فأغلب ظنّي أن الملاك المذكور في هذه القصّة هو وراء اعتقاد محمّد بأنها من القصص المقدَّسة، نظرًا إلى أدوار الملائكة في الكتاب المقدَّس، سواء في التوراة وفي الإنجيل.
وتاليًا؛ لو عثر الجنود الرومان على الفتية فهل كانت قوّة الكلب كافية لحمايتهم؟ كيفما بسط الكلب ذراعيه فإطلاق سهم واحد عليه، أو رمح، كافٍ لشلّ حركته. لذا فالصحيح: كالئهم وليس كلبهم.
وإليك مقطع الحلقة 30 من موقع لينغا، بالإضافة إلى مقاطع أخرى على الصفحة ذاتها:
linga.org/user/?aid=19129

هل القرآن كتاب عادي؟

لقد عاتبني أحد القرّاء على قولي "مؤلِّف القرآن" على أنّ القرآن يستحقّ تقديرًا أكبر. فأجبت على عتابه بالقول أنّ لكلّ كتاب مؤلِّفًا! فما قصدت الإساءة إلى القرآن ولا إلى المؤلِّف. وقلت في نفسي: لو استحقّ القرآن مدحًا لمدحه شعراء الطبقة الأولى من معاصريه، كالنابغة الذبياني والأعشى قيس وأميّة بن أبي الصَّلت والخنساء ودريد بن الصّمّة وتاليًا شعراء العصر الأموي كالأخطل وجرير والفرزدق وتاليًا شعراء العصر العبّاسي، الأوّل منه والثاني، منهم أبو تمّام والبحتري والمتنبّي.
وبالمناسبة؛ أنّي تحفّظت على وصف القرآن "كتابًا" إذ اختلف عن سائر الكتب اختلافات عدّة. فما استحقّ في نظري إطلاق صفة كتاب عليه، لمستواه الأدبي الهابط، قياسًا على أدب الفترة التي عاصرها محمد. لكنّي لم أفكّر في إطلاق صفة أخرى عليه غير القرآن- احترامًا لمشاعر إخوتنا من المسلمين وأخواتنا من المسلمات- فلم يعجزني، بعون الله وفضله، إيجاد صفة جديدة للقرآن ولا حيّرتني قافية. فمن اختلافات القرآن عن غيره من الكتب:
أوّلًا؛ أنّ مقولاته المسمّى كل منها "آية" قد تمّ تجميعها من أقوال حفظة القرآن فاضطرب تفصيل موضوع ما، في سورة ما، متناثرًا بين سور أخر، مثالًا: قصص ابراهيم وموسى وعيسى، لذا ترى انتقالًا مفاجئًا من موضوع إلى آخر. وقد وجدت في تفاسير القرآن أن مقولة ما قرآنية نزلت في فلان، بينما نزلت التي تلتها في آخر. كان الله في عون السّذّج من القرّاء وهم كُثر.
ثانيًا: اختلاف تسلسل السور في مصحف عثمان عمّا دلّ عليه ترتيب "النزول" تاريخيًّا. فمثالًا لا حصرًا: أن المائدة والتوبة من أواخر ما "نزل" لكن ترتيب المائدة 5 في المصحف وترتيب التوبة 9 شأنهما شأن جميع السور، باستثناء ص (38) في إحصائية ويكيبيديا- قائمة سور القرآن الكريم- والانفِطار (82) لذا وجب، في رأيي، على كلّ من أراد أن يفهم القرآن وشخصيّة مؤلِّفه؛ أن يدرس اللغة العربية والأدب العربي، ما قبل الإسلام وما بعده، وسيرة ابن هشام والسيرة الحلبية. وأن يقرأ السور القرآنية حسب ترتيب النزول مستعينًا بأزيد من كتاب تفسير وأهمّها تفسير الطبري، لأنه معتمد إسلاميًّا والأقرب إلى صدر الإسلام من غيره من الثقات، بالإضافة إلى معجم لسان العرب. أضف أنّ على الذي ينوي نقد لغة القرآن، ولا سيّما قواعدها، أن يهتمّ بفصاحة لسانه وأن يصبح من شعراء الطبقة الأولى، كالرصافي والزهاوي وجبران خليل جبران ونازك الملائكة والجواهري.
عِلمًا أني انتقدت قوله التالي لغويًّا قبل حوالي ستّ سنوات: (إنْ تتُوبا إلى اللهِ فقدْ صَغتْ قلوبُكُما...- التحريم:٤) التي نقل عنها أحد النّقّاد بدون ذكر اسم الكاتب والموقع الناشر. فلا وقت لديّ لبذل المزيد؛ لا في هذا، إلّا إذا عاث النقّاد الإسلاميّون فسادًا أزيد ممّا عاثوا، ولا في قضية تحريف القرآن، وسائر الاتهامات المتبادلة بالتحريف بين الطوائف الإسلامية، لأنها لا تهمّني. 

ثالثًا؛ لن تجد بين كتب الأرض كتابًا مختلفًا على معانيه كالقرآن. والنتيجة- كما تقدَّم- اختلاف مفسِّري القرآن على كل صغيرة فيه وكبيرة اختلافًا لا شكّ في تعارضه مع كلّ من البيان والبلاغة والتنوير والصراط المستقيم. فانتقت طائفة ما تفسيرًا ما منه، بينما رجّحت أخرى معنى آخر بالتفسير بما يتناسب ومذهبها. فاختلط الحابل بالنابل، لا يعرف قارئ مراقب كفّة راجحة بينهما إلّا اتّباع الظّنّ حينًا والانحياز إلى طائفة ما حينًا آخر- وفق اعتبارات أخرى. فإذْ حار في معاني القرآن أو مقاصده مَن كان أقرب إلى زمن محمد من أهل التفسير والتأويل واختلفوا، فما بالك بالعامّة من الناس في ذلك الزمان وفي قرون لاحقة تاليا؟ عِلمًا أنّ العرب عمومًا، في هذا الزمان، لا يفقهون في لغتهم إلّا قليلا. فقلت: لو فقهوا فيها كثيرًا لتركوا الإسلام. 

ـــ ـــ

رمي الكرة في ملعب المسيحيّين

لقد نوّهت في هامش المقالة المذكورة، في القسم الأوّل، تحت عنوان "من الحكمة وممّا ليس من الحكمة" بالتالي: [إلى قليل المعرفة بالكتاب المقدَّس وبالتاريخ؛ من الحكمة أن تكتب سؤالك أوّلا على غوغل لتعثر على جواب مسيحي عليه، سواء من موقع لينغا ومن غيره. لا يسع وقت المسيحيّين أن يجيبوا يوميًّا على أسئلة مكرَّرة حرفيًّا وضمنيّا. لكن ليس من الحكمة التهرّب من موضوع المقالة إلى طرح مليون سؤال على المسيحيّين خارج عن إطار اهتمامها] انتهى.
ومن أسباب لجوء المسلمين إلى هذا التصرّف أنّهم أوّلًا:
لا جواب في الغالب على النقد الموجّه للقرآن. فالمعلِّقون، كما رأيت، لم يفقهوا فيه إلّا قليلا! فلجأوا تارة إلى الشهادتين، اللتين ثبت فيهما الشرك بالله لأن الشهادة لله واحدة، لا يجب إشراك غير الله فيها. وتارة إلى كتابة مقولات قرآنية إمّا منسوخة وإمّا أنهم لم يقرأوا تفسير واحدة منها مكتفين بمعناها ظاهريًّا فقط. وتارة إلى الشعارات المزيّفة ومنها (رحمة للعالمين، نعمة الإسلام) في وقت لا محبّة للآخر المختلف في الإسلام حتّى بين طوائفه، لكن تفاوتت مستويات الكراهية والحسد والحقد والانتقام بين طوائفه حسب الظروف. فلا رحمة عمومًا في الإسلام ولا سلام ولا نعمة. وفي مقالاتي أدلّة كثيرة عبر التاريخ الاسلامي، ممّا ليس في الكتب الإسلامية المضلِّلة، وبراهين قاطعة. فما عرف حقيقة الإسلام أكثر إلّا الذي اكتوى بناره. 

ثانيًا: يتجنّبون الحديث عن القرآن؛ إمّا لأنهم يفتقرون إلى شجاعة نقد المقدَّس لديهم، أو أنهم ختموا على عقولهم بالشمع الأحمر على أنّ القرآن (موحى به من الله) كما في المثل: (عنزة ولو طارت) مهما أفلست جعابهم من المنطق السليم ومن الرد الحكيم. فقلّما اعترف واحد منهم بوجود إشكاليّات قرآنية، أو إسلاميّة عمومًا، وهي واضحة للقاصي كما الدّاني.
ثالثا: ينقلون انتقاداتهم ضدّ الكتاب المقدَّس من مواقع إسلامية اقتطعت نصوصًا من سياقها، لذا آثروا النقل على العقل، من جهة. ومن أخرى؛ تأثّروا بكتب التراث المدرسية المزيَّفة وفيها تزوير الحقائق التاريخية قائم إلى اليوم.

رابعًا: معلوم في الإسلام أن (الكذب في ثلاث) مشروع- حسب حديث محمّدي- وأنّ (الحرب خدعة) كأنهم اعتبروا جدلهم مع المسيحيّين حربًا وفق المقولة القرآنية: (وجادلهم بالتي هي أحسن)- النحل:125 في وقت سمّى المسيحيّون النقاش مع غيرهم حوارًا، فلم يخطر في بال المسلم العادي حقيقة معنى قوله: (وجادلهم... إلخ) عِلمًا أن من أساليبهم البائسة اتّهام منتقدهم بالحقد على القرآن أو على الإسلام. قلت: فليكن! لكن الكاتب حاقد على الشّرّ الذي فيهما وليس على شخص ما، لأنّ معركة المسيحي مع قوى الشّرّ الروحيّة منها والظلاميّة ويريد الخلاص لجميع البشر بمحبة، مؤمنًا أن الخلاص بيسوع المسيح- الوديع والمتواضع القلب- وليس بما في التوبة:5 و29 ولا في جنات وهمية من خيال مؤلِّف القرآن والحديث طويل.

خامسًا؛ لقد اقتطع بعض المعلّقين آيات إنجيلية ونبوبة وتوراتية من سياقها لتحريف معناها، كما فعل الرذيل المقبور ديدات من قبل، بينما اقتطعوا مقولات قرآنية لتبييض معناها. والفرق شاسع بين النقد الإسلامي العبثي وبين النقد المسيحي الملتزم. فالأخ المسلم، كما رأيت، جادل لكي يظهر الإسلام جميلًا والقرآن كريمًا على أن كثيرين أساؤا فهم هذا وذاك- ما شاء الله- أمّا المسيحي فقد حاور في الغالب من فيض محبّته ووداعته، اقتداء بسيّده، لأنه رغب في إشراك غيره بنعمة الخلاص المجّانيّة التي بذل السيد المسيح نفسه لينعم بها على العالم كلِّه (يوحنّا 3: 16) لكنّ أرذل المعلِّقين مَن اعتبر سكوت المسيحي جبنًا وهو شجاعة وصبر وقوّة تحمّل أو وداعة المسيحي ضعفًا وهي قوّة.
والمزيد في مقالات لاحقة إذ (لكل حادث حديث) كما قيل.

ـــ ـــ ـــ

في القسم الثالث وهو الأخير: حالة محمد المَرَضيّة حسب السيرة الحلبية، جذور الادّعاء بتحريف التوراة، هكذا خالف محمد وصايا الله، دحض أشهر مزاعم تنبّؤ الكتاب المقدّس عن محمد وتفنيدها.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
الحقيقة في أفواه الإسلاميين وفي أذهانهم، هي أن كلاً من التوراة والإنجيل خال من التحريف، إذ لا يستطيع مخلوق أن يحرف كلام الله، وأن جميع اقتباسات محمد قد تم العثور عليها في الكتب التي ظن
إذا تبيّن لنا من دراسة الشخصية المحمدية وجود مرض عصبي فيها، حسب السيرة الحلبية وصحيح مسلم، أدركنا سبب تعالي محمد على الكتاب المقدَّس خصوصًا وعلى البشر عمومًا، معتبرًا نفسه وكيل الله على الأرض...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader