ان تعريف كلمة "غريزة" هو "طبيعة" أو "قريحه" أو "سجيه"، وهي صورة من صور النشاط النفسي وطراز من السلوك يعتمد على الفطرة والوراثة البيولوجية، كغريزة الأمومة أو البقاء وغرائز كثيرة أخرى سنتحدث عن بعضها في السطور القآدمة.

كما نعلم، فقد خلق الله البشر مع غرائز طبيعية، الهدف منها استمرارية الحياه والتمتع بها بطريقة صحيحة، فقد خلقنا لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها (أف 2 : 10)، وهو الذي أعطانا كل شيء بغنى للتمتع (1 تي 6 : 17)، فبعدما خلق أبانا الأول آدم رأى الله ان آدم وحده، فقال الله "ليس جيدا ان يكون آدم وحده فاصنع له معينا نظيره" (تك 2 : 18)، وعندها خلق له حواء، ومن هنا نفهم وجود غريزة الحاجة إلى المعين النظير، كذلك خلق الله الزرع بشتى أنواعه، وأوصى آدم ان يأكل من كل شجر الجنة ما عدا شجرة معرفة الخير والشر (تك 2 : 16 – 17) ومن هنا نفهم ان الله خلق غريزة الجوع في الإنسان، وكذلك أوصى الله آدم وحواء أن يثمروا ويكثروا ويملأوا الأرض (تك 1 : 28)، نفهم ان الله خلق الغريزة الجنسية في الإنسان.

لقد خلقنا الله كاملين مع غرائز من طبيعته وبدون خطيه، وخلق شجرة معرفة الخير والشر كي يختبر محبتنا واطاعتنا له بمحض إرادتنا، فلو لم توجد هذه الشجرة لما كان هناك عنصر الاختيار ولكنا أناسا مسيرين كالآليات، والله لا يريدنا كذلك. يقول آساف بوحي الروح القدس في سفر المزامير: "أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم، لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون" (مز 82 : 6 – 7)، أي أننا نحمل طبيعة الله في حياتنا، ولكن الخطية سببت لموتنا وسقوطنا، ويسوع رب المجد نفسه يقتبس هذه الآية أمام اليهود (يو 10 : 34).

إن قصد الله من خلقنا هو للخير وليس الشر والخطية، والغرائز التي خلقها فينا هي صالحة ومن طبيعته الصالحة كذلك، لذلك فالمشكلة ليست الغرائز، فهي مخلوقة فينا من الله لاستعمالها بشكل صحيح ولأهداف سليمه كما ذكرنا سابقا، والمشكلة ليست الشيطان، فهو موجود قبل ان يخلقنا الله، لكن الإشكالية الأساسية أننا عصينا وصية الله ونحن بعد في الجنة، عندها تلوثت الغرائز بالخطية فأصبحنا أناسا مشتهين شرورا، وبدأ الإنسان يستعمل الغرائز بشكل خاطئ، فبدل ان يستعمل غريزة الجوع للطعام الباقي، الحياة الابدية كما وعظ الرب للناس في انجيل يوحنا قائلا: "اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الانسان لان هذا الله الاب قد ختمه" (أص 6 ع 27)، استبدل الانسان هذه الغريزة بالطعام البائد محاولا إشباع رغباته بالأمور الزمنية بعيدا عن الله، ولكن لا شبع، وبدل ان يستعمل الغريزة الجنسية في نطاق "المعين النظير"، أي الزواج المقدس، استبدلها بحياة الزنى، ظانا انه بذلك سيروي ظمأه وغريزته، ولكن لا ارتواء، لماذا ؟ لأنها تدنست بالخطية خارج نطاق الزواج، لدرجة أن الزواج تحوّل لأمر هامشي يتجنبه الكثيرون في حين أن الرب قدّس الزواج بل وأوصى به.

مكتوب في سفر الأمثال: "شهوة الصديقين تمنح" (أم 10 : 24)، أي غريزة أو رغبة الصديق تستجاب من الله، وهنا الحديث طبعا عن رغبة الصديق الذي يعرف الله، والشهوة هنا هي صالحة وللخير بحسب مشيئة وطبيعة الله. في موضع آخر يقول الكتاب على فم بولس الرسول: "...حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهى أولئك" (الحديث عن شعب اسرائيل في البرية - 1 كو 10 : 6) والكتاب يوصينا ان نشتهي اللبن العقلي العديم الغش أي كلمة الله (1 بط 2 : 2).

من المهم ان ندرك ان الله، خلقنا على صورته ومثاله (تك 1 : 27)، اي انه خلق فينا غريزته او طبيعته التي لا تخطئ، وبالتالي كان لنا الامتياز والحق ان نكون معه في الجنة، لان الله لا يستطيع ان يحتمل الخطية، وعندما أخطا الإنسان طرده الله من الجنة بعيدا عنه، ولكن بفرط محبته للإنسان اعد لنا طريقا للخلاص بابنه يسوع.

هذا يفسر ما هو مكتوب في رسالة يوحنا الأولى 5 : 18 عندما قال: "كل من ولد من الله لا يخطئ"، أي ان الغريزة التي فينا من الله نحن أولاده لا يمكن ان تخطئ، ولكن الخطية لوّثت الغريزة أو الطبيعة التي لنا من الله فأصبحنا أناسا خاطئين، ولذلك يصرخ بولس قائلا "ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت" (رو 7 : 24)، والإجابة لا تتأخر عندما هتف بالعدد الذي يليه: "اشكر الله بيسوع المسيح ربنا"، فيسوع، بموته الكفاري على الصليب، محا الصك الذي لصق فينا مسمرا إياه بالصليب وفتح باب الخلاص أمامنا بالنعمة (كو 2 : 14)، لذلك بالنعمة نحن مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منا، هو عطية الله، ليس من اعمال كي لا يفتخر احد (أف 2 : 8 - 9).
 
في رسالة يعقوب يتحدث عن الشهوة التي تخدع، خلافا للشهوة أو الغريزة الصالحة، ويشرح لنا أنه إذا انجذب أحد بهذه الشهوة الخداعة عندها سيبدأ "الحبل" بالخطية، وهذا ما يعمله الشيطان حيث يجربنا بالشر، ويتابع ويقول أن الله غير مجرب بالشرور، بل كل عطية صالحة نازلة من عنده، بما في ذلك الغرائز التي خلق فينا بكلمة الحق أي بيسوع (يع 1 : 13 – 18)، وفي مطلع الإصحاح الرابع من رسالته يؤكد لنا يعقوب بالروح القدس أن الحروبات والخصومات اشتعلت في أولئك الذين أرسل إليهم رسالته بسبب اللذات المحاربة في أعضائهم، أي الغرائز التي تدنست بالخطية، ولذلك يتابع ويقول لهم: "تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديا لكي تنفقوا في لذاتكم" (يع 4 : 3).

إن خطية أبينا الأرضي "آدم الأول" قد لوثت غريزة الله فينا وهكذا تدنست الغريزة في جميعنا، ولكن موت أبينا السماوي "آدم الثاني" يسوع رب المجد عن الخطية فتح أمام البشرية الطريق للولادة الجديدة بالإيمان (رو 5 : 1)، فإذا ولدنا من الله سنكون بالحقيقة أولاده المبررين وسنسير بحسب الغريزة الصالحة من الله فينا، "لأنه كما بمعصية الانسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارا" (رو 5 : 19).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا