كتبت اقتراحًا لتوحيد الأعياد المسيحية قبل أربع سنين من تاريخ كتابة هذه المقالة، فلم يجد آذانًا مصغية ولا أذهانًا واعية، آملًا في إيجاد حلّ لهذه المشكلة ما لم يكن الاقتراح مفيدًا. وهو باختصار: أن تعيّد طوائفنا عيد الميلاد في 25 ديسمبر- كانون الأوّل أي مع الطقس الكاثوليكي، على أن تعيّد عيد القيامة بحسب الطقس الأرثوذوكسي. وهذا لا يعني أن إحدى هاتين الطائفتين على صواب والأخرى على خطأ! بل كلاهما على صواب وفق حسابات كلّ منهما. لكن الرَّبّ يسوع لم يكن طائفيًّا! مثالًا؛ حين حان عيد الفصح عند اليهود اندمج مع مجتمعه وهو عالم أنّ ساعة آلامه اقتربت. فقال لتلاميذه: {شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذا الفِصحَ مَعَكُمْ قَبلَ أَنْ أَتَأَلَّم}+ لوقا 22: 15

ألمْ تحرِّك هذه الآية مشاعر الجهات المعنيّة لدى الطوائف المختلفة؟ إنّما يتطلّب الحلّ قرارًا شجاعًا من أحد الخدّام الكبار؛ متى يصدر قرار التوحيد تسهل الترتيبات المتعلِّقة به بعون الرَّبّ. ومعلوم أنّ المسيحي إنسان شجاع وحكيم وموهوب وصبور لأنّه يستمدّ من الرّبّ القوّة والحكمة والموهبة والصبر. فلا يعجزه شيء لأنّ ربّه قادر على كلّ شيء.

ـــ ـــ ـــ

بارقة أمل

لقد استطاعت جهات مسيحية في الأراضي المقدّسة توحيد العيد، ربّما استطاعت في دول غيرها، لكنّي أخصّ بالذكر الرامة في الجليل وشفاعمرو وعبلّين وكفر ياسيف، حسب أحد أصدقائي، من هناك، تفضّل مشكورًا بإحاطتي عِلمًا بهذه الأسماء، بانتظار وصول أسماء أخرى في المستقبل. لكن تحية من القلب لكلّ جهة وحّدت العيد فأصبحت قدوة لغيرها، مؤمنة بأنّ يسوع المسيح وُلِد مرّة واحدة وأنّ المجوس رأوا نجمه في المشرق مرة واحدة وجاؤوا إلى أورشليم مرة واحدة وسبّح الجند السماوي الله قائلين في مولده {الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي وعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وبالنَّاسِ الْمَسَرَّة} مرة واحدة. ومرّة واحدة تألّم المسيح ومات على خشبة الصليب وقام من الموت. 

ـــ ـــ ـــ

مع الطائفتين

شخصيًّا؛ أيًّا كانت طائفتي، متى حان موسم الميلاد أحتفل مع الكاثوليك، بدون ترك طائفتي، حتى إذا كنت خادمها الوحيد ومرنّمها الوحيد. ومتى حان موسم القيامة أحتفل مع الأرثوذوكس بدون ترك طائفتي أيضًا. هذا لأنّ خدّامنا الكبار متى غضّوا بالنظر عن المصلحة العامّة انصرفت إليها، لأنّهم في نظري خذلوا الرب قبلما خذلوني وخذلوا غيري: {الحَقَّ أقول لكم: كل ما تربطونهُ على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحُلُّونهُ على الأرض يكون محلولًـا في السماء}+ متّى 18:18 فإن باتوا عاجزين من الربط والحلّ فإن الشعب بإرشاد الروح القدس ما يزال متمتّعًا بشباب الروح وقادرًا على الاتّحاد تحت سقف واحد ومستعِدًّا للتفاهم والانسجام، لأنّ لخيمة المسيح سقفًا واحدًا! وقد خصّ قلمي هاتين الطائفتين لأنّ الانقسام بدأ أوّلًا بين روما وبين القسطنطينية.
والهدف من احتفالي بعيد الميلاد مع طقس الكاثوليك وبعيد القيامة مع طقس الأرثوذوكس محاولة منّي للفت نظر خادم الرعية إلى أهميّة توحيد العيد ولإيصال صوتي تاليًا إلى الخادم الأعلى مرتبة فالأعلى. ليس هدفي دعوة إلى التمرّد على كنيسة طائفة ما لحساب طائفة أخرى ولا الخروج إلى ميدان ما في تظاهرة طائفية. يكفي تجمّع أولاد الطائفة يوم الأحد بطريقة احتفالية حضارية في ساحة الكاتدرائية وأمام الخادم الكبير لرفع شِعَار خَطَرَ في ذهني الآن: "الشعب يريد توحيد العيد" أو أيّ شعار مماثل. لأنّ السيد المسيح أراد أن تنضمّ خرافه الأخرى أيضًا إلى حظيرته: {ولي خراف أخَر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتي بتلك أيضًا فتسمع صوتي، وتكون رعيّةٌ واحدة وراعٍ واحد}+ يوحنّا 10: 16

أمّا الرّعاة المعنيّون فيكاد الواحد منهم، بعد مرور قرون على هذا الاختلاف، لا يشعر بآلام المسيح وأبعادها وآثارها ولا يكاد يبالي بحظيرته كما يجب فكيف يبالي بحظيرة غيره؟ لذا رأيت أنّ من المفترض بالراعي الوصول إلى قناعة مشتركة مع الراعي الآخر؛ ليس مطلوبًا إلى الأوّل إقناع رعيّته بأنّ حسابات تقويم آبائها صحيحة ودقيقة، لأن حسابات تقويم الراعي الآخر صحيحة أيضًا في نظره ودقيقة أيضًا وأنّ رعيّته على قناعة تامّة بصحّة حسابات آبائها ودقّتها.

ما بين الطائفية والقومية

بالمناسبة؛ هناك بين القرّاء مَن لا يفرِّق ما بين الطائفية وبين القومية، لذا أقول له باختصار إنّ السريان والكلدان والآشوريّين والأرمن والأقباط والعرب والألمان والهنود... أقوام، أمّا الكاثوليك والأرثوذوكس والإنجيلية والمعمدانية... طوائف. وأقول أيضًا؛ من يتحدّث عن الطائفيّة ليس بالضرورة طائفيًّا، بل قد يكون على العكس، اي ضدّ الطائفيّة وضدّ الاختلاف. ولو سأل سائل عن قوميّتي وعن طائفتي أقول له: إن شخصيّتي غير مهمّة بشيء ولستُ من هواة حبّ الظهور ولا الشهرة، لأنّ الشبع بالمسيح قد ملأ قلبي وعينيّ وأنّ كنيسة المسيح الواحدة الجامعة المقدَّسة الرَّسولية وحيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باٌسمه هي كنيستي وطائفتي. لذا عليك التركيز على فكرتي دون تفكير في جنسيّتي وغيرها.
وتاليًا؛ متى تلمس كلمات السيد المسيح ومواقفه قلوب خدّام الرب الكبار رعاة الطوائف؟ إن كانوا منشغلين بمسؤوليّات متنوعة وكان الوقت اللازم ضيّقًا فعندهم مستشارون للقيام بمهمّة توحيد العيد وعندهم ممثِّلون عنهم ومساعدون ونوّاب.

ـــ ـــ ـــ

ما بين القسطنطينيّة وروما

حتّى متى تبقى الشعوب السالكة في النور على هذا الاختلاف؟ يمكن الاطّلاع عبر الانترنت على أسبابه وعلى سائر الاختلافات بين الطوائف المسيحية وعلى الانقسامات المؤسفة عبر التاريخ وعلى الأثمان الباهضة التي دفعها المسيحيون وعلى الدماء العزيزة ما لا تقدَّر بثمن، حتى خسروا تقريبًا جميع الكراسي الرسولية الأساسية، ابتداء بكرسي أورشليم فكراسي بابل وأنطاكية والإسكندرية والرّها (أورفة) والقسطنطينيّة وهذه قد تطاول الغزاة العثمانيون حتّى على اسمها فغيّروه إلى إسلامبول وإلى الأسِتانة وغيرها وأخيرًا اسطنبول، غزاها المقبور المدعوّ محمد الثاني سابع سلاطين سلالة آل عثمان.
وبالمناسبة؛ يحاول صعاليك اليوم التسلل إلى كرسي روما أيضًا، لكنّ أبواب الجحيم في تقديري أقرب إليهم منه! ما آمالهم سوى أضغاث أحلام. وأذكّرهم بأنّ صعاليك الماضي من العثمانيّين سبقوهم إلى هذه الأحلام فلم يفلحوا في أوج قوّتهم. فإن استطاعوا غزو الموصل واحتلالها فإنّ الكنيسة التي لن تقوى عليها أبواب الجحيم هي أتباع المسيح، نور العالم وملح الأرض، ليست الكنيسة أحجار الموصل وسهل نينوى ولا صخور القسطنطينية وروما!

ـــ ـــ ـــ

تأمّل في حضرة الرب

أخيرًا؛ يسرّني دائمًا التأمّل في كلام ربّ المجد الذي اعتبرته دستورًا لحياتي وسراجًا لطريقي. فتأمّلت اليوم في قوله: {عند الناس غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأنّ كلّ شيء مستطاع عند الله}+ مرقس 27:10 فبغضّ النظر عن مناسبة هذا الكلام فإني كُلَّما واجهتُ صعوبة ما في حياتي قلت: لا بد من وجود حلّ ما. وأردفت: لم يصعب شيء على الرَّبّ يسوع، مهما صعب عليّ أمر ما فقطعًا لن يصعب عليه. كما قلت: إنّ الرب قادر على إعانتي في الضِّيقات وفي ظروف من الصَّعب عليّ اجتيازها بدون ألم وخسارة، مثلما أعان أيّوب وداود وكثيرين. وقلت: إنّ الروح القدس المعزّي الذي أرسله الرب بعد صعوده إلى السماء هو الذي يعزّيني، مثلما عزّى تلاميذه ورسله، وهو الذي يُرشدني. فلا أتذكّر شيئًا ما طلبت إلى الرب ولم يستجب- حاشا- بل ما زال الرب يسدّ احتياجاتي كلّها ويرويني بكلمته ويشبعني حتى حين أخجل من كثرة طلباتي إليه، لأني مقتنع بأن الرب أعطاني ما فاق استحقاقي بكثير. فما أعظم محبّة الرَّبّ يسوع وما أطيب الرَّبّ يسوع!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا