لقد كنت أردد دائما قول الإنجيل ليس بالإعمال كي لا يفتخر أحد، والخلاص بالإيمان وليس بإعمال اعملها، وفي ذات الوقت يقول صوموا، لماذا أصوم؟ ولماذا امتنع عن الطعام؟ وأي منفعةٍ لذلك بعلاقتي الروحية مع الله؟ أليس هو الذي خلقني بهذا الدافع الغريزي للعيش واشتهاء للطعام، أليس عندما اشعر بالجوع يذهب بي التفكير إلى الاهتمام بجسدي وكيف أطعمه، ألا يأخذني بعيدا عن خلوتي مع الله، أو فيما اهتم لأقوم بإسكات هذا الجوع الذي لا ينفك يقرص على معدتي حتى أشبعها، أليس امتناعي عن الطعام هو عمل وعمل عبادة فكيف يقول ليس بالإعمال؟

الصوم

لكن نشكر الله الذي لا يتركنا وتساؤلاتنا بدون أجابه، وبما إن الأعمال التي نعملها بالإيمان ويريدها الله منا بالإيمان، هي السلوك الحسن والسلوك بقداسة، لذلك كان لابد وإلزاما أن يكون امتناعي عن الطعام وصومي، يؤدي إلى سلوك حسن ويكون له تأثير ايجابي، إما على حياتي أو على الآخرين.

لذلك أجاب يسوع حين سُئل عن الصوم لماذا تلاميذك لا يصومون؟ فأجاب في لوقا 5: 34-35 فَقَالَ لَهُمْ: «أَتَقْدِرُونَ أَنْ تَجْعَلُوا بَنِي الْعُرْسِ يَصُومُونَ مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ 35 وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ».

من هو العريس هنا؟ هو ربنا يسوع المسيح، وما دام الرب يعطي الفرح ويسدد احتياج الجميع ليس هناك داعي لان تصوم لتسدد اي احتياج، ولكن عندما ارتفع الرب، امر ابناءه واستخدمهم لتسديد احتياج الاخرين، وهذا التسديد سيتم مما لديهم ان كان عندهم ما يكفي اولم يكن، لذلك فانه بالصوم تقدم الاخرين عنك، وتعطيهم الاولويه عنك، بالطعام والوقت والمسكن والمحبة المضحية، كما يقول لك في انجيل متى 25 :35-36 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. 36 عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. اي انني سأسدد احتياج الناس، حتى وان لم يكن لدي ما يفيض عن حاجتي، فان بصومي اوفر عن نفسي، لسد جزء من احتياجهم.

عزيزي أرجو أن يتضح لك ما ارمي له وهو: انه يجب أن يكون لصومي هدف أحققه ومعنى يقنع فكري، وغير ذلك يكون صومي بلا فائدة وهذا غير منطقي ولا مقبول، لذلك الصوم الذي أختاره يجب أن أحقق من خلاله مصلحة لنفسي أو للآخر، إذ ليس الهدف من الصوم هو الامتناع عن الطعام، أو ما يدخل إلى جوفي من أنواع الطعام، لمدة زمنية معينة لها بداية و نهاية محددة، وهذا يصح تناوله وهذا لا يصح تناوله، وفي هذه المحاجة كل الابتعاد عن فكر الله.

لذلك ادعوك لنبحر سويا في البحث عن أهداف ومعاني للصوم.

كيف أصوم؟ مثال على ذلك أن أصوم عن أكل اللحم والدسم واكتفي بالبقول، لكي اشبع شخص محتاج معّوز يشتهي أن يأكل طعاما دسما، أو أن أصوم عن ما صنعت يدي من طعام وما أبدعت في طهوه كما اشتهيت، وأقدمه للآخر العاجز عن خدمة نفسه، انظر حولك هل تجد من لا يستطيع أن يخدم نفسه، إذا أطهوا طعامك وصم عنه أو شارك به من هو عاجز، ألا تجد في هذا معنى جميل من معاني الصوم تشارك الآخر بطعامك اللذيذ أو أن تمتنع عنه كله وتعطيه للجائع، ويصبح بذلك جوعك له معنى وهدف.

قد يقول قائل إن لي مالا كثيرا، واستطيع أن أسدد احتياج الآخرين دون الحاجة إلى الصوم، هذا جيد وأقول لك ايضا: انه يمكنك عندما تأخذ اللقمة من فمك، وتعطيها لابنك أو لمن تحب، وكأنّك تقول له إنني أقدمك على نفسي وتشعره بالحب وبعمق المحبة وليس بالفضلة التي تزيد عن حاجتك، لذلك قال يسوع في لوقا 18 :25 لأَنَّ دُخُولَ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!». لان الغني يعتبر هذا المال له وملكه، وعندما يتصدق منه يضن انه يزيد من فرصة دخوله إلى السموات، والفقير ليس لديه ما يتصدق به ويزيد من هذه الفرصة، وهذا ليس بعدل، لذلك كان لفلسيّ الأرملة قيمة عند يسوع أكثر من جميع الذين قدموا تقدماتهم بالهيكل، لأنها قدمت كل معيشتها إذا كانت محبتها مضحية، وليس من الفائض عن حاجتها. تخيل انك تتناول طعامك مع اسرتك وجاءك ضيف، وقلت له اسف لا تستطيع ان تشاركنا طعامنا، لكن خذ هذا المبلغ واشتري لك طعاما عندما تغادر، او انت مريض وبحاجة إلى وحدة من الدم، وجاء صديق لزيارتك وعلم بحاجتك ودمه يطابق دمك، وقال سأذهب واشتري لك وحدة من الدم لو كان ذلك سيكلفني ألف دينار، هل ستشعر بمحبته؟ أم أن يمد ذراعه ويقدم من دمه لإنقاذك، سيشعرك بعمق المحبة والصداقة المخلصة، إذا صم عن طعامك وقدمه للآخر لتشعر أنت بداخلك انك تشاركه في معاناته وفقره، ويشعر هو بمحبتك المخلصة وليس بالفضلة التي تزيد عنك.

إذا كان هنالك شخص فقير ولم يجد ما يأكل، وبقي جائعا صابرا على جوعه منتظرا إشباع الرب له حسب وعوده ألا يعتبر صومه مقبولا.

كثيرا ما أكون منشغلا في عمل ما، أو أشاهد برنامج على التلفاز، أو عندي دراسة في موضع معين، أو أصلح السيارة أو أي عمل آخر منهمك به، وتقول لي زوجتي اترك ما بيدك فالطعام جاهز، ولكن لكثر انشغالي ابقي أؤجل الاستجابة لها ويبرد الطعام، ويمر الوقت وأنا ما زلت منشغلا، وغير مكترث لجوعي حتى أنهي ما كنت أعمله، إذا أصوم بسبب انشغالي بالله، فحبه يسبيني وينسني الطعام ويعطيني شبع روحي يفوق شبعي الجسدي، ألا يصبح صوما كهذا مقبولا وله معنى وهدف، وهذا الذي حصل مع الجمع في متى 15 :32 وَأَمَّا يَسُوعُ فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ:«إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ»، لاحظ معي لقد قال عنهم يسوع صائمين، هل كان بنيتهم الصوم عندما امضوا ثلاثة أيام مع يسوع؟ أم إن انشغالهم به أنساهم حالهم وأشغالهم، فما أحلى وأشهى أن تحل ضيفا في محضر يسوع، وما أطيب لقمة البركة من يد يسوع، فلم يصرفهم صائمين بل أشبعهم روحا وجسدا.

قد تقول ان لي طلبة لدى الرب وسأصوم لكي يحقق ربي مطلبي، كما صام داود النبي عندما اخطأ، وطلب من الرب ان لا يموت الصبي وهو عالم بان ارادة الله ان يموت، انظر ماذا كانت النتيجة؟ لانه قال بتذللي وصيامي يستجيب لي الله.
صموئيل الثاني 12 :16- 23 «فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ. 18 فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ عَلَيْهِ لِيُقِيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزًا. 18 وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، فَخَافَ عَبِيدُ دَاوُدَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «هُوَذَا لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا كَلَّمْنَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَوْتِنَا. فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ: قَدْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ يَعْمَلُ أَشَرَّ!». 19 وَرَأَى دَاوُدُ عَبِيدَهُ يَتَنَاجَوْنَ، فَفَطِنَ دَاوُدُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِعَبِيدِهِ: «هَلْ مَاتَ الْوَلَدُ؟» فَقَالُوا: «مَاتَ». 20 فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزًا فَأَكَلَ. 21 فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «مَا هذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا». 22 فَقَالَ: «لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. 23 وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ». احذر ان يكون صومك كطفل يبكي ويرفض الجلوس على مائدة ابيه للطعام، حتى يحقق له طلبه، لان ذلك يزعج الاب ويغيظه ويقول متى سيكبر ابني ويفهم ما اقصده ب ( لا ) انها لخيره، لأن الرب يعلم ما تحتاجون له حتى قبل ان تطلبه، كن على يقين ان ما تطلبه لو كان حسب ارادة الرب سيكون لك، ولكي تتعرف على ارادة الرب اقراء ماذا قال في متى 6 :31-33 «فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ 32 فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. 33 لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.

كذلك في متى 17 :21 وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ». لاحظ انه قال بالصلاة والصوم، وليس كالخطأ الشائع بالصوم والصلاة، وهذا يعطيني مدلول انه نتيجة الصلاة والانشغال مع الله، في هذه الحرب الروحية التي ليس فيها هوادة حتى تحقيق النصر المحتوم لنا بقوة اسم يسوع المسيح، أصبح عندي قضية اهم وهدف أسمى، أسعى إلى تحقيقه، وهذا لا يتحقق وأنا جالس على مائدة الطعام وأمامي ما لذ وطاب، أو منشغل بمباهي العالم سأصوم عنه كله، وآكل خبزي وأنا اركض في حربي مع الله ضد مملكة الشر، لذلك يقول الرسول بولس في تسالونيكي الاولى 5 :17 صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ، فنحن في حرب ضد ابليس، لا تفشل، واصل الصلاة، لا يقف امامك أي عائق، لا تشتهي ما في العالم، صم عنه.

عزيزي أرجو أن يكون لك خبرة فيما سأقول لاحقا، وان لم يكن لك أرجو أن تجربه، إن كنت تقوم بعمل خدمة للرب، وتحتاج ان تبقى لوقت طويل بدون طعام أو شراب، ولم تقطع هذه الخدمة وبقيت صابرا على الجوع والعطش، حتى تقدم أفضل ما عندك متجاهلا طلب معدتك للطعام، كما حصل مع بولس الرسول في كورنثوس الثانية 6 :4-6 بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، 5 فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ، وكذلك في كورنثوس الثانية 11 :27 فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ ألا يصبح صوما اضطراريا من اجل الخدمة كهذا، صوما مقبولا لي.

ولا يفوتنا هنا أن نذكر قول ربنا يسوع في الموعظة على الجبل متى 6 :16 وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. إذا الصوم ليس بشيء أنادي به أمام الناس، بل شيء يخصني مع ربي ولا يوجد سبب يجعلني اكشف أمري للآخرين إني صائم، حيث كما قلنا لا أحدد بنوع من الأطعمة ولا بوقت من الزمان، لذلك الصوم ليس بسبب لمنعك من تناول اي طعام يقدم لك كضيافة بحجة انك صائم، لذلك أنصحك بان تأكل وتشرب ما يقدم لك من ضيافة، شاكرا الرب على ما تأكل ولا تقل انك صائم.

أرجو أن تكون قد أدركت ما أرمي له، وهو إني لا أنوي الصوم عن طعام معين ولمده معينة، بل أنا أصوم امتناعا عن الطعام لسبب وجيه وفي وقت الحاجة والضرورة، وذلك يجعل من الصوم الجماعي المعلن منطقي وذو هدف يحققه الأخوة معا، ولا يخالف قول يسوع: لا تظهروا للناس إنكم صائمين ويعطي المعنى الحقيقي من الصوم، وعدم تأثيره على صحتي وعدم تركه لأي من مظاهر الجوع والعطش أو الحرج أمام الآخرين، فانا صائم وأنا فرح بما أقوم به واكسر خبزي للجائع والمعوز وأشارك فرحي مع جماعة المؤمنين، ويصبح الهدف جماعي والتشجيع اكبر على عمل الخير، ألا يصبح الصوم مقبولا لي ومصدر فرح وسرور.

قد يحصل ونحن مجتمعين على طاولة الطعام أنا وأسرتي، ويدخل زائر أو أكثر ونجتمع جميعا على طعام قد لا يكفي للجميع، ونتشارك جميعا الطعام الذي يباركه ربنا يسوع ويعطي الشبع للجميع، إن ذلك تصرف ينم عن الكرم والشهامة يعطي كبح لنهم الجوع الذي يمتلك الإنسان الجائع ويدربه على التصرف اللبق، أو ما تقوم به زوجتي عندما تقدم الاطفال عن نفسها وتطعمهم وهي جائعه وبحاجة ليديها، ألا تتوقف عن الطعام لكي تطعم الاولاد حتى يشبعوا، أليس في ذلك تدريب على كبح نهم الجوع، لذلك ادعوك أن تتدرب على هذا السلوك الذي يعد رياضة روحية وتدريب على الصوم، ليوم الصوم الحقيقي الفعلي الذي تحتاجه لسد حاجة الآخرين، إذا أن أصوم عن الطعام للتدريب الروحي أصبح صوما مقبولا لي، ومفيد لكبح نهم الجوع الذي يتملك الإنسان الجائع وجميع مظاهر هذا الجوع، من توتر وانشغال الفكر في الطعام والاستحواذ على حصة منه وتقديم نفسي على الآخرين وما إلى ذلك من مظاهر يحرج ذكرها.

أرى في قصة آدم في الجنة انه وضع في مكان فيه كل ما يشتهي ويطيب مذاقه، ومباركة الله له في تناول هذه الثمار، وانحرافه ووقوعه في الخطية بتناول ما أوصاه الله في عدم تناوله، وقصة يسوع في البرية وكانت برية مقفرة ولا يوجد بها ما يسد رمقه وقوله في متى 4 :4: فَأَجَابَ وَقَالَ:«مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ».

كأني أقول وأنا صائم انا انتهرك يا ابليس، واضم صوتي لصوت الرب وأريد أن أكون مثلك يا يسوع ليس مثل ادم، اهتم بالروح وليس الجسد، وذلك يجعل صوما كهذا مقبولا لي.

وفي قصة دانيال 1 :8 أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، قد ادعى لطعام أرى انه لا يتمجد اسم الله فيه، وفي امتناعي عن هذا الطعام أرى صوما مقبولا لي، وأتمنى أن تشاركني عزيزي بصوم كهذا ولا تخجل مما يقوله الآخرين لك وابقي متنزها عن مثل هذه الولائم، وأقول لك أيضا لا تأكل أمام الآخرين إن كنت تعلم انه وعلى حسب معتقده يقول لك أني صائم، على قياس ما يقول بولس الرسول في كورنثوس 8 :13 لِذلِكَ إِنْ كَانَ طَعَامٌ يُعْثِرُ أَخِي فَلَنْ آكُلَ لَحْمًا إِلَى الأَبَدِ، لِئَلاَّ أُعْثِرَ أَخِي، لذلك الصوم عن الطعام مراعاة لشعور الآخرين يعتبر أيضا صوما مقبولا لي.

من خلال ما سبق يتضح لنا إن للصوم هدف ودافع ومعنى ونتيجة تتحقق. 
لذلك سأصوم عن كل الطعام الذي يؤدي إلى تحقيق الهدف، قد آكل بقولا وأعطي للمعوز لحما، قد اقسم لقمتي بالمشاركة مع الجائع، أو أن لا آكل شيء بسبب انشغالي الروحي، أي أن أؤجل مطلبي الجسدي لتحقيق مطلب روحي أسمى وأهم. 

سؤال أيهما أيسر واجمل أن تصوم عن الطعام والشرب لمدة يوم كامل، أو أن تمتنع عن العالم وكل ما فيه وتتفرغ لدراسة روحية لمدة يوم كامل؟ وأعيد السؤال وبصيغه أخرى صم أنت عن الطعام والشراب، وأنا سأصوم عن مباهي العالم وادرس الإنجيل طيلة هذا اليوم وإذا جعت آكل وارجع إلى شبعي الروحي، أي نتيجة تعتبر أفضل وأي هدف أسمى؟

أن تخصص عدد من الساعات لخدمة معينة ألا يعتبر صوم عن وقت، وان تبذل مجهود في خدمة الأخر ألا يعتبر صوم عن اهتمامي بنفسي وأنانيتي، وان تقدم مما لك للأخر ألا يعتبر صوم عن الجشع وحب المال، وقائمة الخير تطول، أذا أصبح الصوم مقبولا لي أكثر لأنه لا يعني فقط الصوم عن الطعام بل أصبح أثرى بكثير، حينما اقترن بمثل هذه السلوكيات الحسنة وهي أعمال صالحة وسلوك بقداسة ناتجة عن الايمان.

عزيزي حاول أن تبحر إلى العمق أكثر وتجد معاني أخرى وجميلة تجعل من صومك مقبولا لك ومشبع لقلبك وحسب قلب الرب.

إذا الصوم ليس بطقس ديني أقوم به تقربا إلى الله، وليس سوطا اضرب به نفسي جوعا ليرض الله عني، وليس إضرابا عن تناول الطعام أمام الله لحين تحقيق مطالبي، وليس صوما لانتظار مكافئة من الله أو لكي ينظر الناس إني ملتزم دينيا وليس شرطا لتناول دم وجسد المسيح ولا لكي استحق العيد وليس درجة صعوبة أو قسوة حتى يصبح صومي أفضل. لذلك كم صمت؟ لا يهمني، بل ماذا حققت من الصوم؟ هو الذي يهمني ويهم حبيبي يسوع، كما قال في متى 25 :35-36 لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. 36 عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.

ذكر الصوم بالكتاب المقدس دون ذكر لطريقة معينة للصوم أو مدة أو نوع الامتناع، مما يجعل الصوم مقبولا لي أكثر من أي وقت مضى، فانا أرى ما هي الحاجة للصوم لذلك أصوم عن قناعة ولغاية وهدف معين، مع اختلاف الوسيلة والمدة والهدف في كل مرة، وأخير أضع معك هذه الآيات من سفر اشعياء الاصحاح 58 التي يقول بها الله:

- ما هو الصوم المرفوض لديه في الايات من 1- 5
- والصوم الذي يشبع قلبه في الايات 6 – 7 
- ونتائج الصوم الصحيح في الايات الباقية حتى نهاية الاصحاح.

أشعياء 58 «1 نَادِ بِصَوْتٍ عَال. لاَ تُمْسِكْ. اِرْفَعْ صَوْتَكَ كَبُوق، وَأَخْبِرْ شَعْبِي بِتَعَدِّيهِمْ، وَبَيْتَ يَعْقُوبَ بِخَطَايَاهُمْ.2 وَإِيَّايَ يَطْلُبُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، وَيُسَرُّونَ بِمَعْرِفَةِ طُرُقِي كَأُمَّةٍ عَمِلَتْ بِرًّا، وَلَمْ تَتْرُكْ قَضَاءَ إِلهِهَا. يَسْأَلُونَنِي عَنْ أَحْكَامِ الْبِرِّ. يُسَرُّونَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ.3 يَقُولُونَ: لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟ هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ.4 هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ.5 أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيْفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا. هَلْ تُسَمِّي هذَا صَوْمًا وَيَوْمًا مَقْبُولاً لِلرَّبِّ؟6 أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ.7 أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ.8 «حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ.9 حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ، وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ 10 وَأَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ، يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ، وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ. 11 وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ. 12 وَمِنْكَ تُبْنَى الْخِرَبُ الْقَدِيمَةُ. تُقِيمُ أَسَاسَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ، فَيُسَمُّونَكَ: مُرَمِّمَ الثُّغْرَةِ، مُرْجعَ الْمَسَالِكِ لِلسُّكْنَى. 13 «إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ الرَّبِّ مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلاَمِكَ،14 فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالرَّبِّ، وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ، وَأُطْعِمُكَ مِيرَاثَ يَعْقُوبَ أَبِيكَ، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ».

آمين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا