لوقا 31:18-34 "وَأَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ‏ابْنِ الإِنْسَانِ لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ. وَأَمَّا هُمْ ‏فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَكَانَ هَذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ". ‏

لا شك أن أحد أسرار النجاح في الحياة المسيحية هو القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة والحكيمة. والأمر الرائع ‏فيما يتعلق بهذا الموضوع، هو أن إلهنا المحب والقدوس أعطانا القدرة والإرادة الكاملة والحرية المطلقة في الاختيار. ‏فكل واحد منّا يستطيع أن يقرر ما يعمل وما يأكل وما يلبس وأين يذهب وكيف يصرف وقته. فالإنسان حرٌّ في ‏اختياره، وأهم حرية هي القدرة على قبول طرق الله، وبالتالي العيش بحسب إرادة الله. كذلك القدرة على رفض طرق ‏الله، وبالتالي العيش كما يريد الإنسان لا كما يريد الله.‏

عندما خلقنا الله على صورته ومثاله، كانت القدرة على الاختيار والتمييز بين الأشياء وفهم الأمور المختلفة، كذلك ‏القدرة على التفكير المنطقي والاستنتاج، من الأمور الأساسية التي وهبها الخالق للإنسان الذي خلقه.‏

لذلك على كل إنسان أن يشكر الله لأنه يستطيع أن يفكر بحرية وأن يقرر بحرية. وليكن لسان كل واحد منا قائلاً: "أنا ‏أشكره لأنه أعطاني العقل لكي أفهم وأتعلم وأعقل أمور حياتي وما حولي".‏

عندما نأخذ هذه البديهيات كأساس لحديثنا اليوم، ثم نقرأ ما جاء في لوقا 31:18-33 ونتوقف قليلاً للتأمل بما ‏قرأناه ونسأل: هل ما قرأناه واضحاً ومفهوماً لنا؟ هل فهمنّا ما قرأناه؟ ‏

أنا أتوقع أن الجواب هو: "نعم"، فهذه الكلمات سهلة ومفهومة، فكل واحد منّا يعرف ما تعني هذه الكلمات: يتم ما ‏هو مكتوب. يسلم إلى الأمم. يستهزأ به. يُشتم. يُتفل عليه. يجلدونه. يقتلونه. يقوم. فنحن نفهم تماماً ما قاله الرّب ‏يسوع لتلاميذه، فهو كان يتكلم عن صلبه وعن موته وعن قيامته المجيدة. ‏

أثناء صعود الرّب يسوع مع تلاميذه إلى أوروشليم، أخبرهم بالضّبط ما الذي سيحدث معه: القبض عليه والاستهزاء ‏به وشتمه والبصق عليه وجلده وقتله مصلوباً ثم قيامته في اليوم الثالث. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يخبر فيها الرّب ‏يسوع تلاميذه بتفاصيل ما الذي سيحدث معه، بل سبق وأن تحدث في الموضوع مراراً كثيرة كما نقرأ في آيات عديدة ‏في الإنجيل المقدّس. رغم وضوح كلامه، إلّا أنهم لم يفهموا. ‏

نقرأ أيضاً في لوقا 43:9-45: "فَبُهِتَ الْجَمِيعُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ، وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَ يَسُوعُ قَالَ ‏لِتَلاَمِيذِهِ: "ضَعُوا أَنْتُمْ هَذَا الْكَلاَمَ فِي آذَانِكُمْ: إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النّاس". وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا ‏هَذَا الْقَوْلَ وَكَانَ مُخْفىً عَنْهُمْ لِكَيْ لاَ يَفْهَمُوهُ وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ"، ما قاله الرّب هنا كان في السنة الأولى ‏من خدمته العلنية في منطقة الجليل، ولم يفهم التّلاميذ ما الذي كان يتكلم عنه الرّب.‏
كذلك لم يفهم التّلاميذ كلمات الرّب يسوع ليهوذا أن يعمل ما يريد عمله بسرعة في يوحنا 27:13-28 "مَا أَنْتَ ‏تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ. وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه ".‏

ولم يفهم بطرس الرّسول كلمات الرّب يسوع في متى 21:16-23 عندما تنبأ عن موته، حيث قال بطرس للرّب ‏يسوع: "حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا" (أنظر أيضاً مرقس 31:8-33). بعد أن أعرب بطرس عن اعتراضه لموت ‏الرّب على الصّليب، قال الرّب يسوع لبطرس: " ﭐذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا ‏لِلنَّاسِ". قول الرّب يسوع لبطرس: "اذهب عني يا شيطان" هي نفس الكلمات التي سبق للرب وأن قالها للشيطان ‏مباشرة عندما جربه، كما نقرا في متى 10:4 "حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "ﭐذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ ‏تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". لقد أطلّ العدو القديم، أي الشيطان، بصورة تلميذ مقرّب ومحبوب وهو بطرس، وهذه أخطر ‏محاولات عدو النفوس لتدمير عمل الله من الداخل.‏

وسبب هذا التوبيخ الحاد لبطرس كان لأنه فكر بعقلية أهل العالم، حيث اهتم بطرس وبقيّة التّلاميذ بشخص الرّب ‏يسوع وسلامته وحياته، وذلك بدافع من محبتهم له وغيرتهم عليه. لقد أرادوا له النجاة من الصليب أي أنهم اهتموا ‏بقائدهم ومعلمهم بدافع أرضي وانساني، فقد أرادوا أن يبقى معهم لأن في ذلك خير لهم. رفضوا فكرة موته، وأرادوا ‏سلامته وحمايته من الموت، متناسيين بقية العالم الذي أحبه الرّب وجاء لخلاصه.‏

نقرأ أيضاً في لوقا 34:18 "وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَكَانَ هَذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ". في ‏الطريق إلى الصليب، نجد حقيقة مذهلة ومثيرة للعجب والاستغراب: لم يفهم كل التّلاميذ شيئاً مما قاله الرّب يسوع. لم ‏يفهم التّلاميذ كلام الرّب عن موته على الصّليب في بداية خدمته الأرضيّة، وأثناء هذه الخدمة، وعند الاقتراب إلى ‏نهايتها. أجل إنه شيء غريب ومثير. تلاميذ الرّب يسوع، أي المجموعة المسيحيّة الأولى من رسل الرّب، لم يفهموا حتّى ‏كلمة واحدة مما قاله لهم الرّب يسوع. لذلك دعونا نتأمل في ثلاثة أسئلة تثيرها هذه الآية:‏

أولاً: لماذا لم يفهم التّلاميذ ما قاله الرّب يسوع؟

ربما نقول بتعجب وحيرة: ماذا كانت قصة التّلاميذ؟ هل كان سمعهم ثقيلاً؟ لماذا لم يفهموا رسالة الرّب؟ لماذا لم ‏يستوعبوا ما قاله؟ لقد أخبرهم الرّب يسوع سلفاً ما سيحدث معه، ومع ذلك فإنهم لم يفهموا فكر الرّب ولا طريق ‏الخلاص. فما هو سر عدم فهمهم لكلامه؟ ‏

توجد ثلاث إجابات أساسيّة للرّد على هذا السؤال:‏

‏1) لم يكن لدى التّلاميذ استعداد اًكافياً لكي يتعلموا. لقد كانوا مثل الأطفال الصغار. فمع أن الرّب يسوع أخبرهم ‏بالضّبط ما سيحدث معه، ولكن ما قاله لم يجد طريقه إلى عقولهم.‏

عندما يصل الإنسان إلى مرحلة متقدمة من النضوج في حياته، يسترجع ذكريات الماضي والأعمال التي ارتكبها ويقول ‏لنفسه: لو أرجع إلى سن الطفولة والشباب، فلن أرتكب هذه الحماقة من جديد. فالإنسان يدرك ويتعلم أشياء كثيرة ‏في مرحلة متقدمة من حياته، ويعترف لنفسه بأنه كان غبياً في الأيام الماضية، ويتمنى لو أنه لم يعمل الأخطاء التي ‏ارتكبها.‏

وهذا بالضّبط ما حصل مع التّلاميذ. فهم لم يدركوا ما قاله الرّب يسوع لأنهم كانوا في مرحلة مبكرة روحياً، وكان لا بد ‏لهم أن يختبروا القيامة والعنصرة وحلول الروح القدس لكي ينضجوا ويستوعبوا حقيقة الصليب.‏

‏2) كان الصّليب سرّاً عظيماً لم يفهمه التّلاميذ، ولم يفهمه أيضاً عدو النّفوس: نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 6:2-8 ‏‏" لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ ‏نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرٍّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ ‏هَذَا الدَّهْرِ. لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ". ‏

عظماء هذا الدهر الذين ذكرهم بولس في رسالته تعود للوالي الروماني بيلاطس والملك هيرودس ورئيس الكهنة قيافا ‏وأعضاء مجلس السنهدرين وضباط الجيش الروماني، كل هؤلاء لم يعرفوا هوية وحقيقة شخص الرّب يسوع، لأنهم لو ‏عرفوا الحقيقة لما صلبوه.‏

نلاحظ هنا أن بولس الرّسول قد استخدم كلمة سر في حديثه عن صلب الرّب يسوع. وكلمة "سر" المستخدمة هنا في ‏الأصل اليوناني هي كلمة مستيريو ‏μυστηριω‏ وهي نفس الكلمة التي كانت تستخدم عند وضع خطة إستراتيجية ‏سرية للحرب، فالعدو يتربّص، وعلى قائد المعركة أن لا يكشف خطة القتال لأحد حتى لا يكتشفها الأعداء ويعملوا ‏بالتالي على إفشال الخطة.‏

وفعلاً لقد كان الصليب سر عظيم لم يفهمه عدو النفوس إبليس. لقد ظن إبليس أنه سيقضي على الرّب يسوع في ‏موته على الصليب، ولم يعلم ولم يفهم خطة وفكر الله في الفداء، وكيف أن الصليب هو في الواقع سر الانتصار على ‏الخطية والموت وعلى إبليس. لقد فرح إبليس في الجلجثة عندما رأى المسامير تخترق جسد الرّب، وعندما رأى الحربة ‏تمزق جسده، وعندما رأى دمه يسيل من كل نواحي جسده. لقد اعتقد أنه انتصر أخيراً على الرّب. أجل لم يعرف ‏إبليس خطة الله من أجل خلاص العالم. ولكنّه بعد ثلاثة أيام أدرك فشله الفظيع: فلقد نفّذ إبليس بالضّبط خطة الله ‏دون علمه. لقد تسبب في موت رب المجد مما أدى إلى فداء وخلاص الخطاة. ‏

كتب بولس الرّسول، بوحي من الله، في رسالة كورنثوس الأولى 23:1-24: "وَلَكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوباً: ‏لِلْيَهُودِ عَثْرَةً وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُوداً وَيُونَانِيِّينَ فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ". نجد هنا أن كرازة ‏وتبشير بولس كانت بالمسيح المصلوب. وكانت هذه الرسالة عثرة لليهود وجهالة لليونانيين.‏

وهنا يبرز أمامنا سؤالان مهمان:‏
‏*لماذا كان الصّليب عثرة لليهود؟ الجواب ببساطة هو لأنهم اخترعوا من مخيلتهم مسيحاً عسكرياً مقاتلاً وجباراً ليقودهم ‏في تأسيس مملكة أرضية، لا مسيحاً محباً وفادياً ومخلصاً يعطيهم ملكوتاً سماوياً.‏
‏*ولماذا كان الصّليب جهالة لليونانيين؟ الجواب أيضاً سهلاً لمن يعرف عن الفكر اليوناني القديم. بالنسبة لهم، كان ‏الصليب رمز عبودية وضعف وموت وهوان، وليس رمز حكمة ومجد.‏

‏3. سبب ثالث هو أن التّلاميذ اهتموا بوضع الرّب يسوع الشخصي والأرضي، وظنوا أنه بصدد إنشاء مملكة أرضيَّة ‏يحصلون من خلالها على امتيازات كثيرة. حتى بعد القيامة سألوه متى ترد الملك لإسرائيل، وذلك بعد أن كان لمدة 40 ‏يوماً بعد القيامة يحدثهم عن ملكوت الله. (أنظر أعمال الرّسل 3:1، 6).‏

ثانياً: هل نفهم حقاً خطة وفكر الله؟

نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 18:1 "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ ‏اللهِ". كثيرون في العالم اليوم يعيشون في ظلمة روحية؛ يجدفون على الصليب والمصلوب، وينكرون الصليب غير عالمين ‏أنه الطريق الوحيد لخلاصهم.‏

بعد قيامة الرّب يسوع افتتحت أعين التّلاميذ، وبدأوا يدركون سر كل ما حدث مع الرّب، وأصبح لكلماته التي قالها ‏قبل الصلب معناً واضحاً في عقولهم. وفهموا التعليم الذي كان يمر فوق رؤوسهم دون أن تدركه عقولهم، أي قبل موت ‏الرّب يسوع وقيامته.‏

كثيرون اليوم يطلقون على أنفسهم لقب "مسيحيين"، ولكنهم لا يدركون نهائياً معنى الصليب وحتى لو آمنوا به ‏كحدث تاريخي. لذلك نراهم يشددون على الأعمال الصالحة، وعلى الاعتراف للكهنة، وعلى التقاليد والطقوس، وكل ‏الأمور الشكلية الأخرى من أجل الحصول على رضا الله عليهم، غير مدركين أنّه يوجد في الصليب كل الشبع وكل ‏الحب وكل الخلاص وكل الفداء.‏

عندما يعمل الروح القدس في قلب الإنسان، يتضح السر أمامه ويدرك أن رسالة الصليب خاصة به شخصياً، ويطلب ‏بالتالي الرّب يسوع مخلصاً وسيداً على حياته. والصليب الذي كان بالنسبة للخاطئ مصدر عثرة ومظهر ضعف ‏وانهزام، يصبح فجأة مصدر قوة وافتخار.‏

يحتاج العالم لعمل الروح القدس في حياتهم حتى يصبح لديهم القوة لتغيير طريقة تفكيرهم وطريقة عملهم، بل لتغيير ‏حياتهم بالكامل. ولكي يتخلصوا من الخطية بأشكالها المختلفة مثل الكذب والسرقة والإدمان على الباطل والحسد ‏والنفاق وغيرها من مظاهر الشر. ‏

في الصليب لدينا قوة لغفران الخطايا والخلاص والفداء التام والتبرير.‏
في الصليب لدينا قوة لعلاج العلاقات الزوجية المدمرة.‏
في الصليب لدينا قوة لعلاج القلوب الحزينة.‏
في الصليب لدينا قوة لتجميع الأسرة من جديد.‏
في الصليب لدينا قوة للمصالحة بين المتحاربين والأعداء.‏
في الصليب لدينا قوة للتغلب على الوحدة والألم.‏

والسؤال الذي يتحدانا ككنيسة هذا الصباح: هل حقاً نفهم عمق وجوهر رسالة الصليب؟ إنّه قوة الله لتغييرنا ‏ولتجديدنا ولإعطائنا الانتصار في الحياة. لذلك علينا أن لا نعيش كالمهزومين بل لنرفع رؤوسنا لأن الرّب حي وإبليس ‏مهزوم.‏

ثالثاً: هل نفهم حقاً كل ما يتعلق بالصليب؟ ‏

هنالك أمور لن نفهمها أبداً قبل انتقالنا إلى المجد. أي قبل أن نكون في السماء مع الرّب يسوع.‏

أجل أيها الأحباء: توجد أمور متعلقة بالصليب لن نفهمها أبداً في هذا العالم، ومهما درسنا الكتاب المقدّس، ومهما ‏سمعنا عظات أو حضرنا دروس كتاب مقدّس عن موضوع الصليب.‏

لن نفهم وندرك أبداً مقدار الألم والوجع الذي احتمله الرّب يسوع المسيح على الصليب. فنحن كبشر نخاف من ‏الموت لذلك نحاول أن نأكل أفضل أنواع الطعام ونذهب إلى الأطباء ونمارس الرياضة لنطيل أعمارنا. أجل نحن نخاف ‏من الموت ومن المجهول.‏

ولكننا نعرف من كلمة الله في الكتاب المقدّس، ومن مصادر كثيرة أخرى، أن الرّب يسوع مات على الصّليب من أجل ‏خطايانا. لقد مات الرّب يسوع من أجل كل خطية ارتكبت في تاريخ البشرية. لقد أخذ خطايا الجميع على نفسه. لقد ‏مات من أجل الجميع. ‏

في الواقع إن أي شخص منّا يعيش مهزوماً وكئيباً وحزيناً إذا ارتكب خطية واحدة فظيعة. فلا يستطيع الإنسان أن ‏يحمل خطية واحدة من خطاياه الشخصية. ولا يستطيع أن يحتمل عار وذل الخطية. أما الرّب يسوع فقد حمل عار وذل  ‏وثقل كل خطية ارتكبها النّاس في جميع العصور وفي كل مكان في العالم. ونحن كبشر لن نستطيع أبداً أن نفهم أو ‏نستوعب مقدار الألم والحسرة والوجع الذي احتمله الرّب نتيجة لذلك العمل. ‏

لذلك لن نستطيع أن نفهم ما اختبره الرّب يسوع من وحدة قاتلة على الصليب. ولن ندرك ألم ووجع صرخته من على ‏الصليب: "إلهي إلهي لماذا تركتني". فكيف أن الله الأزلي يتجسد بصورة إنسان ويصرخ مثل هذا الصراخ؟ وكيف قبل ‏أن يترك مجده السماوي، ويخلي نفسه، ويأخذ صورة عبد، ويموت أبشع وأفظع ميتة: الموت معلّقاً على الصلب.‏

أنا لا أستطيع أن أفهم بشكل كاف، أو استوعب كما يجب، عمق وغنى وعظمة وحكمة ومحبة الله. لن أفهم كما يجب ‏حقاً ما دمت في هذا الجسد الفاني في هذا العالم. أجل لن أفهم كيف أن دم الرّب يسوع المسيح يطهرني ويطهر كل ‏مؤمن من كل خطية. ولكن سيأتي يوم تنفتح به العيون لنفهم عمق هذا السر المجيد.‏

المهم بالنّسبة لنا في هذا العالم أن نفهم الحقيقة الأساسية والرائعة، وهي أن الله يحبنا بالرغم من خطايانا. وأنه توجد ‏طريق واحدة وذبيحة واحدة لكي نخلص بها من خطايانا، وهذه الطريق هي طريق صليب الرّب يسوع المسيح الذي ‏مات من أجلي ومن أجلكم. ‏

هذا ما يهمنّا الآن: أن نتوب حقاً ونقبل الرّب يسوع مخلصاً شخصياً لحياتنا، وننال بالتالي جميع وعود الله لنا. وعد ‏غفران الخطايا والخلاص والتبرير، ووعد الامتلاء من الروح القدس، ووعد الحياة الأبدية. آمين.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا